الاتحاد

منوعات

الألعاب التفاعلية تصلح ما أفسدته "التكنولوجية"

الألعاب التفاعلية وسيلة للتربية والتعليم والاستقرار النفسي

الألعاب التفاعلية وسيلة للتربية والتعليم والاستقرار النفسي

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

اللعب التفاعلي والحركي قيمة تعليمية لا تقل أهمية عن التعليم الأكاديمي، فهو وسيلة لتعليم الطفل القيم والأخلاق وتعزيز الهوية، وتحقيق الاستقامة النفسية والاجتماعية، وأي نقص أو حرمان يعانيه الطفل في هذا الجانب ينعكس سلباً عليه.
وأكد باحثون أهمية اللعب التفاعلي في تمكين الطفل وتقويم سلوكه، واستكشاف ميوله وتكوين شخصيته، استناداً إلى مقولة الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو «لكي نربي الأطفال تربية سليمة وصحيحة ينبغي على المربين دراسة الأطفال ودراسة عالمهم وميولهم من خلال ملاحظة ما يقومون به من ألعاب وممارسات يومية، كذلك إن التربية يجب أن ترضي الرغبات والميول».
كما أكدت دائرة الصحة في أبوظبي أن الطفل يحتاج إلى اللعب التفاعلي مدة لا تقل عن 60 دقيقة في اليوم، لاسيما ينعكس إيجاباً على نموه ويشبع احتياجاته ويكشف أمامه أبعاد العلاقات الاجتماعية، كما يشكل وسيلة أساسية في تعليم وتنمية التفكير بأشكاله المختلفة.
وينادي مختصون بعودة الألعاب التفاعلية التي يبتكرها الطفل بنفسه أو التي يفككها ويعيد تركيبها، لما لها من انعكاس إيجابي على حياته الشخصية والاجتماعية والنفسية، لاسيما أنها تحفز الإبداع ومهارات التعاون والتفكير.

تشكيل الشخصية
الدكتورة نجوى محمد الحوسني وكيل كلية التربية من جامعة الإمارات اعتبرت أن الألعاب التفاعلية التي ينخرط فيها الأطفال مع أقرانهم في جماعات عامل مهم في تشكيل الشخصية وتكوين القدرات والمهارات الحركية والبدنية والعقلية والاجتماعية والعاطفية، لذا يجب أن تكون جزءا من حياة الطفل، حيث يكون قادرا على اكتشاف ذاته والتفاعل مع محيطه، موضحة أن العديد من الدراسات أثبتت أهميتها الكبيرة لانعكاسها على تفكير الطفل وتنمية الجوانب الشخصية، مثل القدرة على حل المشكلات والتعاون مع الآخرين، كما أن اللعب الجماعي يتميز عن الفردي في المتعة والتنافس، ويشكل قناة تواصل أولية يسعى الطفل لتشكيلها في سنوات عمره الأولى للتفاعل مع العالم من حوله.

التعليم باللعب
وشددت على أهمية اللعب الحركي لتأثيره على الجانب البدني، حيث اعتبرته وسيلة فعالة لتفريغ الطاقات الزائدة وتجديد النشاط والحيوية، وكسر الروتين اليومي الذي غالبا ما يقضيه الطالب في تلقي الدروس في المدرسة وكتابة الواجبات في المنزل.
وأضافت:«الاتجاهات الحديثة التي تتبناها دول متقدمة في مجال التعليم، منها، فنلندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية تقوم على منهجية التعلم من خلال اللعب، ويمكن القول إن تلك الألعاب تساعد على التكيف مع أنماط الحياة السائدة، وتساعده على فهم وإدراك المفاهيم العلمية والمجردة ومعاني الأشياء وماهيتها، فعندما يستطيع الطفل اكتشاف وتجميع وتفكيك الألعاب، فهذا الأمر يثري حياته المعرفية ويمكنه من التعرف بشكل أدق على العالم من حوله، مشيرة إلى أن الألعاب الاجتماعية لها دور في تنمية الإحساس بأهمية العمل الجماعي، والتعريف بروح الفريق من أجل تحقيق المصلحة العامة والبعد عن الأنانية والعزلة والتمركز حول الذات.

