الاتحاد

ثقافة

شعراء يمشون في جنازة الشعر

شعراء يمشون  في جنازة الشعر

شعراء يمشون في جنازة الشعر

بول شاوول

صحيح أن القرن العشرين عرف إنجازاتٍ كُبرى في الشعر فكان مكملاً للقرن التاسع عشر، وكِلا القرنين موصول إلى حدٍّ كبير لاسيما حتى الخمسينات والستينات بالقرن الماضي. كانا المساحتين اللتين عرفتا نضوج التجارب الشعرية وثوراتها وتفجراتها. لكن الصحيح أيضاً أن القرن الماضي منذ بداياته شهد علامات نعي الفنون والآداب: شرعت نظريات ناعية وقامت جنازات تحتفل باندثار ذلك الفن أو ذلك النوع أو الفلسفة.

لقد بدأ يُطلّ عصر التكنولوجيا. وفي أواخر القرن التاسع عشر اختُرعت الآلة الفوتوغرافية وقرأنا مثلاً أنه عندما اخترعت، طلعت أصوات تُبشر بموت الفن التشكيلي. وعندما اخترعت السينما طلعت أصوات تقول بموت المسرح. وعندما اخترع الراديو قيل: ماتت الصحافة، ثم وأخيراً عندما أُنشئ التلفزيون قيل: ماتت السينما.
وقد ترافق كل ذلك مع جنازات متعاقبة على امتداد القرن الماضي.. موت المسرح اليوم، موت الفن التشكيلي، موت القارئ، موت المؤلف، موت الإنسان، موت الكتاب، موت الإيديولوجيا، موت الحداثة، موت التنوير، وموت الرأسمالية والليبرالية والديموقراطية...
بمعنى آخر، كانت تحلّ في الماضي طريقة جديدة محل أخرى.. الرومانتيكية حلّت محل الكلاسيكية، ثم حلّت الرمزية محل الرومانتيكية، ثم حلّت السوريالية والدادائية محل الكل، ثم تلاشت كل هذه المدارس الشعرية والمسرحية والروائية والتشكيلية. أما اليوم فجاء ما هو أدهى: موت الشعر. لم يجرؤ أحدٌ من شعراء القرنين التاسع عشر والعشرين على دفن الشعر، لكن انتشرت موجة جديدة من ضمن تلك الجنائزيات تُعلن موت الشعر والذريعة «إنه عصر الرواية»، لكن ليس غريباً أن يتخذ الروائي أو الباحث مثل هذا الموقف. لكن الغريب أن يهتف بعض الشعراء في أوروبا وعندنا بصوتٍ ملعلع: مات الشعر! والطريف أن الشعراء الذين يهتفون بذلك ما زالوا يتدفقون قصائد وأشعارٍ ودواوين ومشاركة في المهرجانات والمؤتمرات الشعرية. مات الشعر وبقي الشعراء. فيا للمفارقة.

