ملحق دنيا

الاتحاد

الألعاب الإلكترونية.. حين تتوحش الشاشات

خولة علي ولكبيرة التونسي (دبي، أبوظبي)

يقال في الأمثال «كلما زاد الشيء عن حده انقلب ضده»، وهذا ينطبق على ممارسة الألعاب الإلكترونية، التي خرجت علينا بمنتجات تغزو عقول الأبناء في رحلة اللعب التي لا تنتهي، لتحولهم إلى مدمنين يعيشون في عالم افتراضي بعيداً عن الواقع، ويصبحون أسرى لها، متقمصين شخصيات الألعاب، ومحاكين أفعالاً لا تتفق مع ثقافتهم ومجتمعهم، لتتعالى أصوات آباء راغبين في حلول جذرية لحماية النشء من وطأة هذه الألعاب ومشاكلها.

على الرغم من أن الصبي راشد عمري، الذي لم يتجاوز الـ14 من عمره، يشكو فقدان الشهية والصداع وآلام الرقبة، فإنه مُصرّ على ممارسة الألعاب الإلكترونية يومياً ولمدة تصل إلى 10 ساعات، يقول: «إنها مسلية جداً، لا ينتابني الملل مطلقاً وأنا جالس ألعب»، مضيفاً: «من الألعاب التي تستهويني «فيفيا 20» لكرة القدم، و«جي تي ايه»، و«كول أوف ديوتي»، و«فورت نايت»، لأنها مثيرة وحماسية، وتمكنني من التواصل مع أصدقائي».
ويمضي سيف حسين، (15 سنة) الإجازة المدرسية في اللعب، ويواصله حتى الصباح، يقول: «لا أجد متعتي في الخروج مع الأهل للتنزه، بل أفضل الجلوس أمام الشاشة لممارسة الألعاب الإلكترونية ومنها «جران توريزموا» المختصة في سباق السيارات، مشيراً إلى أنه يتواصل من خلالها مع الأصحاب ومع أشخاص من قارات مختلفة، ما يهون عليه الآلام التي تصيبه في مفاصل أصابعه، نتيجة استخدم جهاز التحكم لفترة طويلة.
ويعزو جمعة عارف (16 سنة) زيادة وزنه إلى ممارسة الألعاب الإلكترونية، يقول: «أمارس ألعاباً فيها منافسة شديدة، ما يفتح شهيتي على الطعام، ولأنني لا أتحرك كثيراً زاد وزني، هكذا قالت أمي».
وعبّرت ميثاء محمد، عن انزعاجها من ممارسة أبنائها للألعاب الإلكترونية، ومنها «الفورت نايت»، تشجع على العنف والمكوث أمامها لساعات طويلة غير مكترثين بواجباتهم المدرسية، وتطالب بتقديم أنشطة وبرامج مفيدة للنشء لإخراجهم من دائرة هذه الألعاب، مؤكدة أهمية تكاتف الجهات الاجتماعية والتربوية في طرح برامج وأنشطة رياضية فنية، تساعد الصغار على تقنين ساعات اللعب.
وتشاطرها الرأي سلمى أبوغانم التي تواجه صعوبة مع أبنائها الذين تظهر عليهم مظاهر الحدة والعنف بسبب الألعاب الإلكترونية، وتقول: أصبح أولادي أسرى هذه الألعاب، التي تستنزف طاقتهم الذهنية والجسدية، ليذهبوا إلى الدراسة وهم في حالة خمول وكسل، في ظل افتقادهم الذهن الصافي والراحة النفسية.
وعن تجربتها الشخصية، تقول: «لقد تأثر طفلي البالغ من العمر 9 سنوات، صحياً ونفسياً، من جراء هذه الألعاب، فكان يتجاهل تناول الطعام بسبب الساعات الطويلة التي يقضيها في اللعب»، معتبرة أن الحل يكمن في إيجاد بدائل عن هذه الألعاب، من خلال وجود أندية رياضية واجتماعية تستوعب مختلف الأنشطة، بحيث يلتحق بها الأطفال من عمر 4 سنوات، لننمي فيهم حب ممارسة الألعاب الرياضية، كالسباحة والسلة وألعاب القوى وأيضاً الفنون، فعندما يعود الطفل إلى البيت وهو منهك، سرعان ما يأوي إلى فراشه، ولن يكون لديه وقت لممارسة هذه الألعاب الإلكترونية».

