ثقافة

الاتحاد

«هاي أبوظبي».. تسامح بكل اللغات

فاطمة عطفة (أبوظبي)

شهدت فعاليات أمس من مهرجان هاي أبوظبي الذي تنظمه وزارة التسامح، بالتعاون مع هاي للفنون والآداب البريطاني، حالة خاصة من الحوار حول العديد من الموضوعات، والتي كان أبرزها الجلسة الدبلوماسية التي حضرها‏ معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح، وتحدث فيها الدبلوماسي الهندي شاشي ثارور حول الخطوط الرئيسة لرسم السياسات الدولية، متسائلاً عن مستقبل الإنسانية في ظل أوضاع حالية ملتبسة، كما شهد معاليه الحفل الموسيقي الذي أحياه الفنان مارسيل خليفة وابنه بشار، وكلمات الشاعر محمود درويش، كما كان لأبطال الجوائز العالمية المكان والمكانة في هاي أبوظبي، حيث تألقت الروائية العُمانية جوخة الحارثي، أول عربية تحصل على جائزة البوكر الدولية، في مناقشة روايتها الفائزة بالجائزة «سيدات القمر» مع الإعلامية بروين حبيب، كما شهد المهرجان حالة حوار حول كلاسيكيات الفنون والآداب الإسلامية وإعادة اكتشافها من جديد، في إطار البحث عن الهوية مع الدكتور أحمد الشمسي.

في بداية الجلسة أعرب الدبلوماسي الهندي شاشي ثارور الذي شغل منصب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، ووزير الدولة في الشؤون الخارجية في الحكومة الهندية، عن إعجابه بما تتسم به دولة الإمارات العربية من تسامح وتعايش يجعل منها مثالاً فريداً في هذا المجال، حيث تتجاور فيها المساجد مع الكنائس والمعابد، ويعيش الجميع في أمن وسلام وتعايش.
وعبر ثارور عن حزنه لما تشهده الهند في الشهور الأخيرة من عنف وطائفية، معرباً عن إيمانه بأن الوضع الحالي سينتهي وتعود من جديد الهند كما أسسها الآباء المؤسسون، الهند التي اختارت المقاومة السلمية للاحتلال البريطاني بقيادة غاندي، والتي قامت على دستور يؤمن للجميع حرية العقيدة والمساواة في الفرص.
كما تحدث عن العولمة، موضحاً أن لها العديد من الإيجابيات، معتبراً أن الصين من أكثر الدول التي استفادت من العولمة، وفي الهند، رغم أن العولمة أثرت سلباً على بعض الصناعات، إلا أن الهند نجحت في أن تحتل موقعاً متقدماً في مجال تكنولوجيا المعلومات.
كذلك أشار ثارور إلى أن ما يشهده العالم حالياً من انتشار سريع لفيروس كورونا قد يسبب أزمة في الفترة المقبلة، مضيفاً: «رغم ذلك دعونا نكون متفائلين ونفخر بتاريخنا الإنساني».
وتطرق ثارور إلى النظام العالمي، مؤكداً أنه لا يمكن القول إن هناك نظاماً ليبرالياً عالمياً لأن هناك دولاً ما زالت تعاني الصراعات والاضطرابات والفقر.

مارسيل خليفة.. استقبال حافل
أشاد الفنان مارسيل خليفة بمهرجان هاي أبوظبي وقيمته الثقافية ودوره في تعزيز قيم التواصل والتسامح بين البشر، مؤكداً أن هذه المهرجانات لها طابع ثقافي راق والمجتمعات بحاجة لها، وقد أثبت هاي أبوظبي أن الجمهور بحاجة إلى هذا النوعية الراقية من الثقافة التي تعزز قيم التسامح والتواصل بين البشر.
جاء ذلك عقب إحياء مارسيل خليفة لليلة من الطرب الأصيل شهدت تنافساً بين الجمهور لحضورها، حيث تألق مارسيل وبشار خليفة مع شعر محمود درويش، إضافة إلى أغنياته الشهيرة التي تغنى بها بصحبة الجماهير.
وعن التسامح والأخوة الإنسانية، أكد مارسيل أن معظم أعماله تدور حول هذه الغاية، ومنها أغنية «جواز السفر» التي تقول «كل قلوب الناس جنسيتي، فلتسقطوا عني جواز السفر»، لست بحاجة إلى جواز السفر إذا كل قلوب الناس هي جنسيتي.. هم إخوتي... وهذا منتهى الإيمان بالأخوة الإنسانية. والمطرب الذي يغني للوطن يحمل بين جوانحه ذلك الحب العظيم لأنه لن يصل إلى هدفه إلا بحب الإنسانية على اختلاف دينهم وألوانهم وجنسياتهم، مؤكداً أن هذا الانصهار في بوتقة واحدة وفي مجتمع واحد لديه كل الإمكانيات أن يعيش بسلام وبفرح وبكرامة وبإنسانية، ونرى هذا واضحاً في هاي أبوظبي، وأن الجيل الجديد بحاجة إلى أن نكون قريبين من هذه القيم.
وأضاف مارسيل أنه سعيد بعمل «ذاكرة مع الشاعر الكبير محمود دوريش» الذي قدمه في المهرجان، وقال إن الكثير من المقطوعات تمت كتابتها قبل أن يولد معظم الحضور اليوم، ومع ذلك تقبلوها وسعدوا بها.
وعن الأخوة الإنسانية برؤيته كفنان، قال «بحثت من زمن بعيد مع بداية مشروعي عن التلاحم البشري أينما كان، فالآخر ليس عدواً، بل صديق، وكما ترى، أعضاء الفريق كل واحد من مكان وبشكل جميل توحدنا في هذه الرؤية الإنسانية، وأضم صوتي في هذا التآخي وهذا التلاحم وهذه الإنسانية لصوت وزارة التسامح، فالعالم بحاجة إلى التسامح أكثر من أي وقت مضى، ويكفينا عذاباً ويكفينا مرارة، ويكفينا دموعاً، ويكفينا كل هذه الحروب.