عن الشعر و«البرغل»
ما الذي دفع بعض هؤلاء إلى تبني مثل هذا الموقف؟ ربما بعضهم أفلس شعرياً، يُكرر ذاته تكراراً ببغائياً عقيماً. يرى أن الشعر كمفهوم وممارسة قد انتهى. يذكرني موقف هؤلاء بشخصٍ دخل دكاناً ليشتري برغلاً. فقال له البائع: البرغل مقطوع من السوق. فغادر هذا الرجل إلى دكان آخر فوجد ضالته.. العبرة أنه عندما يستنفد بعض الشعراء أنفسهم شعرياً وتتيبس قرائحهم يبشّرون بأن الشعر مقطوع كالبرغل من السوق.
ونظن أن هؤلاء قد تأثروا ببعض الآراء الهامشية في الغرب تصبُّ في هذا الاتجاه. لكن حتى هؤلاء عندما يتكلمون عن موت الشعر يقصدون موت شعرٍ ما، أو شعريةٍ ما. ليعلنوا خروجاً على الأنماط الشعرية السائدة، ويتكلم سواهم بمنطق كمّي.. لا أحد بات يشتري كتب الشعر. لأن العصر باتت تتحكم به المادية والاستهلاك والعولمة والتكنولوجيا ولم يعد فيه مكان للشعر. ويذهب بعضهم إلى القول إن الشعر المكتوب أو الصوتي أو المؤدى بات ظاهرة قديمة. فالشعر اليوم صار موجوداً في السينما والفنون البديلة والابتكارات التقنية، لكن لم يوفر بعضهم حتى الأدب ككل من القصة إلى الكتابة المسرحية والنقد. ويرى آخرون أن كل كلمة شعرية هي التزامٌ إيديولوجي وسياسي. وقد ولّى زمن هذا الالتزام مع ضعف أحزابه وقضاياه وثوراته.
كل هذه الآراء والمواقف تبدو لنا خارج النصوص الراهنة. فمواكب الجنازات ضمن هذا الإطار باتت نعوشها فارغة إلا من هذه المقاربات السطحية العمومية والاستنسابية.
فالأجيال المنتسبة إلى السبعينات وما بعد، وخصوصاً اليوم، وبحسب قراءاتي المواظبة للشعر العربي والعالمي، تدحض هذه المواقف لأنها في إصداراتها وفي طُرقها واكتشافاتها أوسع وأكثر ملامسةً وعمقاً للحياة والواقع والمُخيلة.
فإذا كان هؤلاء النبذيون يستندون إلى منطق كميات بيع الدواوين وهي كما كانت دائماً دون بيع الروايات أو المشاهدات السينمائية أو المسرحية، فإن هذا المعيار مرفوض تاريخياً: شعراء كبار في القرن التاسع عشر كبودلير ورامبو وفيرلين ومالرمه وهم آباء ورواد الحداثة لم يكونوا يبيعون من كتبهم سوى القليل: لم يبِع مالرمه مثلاً من كتابه «رمية نرد» أكثر من ثلاثين نسخة، وكذلك رامبو. أما بودلير فمُنع ديوانه «أزهار الشر». وهذا ينطبق على بول فاليري، وبول كلاديل، وسان جون برس، وأتذكر أن مجلة «أسبري» العريقة نشرت في الثمانينات تقريراً عن الشعر بعنوان صارخ «مئة بالمئة من الفرنسيين لا يقرأون الشعار»، وذكرت شعراء كباراً لا يطبعون أكثر من 300 نسخة ويُرتجع منها كثيرها، ربما باستثناء جاك بريفير شاعر باريس والأغنية والبساطة التعبيرية.
ولا يختلف الأمر عندنا في عالمنا العربي، بل أقول مؤكداً أن الاهتمام بالشعر عندنا بات أكبر مما هو في الصحف والمجلات الأدبية الفرنسية. فإذا استثنينا نزار قباني ومحمود درويش اللذين كانا الأول بفضل لغته الشعبية والثاني بفضل قضيته الفلسطينية الأكثر مبيعاً، فإن رواد الحداثة كإلياس أبو شبكة وأمين نخلة وخليل مطران وحتى سعيد عقل وصولاً إلى أُنسي الحاج وأدونيس وصلاح عبدالصبور وعبدالمعطي حجازي كانت كتب معظمهم تباع بالعشرات.