مشكلة صحية
من جهتها، تقول الدكتورة أماني عثمان حسن رئيسة قسم الطب النفسي للأطفال في مدينة الشيخ خليفة الطبية، إن إدمان الألعاب الإلكترونية مفهوم حديث أقرته منظمة الصحة العالمية في العام 2018، حين صنفته مشكلة صحية في ضوء نتائج أبحاث ودراسات أُجريت حول هذا الموضوع، مشددة على ضرورة التصدي لها.
وعن سبب تأخر تصنيف الإدمان على الإلكترونيات كمشكلة صحية، تقول إن ذلك يعود إلى أنه «إدمان افتراضي، إلا أن آثاره حقيقية، فليس هناك تعاطٍ يُرى بالعين».
وتشير زميل الكلية الملكية للطب النفسي في بريطانيا إلى ضرورة مراقبة سلوك الطفل أو المراهق مدة 12 شهراً، لملاحظة مؤشرات تؤكد أنه أصبح مدمناً، ومنها أن يفقد السيطرة على الزمن الذي يلعب فيه، والشعور بالضيق عندما تسحب منه اللعبة، ورفضه القيام بأي شيء آخر، كقضاء وقت مع الأهل والأصدقاء، وفقدان الرغبة في الذهاب إلى المدرسة، وتراجع تحصيله، واتسام سلوكه بعدم المبالاة، واللجوء إلى الكذب والخداع، والإصرار على مواصلة اللعب، على الرغم من كل التوجيهات.
وعن الأعراض الجانبية لارتباط الطفل أو المراهق بالإلكترونيات، تقول إنه يصاب بالاكتئاب أو القلق، لأنه طفل يعيش في عزلة عن العالم. وأوضحت أن العلاج يكون بحسب عمر الطفل. وتضيف: «نبدأ بالبحث في الأسباب، ونشخص وجود خلل في الأسرة، وهل هناك خلاف بين الأب والأم؟ أو هل هناك اهتمام بطفل آخر في الأسرة بشكل مبالغ فيه لسبب من الأسباب؟ وهل الطفل المدمن يعاني اضطراب التوحد؟ أم أنه ضحية تنمر أو اعتداءات، وصولاً إلى تقييم الحالة»، مبينة أنه كلما كان الطفل صغيراً، كان العلاج أسهل.