الشمسي.. أثر الطباعة
كما شهدت فعاليات هاي أبوظبي جلسة خاصة للباحث والكاتب الدكتور أحمد الشمسي الذي حول إعادة اكتشاف الكلاسيكيات الإسلامية في محاولة لفهم فحواها التاريخية وتأصيلها وتعريف العالم بها، وتطرق إلى الكتابات خلال القرون الأولى للإسلام وأثر اختراع الطباعة في بعث هذه الكتابات من جديد، سواء منها ما يتعلق بالأدب أو العلوم أو التاريخ أو الفقه والفن، فكان القرن التاسع عشر فرصة لكي نكتشف تراثاً ضخمة يستحق أن نتعرف عليه، مؤكداً أن القيم والتقاليد الأصيلة للمجتمعات العربية لا تنفصل كثيراً عن القيم الإنسانية السامية، وأنه من المهم وجود حوار حقيقي بين الشرق الغرب على قاعدة واضحة من قبول الآخر والتسامح والمصالح المشتركة.
وعن التسامح والأخوة الإنسانية وعلاقتهما بالثقافة ومهرجان الهاي: أوضح الشمسي أن وجوده في الإمارات لأول مرة محل فخر واعتزاز لما تتمتع به الدولة من قدرات ونهضة يمكن للزائر أن يلاحظها في كل مكان، مؤكداً أن احتضان أبوظبي مهرجاناً بحجم الهاي يدل على إيمانها بالثقافة كباب للتواصل بين الناس والأفكار والرؤى حول العالم، وهو ما لمسه بشدة داخل هاي أبوظبي فلم يصادر رأياً ولم يحجب فكرة، بل تفاعل الجميع من المشاركين والجمهور بحرية رائعة، وفي مناخ ينطلق التسامح من جوانبه كافة، مؤكداً أن مبادئ الأخوة الإنسانية التي انطلقت من أبوظبي تمثل حالة رائعة يحتاجها المجتمع الدولي كوثيقة تاريخية تحض على التعارف والتواصل بديلاً من الصراع والتناحر، وهو أمر رائع، مشيداً بنجاح هاي أبوظبي في نسخته الأولى، متمنياً أن تتكرر التجربة لتؤصل فكرة التواصل والتسامح بين مثقفي العالم كافة.