تلاشي المحمولات
هل هذا يعني موت الشعر؟ بلا قُرّاء، حتى باتت دور النشر تمتنع عن نشره وتوزيعه؟
نظن أن الشعر، والشعر الحديث، ولأنه يجترحُ الجديد والتجريبي وغير المألوف حتى الغموض عند العامة يستقرر طويلاً لإدراك الجمهور العريض. طليعته تتقدم أحياناً وحدها لتخترق شيئاً فشيئاً ونسبياً المدى العمومي. معنى ذلك أن الشعر لا يُربّح. ويعني ذلك أيضاً أن العولمة لم تستطع استيعاب الشعر وتحويله سلعةً استهلاكية كما فعلت في السينما والرواية وحتى المسرح. فهو عصيٌ على المنحى التجاري بل تعزيزٌ لثراء الفردية المتمردة التي قد تتحول أحياناً فردية إبداعية جماعية في ظروفٍ استثنائية (الحروب والالتزامات الحزبية والثورية كنيرودا ولوركا وألبيرتي وناظم حكمت...) فكون الشعر خارج الاستهلاك هو الذي حماه من الذوبان في الأرقام والكميات «قلّما سمعنا أن شاعراً حقق Best sellers (بِست سيلرز) كالرواية مثلاً، كأنه بات ضمير العالم. من هنا بالذات، وإذا عدنا إلى الفترة الراهنة الممتدة من الثمانينات، أي مع جيل الشباب وبعض المخضرمين، نجد أن كل المحمولات التي كانت تثقل الشعراء في الماضي وتُقيّدهم قد تلاشت: نهاية الأيديولوجيات اليسارية واليمينية، نهاية المدارس والنظريات والاتجاهات الشعرية المحاصرة بالبيانات (من الرومانتيكية إلى الرمزية إلى الدادائية والسوريالية) ثم غياب ظاهر الرواد الذين تحولوا من مفتتحات طليعية إلى عقبات دون الأجيال اللاحقة.
وإذا راجعنا اليوم ووسط أوراق نعي الشعر وجنازاته إنتاجات الشباب الجدد، يمكننا القول إن الشعر العربي (والأوروبي) يعيش عصره الذهبي في تجارب وأشكال ممتدة من المغرب العربي إلى مشرقه مروراً بالخليج: فهذه الأجيال وربما للمرة الأولى باتت تمارس حريتها الفردية الشاسعة في كتابة أحوالها وواقعها وهواجسها وهمومها من دون أفكارٍ جاهزة ولا مفاهيم قبْلية ولا سياسية ولا إغراءاتٍ شكلانية مجانية ولا محمولاتٍ موروثة: بات الشباب الجدد (والشابات طبعاً) يكتبون قصيدتهم بلا ادعاء ريادة ولا استلاب من الريادات، بمعنى آخر باتوا أكثر حرية من جيلنا وسابقه وأسبقهُ: فلا شعارات حداثة ولا شعارات ثورية.
من هنا، وبعكس ما يزعم مرددو «موت الشعر» أن الشعراء مشابهون لبعضهم فهم يكتبون بتعددية في الطُرق وسذاجة في التعابير وفردية لامعة لا تنفصل عما يجعل هؤلاء الشبان ويفرّقهم معاً. لم تعُد هناك وصفة سحرية جاهزة لا للحداثة ولا للقصيدة سواءٌ كانت قصيدة نثر أو تفعيلة أو عامودية... ولهذا ومن خلال قراءاتنا لكثير من الشعراء العرب نجد أنهم أوصلوا الشعر إلى أماكن جديدة غير مسبوقة واكتشافاتٍ جدّية وأساليب متفتّحة على المستقبل، سواء بعلاقتها في الفنون والآداب الأخرى كالقصة والرواية والتشكيل والسينما...
هذه الآراء التي أسوقها ليست من واردٍ فوقي، بل نتيجة مرافقتي لانتاجات الشباب في اليونان واليابان وتشيكيا والبرتغال وفرنسا وألمانيا (ونماذجها موجودة في كتابي «مختارات من الشعر العالمي من 1900 إلى 2015»)، ونرى أنه كما عندنا وللمرة الأولى بدت هوةٌ سحيقة بين أجيال الخمسينات والستينات وبين هؤلاء الجدد. ولهذا لم يهتم هؤلاء بشعرهم بل بخسوه قيمته الجديدة لأنه يختلف عنهم... بل ولأنه يراجعهم مراجعة نقدية من دون الانفصال عنهم.. فلم أجد أن هؤلاء الشباب يريدون قتل آبائهم (من الجاهلية حتى الستينات) بل يعمدون إلى مراجعتهم بروحٍ جديدة ومخيلة جديدة وبعصرٍ جديد.
موت الشعر يعني في النهاية موت العالم.

اقرأ أيضا

«القدس عاصمة فلسطين الأبدية» شعار مهرجان الفيلم الدولي بالمغرب