أساليب العلاج
وعن أساليب معالجة الإدمان، تؤكد أهمية إيجاد أساليب بديلة بعد علاج الطفل من الإدمان، منها مشاركته في ممارسة الألعاب الحركية وتوجيهه إلى ممارسة الألعاب الجماعية، كما يجب استعادة دور الأسرة الممتدة، وتربية الطفل على أن تكون لديه اهتمامات إنسانية واجتماعية، كزيارة العمة أو الخالة، وممارسة أنشطة حركية.
وتوضح: «عندما يقل عمر المدمن عن 10 أعوام، نبدأ بالعلاج الأسري، بحيث نوجه الأب والأم، وفي بعض الأحيان نقوّم العلاقة بينهما، وبعد ذلك نعلمهما مراقبة الطفل مراقبة ذكية، وننصحهما بقضاء وقت أطول مع الأطفال»، مشددة على أهمية اجتماع الأسرة على وجبة واحدة على الأقل في اليوم، ليصبح ذلك تقليداً مقدساً، فهو فرصة لمراقبة سلوك الطفل، ومناقشة بعض الأمور الأسرية، ومراقبة حالة الأبناء النفسية، فهذا التجمع العائلي واحد من العلاجات الفردية، واستعادة لدور العائلة في حياة الطفل، بالإضافة إلى أهمية تواصل الطفل مع عائلته كالجد والجدة، وممارسته هوايات مفيدة، كالقراءة والسباحة.
وتذكر: «يجب أن يكون هناك علاج سلوكي إلى جانب العلاج عم طريق الأسرة، بحيث تتم معالجة بعض الأعراض المرافقة، وبعد ذلك نعالج الإدمان». وعزت إدمان بعض الأطفال على الألعاب الإلكترونية إلى انشغال الأب والأم بالوظيفة، وعدم تواجدهما في البيت لدى عودتهم من المدرسة، إلى جانب عدم توافر قدوة لهم، إلى جانب أن الأهل استسهلوا تعامل أبنائهم من البداية مع الهاتف والألعاب الإلكترونية، ووجدوا الراحة في صمت أبنائهم والانزواء في ركن من أركان البيت.
وتضيف: «للتخلص من مشكلة الإدمان على الألعاب الإلكترونية يمكن أن نتبع الخطوات التي نتبعها مع الإدمان على المخدرات، حيث لا يتم منع المادة المخدرة عن المدمن سريعاً، لأن ذلك سيؤدي إلى نتائج انعكاسية لدى الشخص المدمن، كذلك الحال بالنسبة للألعاب الإلكترونية، حيث يستوجب على الوالدين متابعة أطفالهما وتخفيض فترات الجلوس على هذه الأجهزة بالتدريج، إلى أن تصل إلى ساعة فقط في اليوم مثلاً، ثم نتبع أسلوب العلاج السلوكي المعرفي لتغيير عاداتهم وإبدالها بعادات جيدة أخرى، وشغل وقت الفراغ بأشياء مفيدة، كالاشتراك في النوادي الرياضية والثقافية والتطوعية لتنمية مفهوم الذات لديهم، من خلال تغيير قناعاتهم الخاطئة وإبدالها بمدركات صحيحة، وهذا يُعد بمثابة التأهيل الذي يؤدي إلى نتائج ناجعة، ومن المفيد بناء علاقات اجتماعية حقيقية مع الأقرباء والأصدقاء، مع تعريف الأبناء بقيمة وأهمية تنظيم الوقت».

عالم وهمي
ويقول الدكتور جاسم ميرزا، رئيس جمعية الاجتماعيين، إن الألعاب الإلكترونية من القضايا المهمة التي تؤرق الأسرة، فقد انتشرت في مختلف الأجهزة والهواتف الذكية، ولم تعد محصورة في مكان واحد، وإنما يحملها الصغار معهم أينما ذهبوا لممارستها، والنتيجة غرقهم في عالم وهمي، وانفصالهم عن واقعهم ليرسموا عوالم مختلفة، يجدون فيها متعتهم الوقتية.
ويؤكد أن هناك دراسات عديدة أثبتت أن استخدام الألعاب لها تأثيرات سلبية، أكثرها شدة العنف، ويضيف: «أجرينا دراسة حول تأثير الألعاب الإلكترونية على الأطفال، واكتشفنا أن العنف هو العنصر الأكثر انتشاراً بين مستخدمي هذه الألعاب، وهذا ينعكس على حياتهم العامة، وممارسة الألعاب الإلكترونية لما يزيد على 4 ساعات تولد الإدمان»، محذراً من أنها أداة لترويج المخدرات من خلال تواصل الأبناء مع أشخاص غرباء، كما أنها تروج للتطرف الفكري والديني، الأمر الذي يحتاج إلى رقابة الأبناء وزرع الوازع الديني والأخلاقي في داخلهم.
وترى المستشارة النفسية والأسرية، ناعمة الشامسي، أن الألعاب الإلكترونية تحدّ لعب الأطفال في الخارج، وتحرمهم من ممارسة الرياضة ليزدادوا نشاطاً وصحة، ومن الخطأ أن يجدها البعض وسيلة للسيطرة على الأبناء، أو شغل وقت فراغهم، فهذه الألعاب تكسب الصغار سلوكات سلبية، سواء حركات أو إيماءات أو حتى ألفاظ نابية، وبذلك تسهم في التأثير على قيم الطفل وثقافته، لذا لا بد أن يدرك الوالدان مخاطرها.
وتقول أستاذة علم النفس الدكتورة أسماء شاكر، إن الألعاب الإلكترونية سلاح ذو حدين، له فوائده وأضراره، ولعل من إيجابيات بعض هذه الألعاب تنمية الإبداع والابتكار لدى الطفل وتحسين قدراته الإدراكية له، وتقوية الملاحظة، وزيادة الخيال والقدرة على حل المشكلات بطرق ابتكارية، والتفكير والتخطيط وتنمية الذكاء.
يقابلها العديد من السلبيات والأضرار، منها الجسدية، كالسمنة والكسل والمشكلات الصحية المختلفة، كآلام المفاصل والرقبة واليد والساعد والساقين وانحناء العمود الفقري، والمشكلات الاجتماعية والنفسية والخلقية والتي ينتقل ضررها إلى الأسرة، وبالتالي إلى المجتمع عامة. إضافة إلى التشجيع على العنف الموجه نحو الذات وضد الآخرين في العالم الافتراضي، ومن ثم قد ينتقل إلى العالم الواقعي، في ذات الوقت تهدر هذه الألعاب الوقت، وتؤثر على التحصيل الدراسي.