جوخة الحارثي.. رواية التاريخ
حياة درامية لثلاث شقيقات حافلة بالأسرار والصراعات الداخلية والخارجية في المجتمع العماني الصغير. بهذه البداية البسيطة يطالع القارئ نسيج عمل روائي مؤثر بين الماضي والحاضر في سرد واضح يكشف الخطوط الأساسية للتاريخ في تفاعله مع الأحداث والشخصيات المحورية في العمل، هكذا تنطلق الكاتبة جوخة الحارثي في رسم والوقائع والأحداث والعلاقات المتشابكة لشخصيات روايتها «سيدات القمر» الفائزة بجائزة بوكر العالمية، والتي كانت أول أمس موضوع جلسة الحوار بين الروائية الحارثي والشاعرة الإعلامية بروين حبيب.
وحول وضع المرأة قديماً بين أن تكون مجهولة أو أنها حاضرة في كل مكان، قالت الكاتبة: المرأة حاضرة دائماً، وإن أراد المجتمع أن يغيبها. من خلال تجربتي وأنا في السابعة من عمري، كنت أذهب لزيارة خالتي وأحضر مجلسها الذي يضم مجموعة من النساء، وأستمع إلى أحاديثهن وأسمع الكثير عن قصص الناس وأحوالهم المادية ومعاناتهم من الفقر أو استمتاع بعضهم بترف العيش في ثراء فاحش. ومن هذا التفاوت الكبير في الحياة ومستوى العيش وما يرافقه من سخط على هذه الفوارق الاجتماعية، صورت الأحداث في عملي.
وعن تناولها لتفاصيل كثيرة في تصوير حياة العديد من النساء، أشارت إلى أن شخصيات روايتها كلها منسجمة مع واقعها وهي مقنعة في علاقاتها. وتابعت لافتة إلى أهمية جو البيت وتمتع الأطفال بالحرية التي تنمي الموهبة وتغني التجربة، حيث أوضحت أنها بدأت من صباها الباكر تقرأ لنجيب محفوظ وماركيز، دون أن تسمع في البيت عبارة: لا تقرئي هذه الروايات.. أو اقرئي غيرها، مشيرة إلى أن هذه الحرية التي حظيت بها لم تختلف بعد الزواج، وقالت: أنا بدأت الكتابة قبل الزواج واستمررت كما كنت في بيت أهلي.
وحول الإشكالات الفكرية التي أثارتها رواية «سيدات القمر»، أكدت أنها رجعت إلى الوثائق التاريخية المعتمدة، سواء ما يتعلق منها بمشكلة العبودية أو غيرها. وقالت: سمعت الكثير من الناس، فأنا لم أكتب رواية تاريخية إنما بنيت عملي بوحي مما سمعت وقرأت وقناعتي الفكرية بذلك.

مثقفون يبحثون مستقبل الأدب في الإمارات
جمعت جلسة خاصة حول مستقبل الأدب في الإمارات، كلاً من أسماء صديق المطوع «مؤسسة صالون الملتقى»، وأحلام بلوكي مدير مهرجان طيران الإمارات للآداب، وأحمد العلي محرر في الروايات التي تختص في الأعمال الأدبية العربية والمترجمة ضمن مجموعة كلمات، وسعيد حمدان الطنيجي مدير إدارة النشر في دائرة الثقافة والسياحة «مشروع كلمة»، وأدارت جلسة الحوار الكاتبة صالحة عبيد.
تقول أسماء: «صالون الملتقى» انطلق مستجيباً لاستراتيجية الدولة ومنسجماً مع رعايتها للمؤسسات الثقافية، ونحن مجموعة متنوعة الجنسيات وركزنا منذ البداية على مناقشة الرواية الإماراتية والعربية والعالمية المترجمة، مؤكدة أهمية الترجمة، كما طالبت بترجمة الكتاب الإماراتي لتأكيد حضور أدبائنا المبدعين في الساحة الثقافية العالمية، ولفتت النظر إلى ضرورة التنسيق بين المؤسسات الثقافية، لأن العمل الجماعي المشترك والمنظم يترك تأثيره الإيجابي الكبير في المجتمع.
وبدورها قالت أحلام: نحاول أن نجمع بين الكتاب والمحررين، وفي برنامجنا هذا العام تعاون مع الشيخة بدور القاسمي، وأشارت باستغراب إلى أنه لا يوجد إلا 1400 صفحة للكاتب العربي في الميديا، مركزة على ضرورة دعم المبدعين العرب وخاصة الشباب منهم في المؤتمرات الأدبية العربية والعالمية، مع وجوب ترجمة الأعمال العربية إلى الإنجليزية.
أما أحمد العلي فأكد على أهمية أن تسعى دور النشر المحلية إلى تحديد المحتوى المحلي وإيضاح علاقته بالمحتوى العالمي، لأن كل ثقافة تحمل ملامح هويتها وأدبياتها الثقافية، لافتاً إلى أن جودة النص هي من الأولويات المطلوبة في العمل الأدبي، لأن قراءة الكتاب أشبه بلقاء شخص، فهو إما أن يكون جديراً بهذا اللقاء أو العكس.
وتحدث سعيد حمدان عن صناعة النشر مبيناً أنها ليست فقط صناعة الكتاب، بل تسويق الكتاب. وتابع مشيراً إلى ضرورة الاعتدال في تحديد سعر الكتاب ليكون في متناول أكبر عدد من القراء، وتحدث عن أهمية ترجمة الأعمال العربية المتميزة إلى اللغات الأجنبية، وأضاف قائلاً: لكن حتى لو أنجزنا ترجمات جيدة ومتنوعة، فإننا لا نستفيد شيئاً من دون خطة للتسويق مدروسة جيداً.

اقرأ أيضا

حيدر التميمي لـ«الاتحاد»: «علم الكلام» ضروري لتجديد الثقافة والفكر