ملكة الطفل الذهنية
وأوضحت نجوى الحوسني أن هذا النوع من الألعاب بيئة خصبة لتنمية مخيلة الطفل وتنشيط ملكته الذهنية وتمثيل إبداعاته، حيث يشكل اللعب بالنسبة للتربويين فرصة للتعرف على جوانب القوة والضعف في شخصية الطفل، وتشجيعه على بذل أفضل ما لديه في جو تنافسي صحي يتخلص فيه من الطاقة السلبية والملل ويمكنه من تحقيق أهدافه والظفر بالفوز، وفي السياق نفسه، أشار تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD» عام 2015 إلى أبحاث أكدت أن الأطفال الذي يلعبون بدافع ذاتي بعيد عن أي توجيه من الآخرين تتطوّر مهاراتهم الاجتماعية والعقلية بشكل ملحوظ، في حين أن اللعب الموجه والذي يقوم به الطفل كاستجابة لأمر الوالدين أو المعلمين فإنه غالبا ما يساعد الطفل على تطوير مهاراته الأكاديمية والمعرفية.

تنشئة اجتماعية
منيرة الكيومي، أخصائية نفسية بإدارة الإرشاد والاستشارات الأسرية بمؤسسة التنمية الأسرية، أشارت إلى أن اللعب التفاعلي مهم في عملية التنشئة الاجتماعية،، ويساعد على التطور اللغوي عند الطفل، وزيادة ثقته بنفسه.
وصنفت اللعب التفاعلي إلى عدة أقسام، منها، التلقائي: يكون بعيدا عن التنظيم ويمارس بشكل عشوائي وعادة يكون في المراحل الأولى للطفل.. التمثيلي: ويقوم فيه الأطفال بتمثيل الأدوار، حيث يتقمصون أدوارا معينة للكبار وقد تعكس طبيعة الحياة الأسرية والاجتماعية التي يعيشها الطفل.. أما الترويحي والرياضي فيقوم على الأنشطة التي تساعد على زيادة المهارات الحركية، وتنعكس على نفسية الطفل وصحته البدنية.. أما الفني فإنه يقوم على التركيب والاكتشاف، وهي يساعد على تنمية الإدراك .

علاج باللعب
وحملت الكيومي المسؤولية لأولياء الأمور الذين يتركون الطفل محاصرا بالألعاب الإلكترونية، ونبهت إلى خطورتها لاسيما أنها تفقده الكثير من مهارات الحوار، التي إذا تدنى مستواها فإنها تسبب له الكثير من الاضطرابات في العلاقات مع الآخرين، موضحة أن اللعب الكافي للطفل يساعده في التعبير عن مشاعره، كما يستعمل في العلاج، حيث يتم تشخيص حالة الطفل دون أن يتم الضغط عليه. وقالت إنها طلبت من طفلة رسم عائلتها، وفوجئت بها ترسم الأم يحيط بها الأطفال، بينما الأب بعيد عن المجموعة وتكرر ذلك أكثر من مرة، وحين استفسرت عن الموضوع من والدتها أوضحت لها أن دور الأب يكاد يكون مغيبا في البيت.
وعن قراءة حالة الأطفال اليوم وعلاقتهم بالألعاب التفاعلية أشارت إلى أن عدد الساعات التي يقضيها الأطفال في اللعب تراجعت، لفائدة الألعاب الإلكترونية التي اكتسحت البيوت واحتلت حيزاً مهما من حياتهم، وأن ممارسة الألعاب الإلكترونية أدت إلى تراجع مهارات الأطفال الحياتية وأثرت على النشاط الحركي والصحة الجسدية. ونوهت إلى أهمية الاشتراك مع الأبناء في اللعب، لما لذلك من أهمية خاصة أنه ينعكس على علاقة الآباء بأبنائهم ومعرفة اهتماماتهم واحتياجاتهم وطريقة تفكيرهم، ومما يساعد في تعزيز القيم الإيجابية لديهم.