تدخل رقابي
يقول المحامي والمستشار القانوني علي مصبح ضاحي: إن الألعاب الإلكترونية أصبحت حديث الساعة، خصوصاً بين الفئات العمرية من الأطفال والشباب والمراهقين الذين يقضون معظم وقتهم أمامها، مشيراً إلى أنه على الآباء عدم السماح للأبناء بالدردشة على مواقع التواصل الاجتماعي، لحمايتهم من الابتزاز المالي أو الاستغلال الجنسي، مع عدم قبول أية صداقات مجهولة أو مشبوهة، وعدم فتح الكاميرات بحجة المشاركة في الألعاب.
وينصح بالعمل على إشراك الأبناء في الأندية الرياضية، والنصح بطريقة محببة وتعريفهم بمخاطر هذه الألعاب، ونشر الوعي من خلال المدارس والجهات الحكومية والخاصة بخطورة هذه الألعاب، مع ضرورة تدخل الجهات الرقابية للحد من هذه الألعاب المدمرة للمجتمع.

كارثة العصر
ترى منيرة الكيومي، اختصاصية نفسية في إدارة الإرشاد والاستشارات الأسرية في مؤسسة التنمية الأسرية، أن الإدمان الإلكتروني أصبح مشكلة العصر، مؤكدة أن المؤسسة تستقبل اتصالات من أهالٍ يبحثون عن حلول للتصدي لهذه الظاهرة التي أصبحت تتسبب في تراجع الأبناء سلوكياً وأكاديمياً، كما تستقبل حالات محولة من برنامج «شاور» ومن مركز الاتصال الأسري، معتبرة أن إدمان الأطفال على الألعاب الإلكترونية كارثة، لتسببها في مشاكل أسرية كبيرة، منها تراجع العلاقات الأسرية، وتدني مستوى الدراسة. وشددت على أهمية تعزيز وعي المجتمع بالقضية، ولا سيما أنه ليس هناك عدم إدراك من بعض أولياء الأمور لخطورة وضع هذه الأدوات في يد الطفل. وتلفت إلى أن دراسات أثبتت أن هذه الألعاب تدمر العقل، لأنها عبارة عن خطوات يتقنها الطفل عن طريق التكرار، أما مضامينها فالقتل والمكافآت اللا أخلاقية، ما ينعكس سلباً على الشخص وعلى المجتمع، وينتج عن ذلك علاقات مهزوزة، وقصور في المهارات، وتعلم الخداع والكذب، وغيرها من السلوكات السلبية.

سرقة الطفولة
تلقي الدكتورة أماني عثمان حسن رئيسة قسم الطب النفسي للأطفال في مدينة الشيخ خليفة الطبية بجانب كبير من المسؤولية على الإعلام إذ يعمل على تجميل الألعاب الإلكترونية، وإعطائها حيزاً من الاهتمام، والترويج للفائزين وإعطائهم أهمية كبيرة، لاسيما أن الطفل لا يتم تحفيزه، بقدر ما يتعلم الربح السريع، وهذا الأمر فيه سرقة للطفولة التي يجب أن تكون بريئة. وتشدد على أن اللعبة المبنية على الربح السريع أو الحظ مثل «الفورتنايت»، تعتبر لعبة خطيرة، و«غير بريئة»، لأنه إذا بدأ الطفل أو المراهق في التفكير في الشهرة وجني المال سيتخلى عن المدرسة.

اقرأ أيضا

في يوم الحب.. تناول الطعام أمام المرآة