أسلوب عصري
وتؤكد الاستطلاعات والدراسات أن هذا الجيل مرتبط بالتكنولوجيا مما حدا ببعض الجهات إلى ابتكار أفكار إبداعية تجذب الطلاب إلى أنشطتها التفاعلية لتمكين الأطفال واليافعين من الحياة الاجتماعية ومن أساليب التعامل مع المجتمع وتزويدهم بالمعارف الثقافية والمهارات الحياتية اللازمة، وهذا ما تقوم به مؤسسة فاطمة بنت هزاع الثقافية، التي شكلت أنشطتها التفاعلية الابتكارية التعليمية نقطة جاذبة للأطفال واليافعين.
وقالت ميسون بربر المدير التنفيذي للمؤسسة إن لهم باعا طويلا وحيزا في التعامل مع اليافعين من عمر 13 إلى 18 سنة، حيث رغبت المؤسسة في تسليط الضوء على هذه الفئة العمرية وتعزيز مشاركتها في فعاليات حية فيها أفكار جاذبة خارج النطاق التقليدي، وتعتمد على التفاعل المجتمعي والحراك الفني لاسيما أن هذا الجيل يصعب انتزاعه من براثن وسائل التكنولوجيا.
وأضافت: بناء على دراسات واستطلاعات وبفعل تعاملنا مع المدارس والطلاب عن كثب ندرك تماما أن هذا الجيل اهتمامه يكمن في وسائل التواصل الاجتماعي في التكنولوجيا والأنشطة اللاصفية والأنشطة في الهواء الطلق وإن كان التفاعل مع طلاب من مدارس أخرى لم يأت في المرتبة الأولى، والمؤسسة تدرك تماما أنه من أجل جلب الطلبة ولفت نظرهم لأنشطتنا يجب أن تكون مبتكرة وبأسلوب عصري جدا، يحاكي خيال وثقافة الأطفال واليافعين.

تقلل الشعور بالقلق والتوتر
أكدت الدكتورة نسرين السعدوني، استشاري الطب النفسي في ميديكلينيك بمستشفى النور، أهمية اللعب التفاعلي في حياة الطفل منذ نشأته، لما له من دور كبير في اكتساب المهارات الاجتماعية وانعكاس إيجابي على الجانب النفسي والأخلاقي، بالإضافة إلى تعلمه القيم والاحترام والإنجاز، وتساعده على النمو النفسي، وتصرف عنه الشعور القلق والانزواء، موضحة أنه من الأساليب المستخدمة في علاج الطفل الذي يعاني الخوف والتوتر، ويعد وسيلة مهمة لتربية الطفل وتفريغ طاقته السلبية.

تقبل الآخر واحترام الذات
العودة إلى استخدام الألعاب التفاعلية والأنشطة اللاصفية ضرورة قصوى بالنسبة لمستشار التطوير بمدرسة النخبة عفاف راضي غانم، على أن يتم التفكير في طرق ابداعية تواكب التطور حتى لا يشعر الطالب بفجوة كبيرة خارج الإطار المدرسي وداخله ويتم جذب انتباهه والتأثير فيه، لاسيما أن الألعاب التفاعلية تخرجه إلى حياة تحفيزية عالية التواصل وتبعده عن الملل، من خلال عملية تشاركية تبادلية محددة الأدوار، يجب أن تكون ممتعة تتضمن العديد من الجوانب وتعزز القيم مثل احترام الذات وتقدير الآخر، وتسهم في نجاح العملية التعليمية، مشيرة إلى أن الألعاب التفاعلية لها مفعول كبير على عقول ونشاط الطلاب إذ تغير مجرى الحصة من نشاط متوسط إلى ذروة العقل المتوقد والحضور العالي للأفكار والهمم، خاصة إذا كانت هذه الألعاب التفاعلية تتم بين مجموعات، بحيث تشكل حراكا عاليا وتعطي نتائج مبهرة إذا تبعها وصحبها تحفيز وانتقال من مهارة إلى أخرى.

جسر تربوي بين الآباء والأبناء
عن أهمية الألعاب الشعبية التفاعلية من الناحية الاجتماعية، قال الخبير التراثي علي الشحي إنها تعبر عن جسر ممتد بين الآباء والأبناء، وتعمل على تعزيز القيم وتحيي العادات والتقاليد، كما تعتبر معلما حيا للقيم والأخلاق مثل الشجاعة والصبر، مشيراً إلى أن الطفل الذي يمارس اللعبة التراثية عليه أن يبتكرها بنفسه، فيتعلم بالتالي قيمة الصبر والبحث، ويبدع ويفكر، لتصبح اللعبة جزءا منه، وبعد ممارسة هذه اللعبة فترات طويلة يصبح سفيرا في مدرسته لهذه الألعاب مما يزيده فخرا.

اقرأ أيضا

"ناسا" تنشر صوراً لنيزك لم يره أحد