الاتحاد

ثقافة

بين طوطم الشرق وسراديب الموتى!

كوستنر في فيلم «الرقص مع الذئاب»

كوستنر في فيلم «الرقص مع الذئاب»

لينا أبو بكر

«إخوة الذئاب» فيلم رعب تاريخي فرنسي عام 2001، إخراج كريستوفر جانز، أبطاله: صمويل لو بيهان، ومونيكا بيلوتشي. تدور أحداث القصة في فرنسا في القرن الثامن عشر، حيث يصل فريق تحقيق من قبيلة الإيروكوا للتحقيق في جرائم ذبح غامضة راح ضحيتها المئات في مقاطعة جيفودان. الجو المؤامراتي في الفيلم مستوحى بشكل كبير من حوادث القتل الحقيقية التي انتشرت في فرنسا خلال تلك الفترة، فأسطورة الوحش جيفودان - المحرك الرئيسي للرعب السينماتي - هو الاسم التاريخي للذئب الذي عم رعبه البلاد بين عامي 1764-1767، ممزقاً حناجر ضحاياه، ما استدعى استخدام القوى الملكية للويس الخامس عشر شخصياً وأموال وموارد النبلاء والجنود والصيادين الملكيين لمطاردة روح الوحش في قلعة الذئاب الضارية، المفارقة أن أولى ضحايا الذئب في الحقيقة كانت شابة بعمر ليلى في الحكاية، ترعى القطعان في غابة ميركوري شرق جيفودان حين افترسها الذئب، بينما عثر على ضحيته الأخيرة في معدته بعد أن قتله أحد الرعاة، واختطف آخرُ جثته وشرحها!
عروض القتال لم تكن عادية بالنسبة لعمل تاريخي، فقد لعبت تأثيرات الكمبيوتر والدمى دور البطولة الإلكتروني، بميزانية قدرها 29 مليون دولار، وأرباح وصلت إلى سبعين مليون دولار في إصدار مسرحي عالمي، بما فيها المبالغ التي تكلفتها الولايات المتحدة للحصول على حقوق توزيع الفيلم ومبيعات الفيديو وأقراص الدي في دي، ما صنفه كثاني أعظم فيلم باللغة الفرنسية في قارة الرعاة الشقر!
تدور الأحداث خلال الثورة الفرنسية، كما يكتب ماركيز (الراوي)، يبعث الملك رجلين من رجاله إلى الغابة، أحدهما فرونساك الذي يقع في عشق ابنة أحد سكان القرية المحليين، وعلى علاقة بامرأة إيطالية في بيت بائعات الهوى «سلفيا»، يكتشف البطل إخوة الذئاب، الذين يحاولون تقويض حكم الملك وإثارة العامة عليه، يتوجه إلى سراديب الموتى، يلقى القبض عليه ويتم تسميمه ولكن سلفيا تنقذه رغم أنها جاسوسة الرهبان، أما الذئب الذي تعرض لتعذيب وحشي من بني البشر بعد جلبه من أفريقيا فيقتل برحمة، وينهي ماركيز قصته قبل لحظات من إعدامه في ساحة الثورة، متمنياً لماريان وحبيبها المقمور اللذين اختفيا أن يعيشا بسعادة، وهو ما لا يبدد الرعب بقدر ما يتماهى معه في دراما الخوف الأميركية: Frozen عام 2010!
الفيلم حاز على العديد من الجوائز لبراعة اللقطات، وتقنيات المبارزة بالسيوف، وجرعات الرومانسية والحميمية المطعمة بالرعب الأسود والإثارة التي تدمج اللذة مع الخوف في إطار سينمائي مشوق في نكهة فرنسية خلابة.. هناك لغة تربط بين الحواس بوثاق إمتاعي مرن ومحكم، وهناك جمال في الصورة والمرايا، في الإضاءة والخفوت، في الموسيقا والمشاهد الصامتة. في تماهي المخيلة مع الذاكرة.. فماذا سيأسرك بعد هذا؟

ذئاب صديقة للبيئة
جاء فيلم المغامرات الإيطالي: المعاطف الحمراء إنتاج 1975 ليسوق للنجاح التجاري لفيلم الأبيض فانغ، الذي سبقه بعام، لكن الأفلام المتسلسلة ضمن أجزاء برزت بثلاثية: الذئاب البيضاء: صرخة في البرية 1993 ثم أسطورة البرية 1996، وأخيراً صرخة الذئب الأبيض 2000. و Far from Home: The Adventures of Yellow Dog /‏‏ 1995 ضمن دراما اجتماعية تتخللها المطاردة والمغامرة، في حين أن الأفلام الوثائقية عبرت عن انتصارها للذئب من زاوية علمية ومعرفية، تعكس مدى حفاظ الذئب على توازن الطبيعة، وقد تألق بيل ماسون في ثلاثيته الأسطورية الوثائقية التي استهلها بـ: The Death of Legend أول فيلم وثائقي عن الذئاب، ساعد على تبديد صورتها الانطباعية «كشريرة» والتركيز على دورها البيئي، عام 1971، ليسجل سبقاً في عرض لقطات للذئاب التي وُلدت في البرية، وفي السنة الأولى من عمرها. تلاه بعد عامين وثائقيته المسرحية الطويلة بعنوان: Cry of the Wild. ليختتم هذه الثلاثية عام 1974 برائعته: Wolf pack!
فيلم «الرمادي» 2011، حاول صياغة الصراع النفسي ضمن تحدي مواجهة الطبيعة والأخطار بعد حادث تحطم طائرة، فمن حكاية اجتماعية خاصة يهرب البطل «ليام نيسون» من تعقيدات الحياة ومشاكلها، ضمن جولات قتالية مع الذئاب يهزم بها الهروب دون أن ينال من شجاعة خصمه، الموت في النهاية ليس هو النتيجة، إنه البداية، مادام الهدف ليس الانتصار على الذئاب بل مجابهتها، ولكن هذا لم يعجب نشطاء حقوق الحيوان، الذين لم يتقبلوا فلسفة المخرج وهو يحاول حياكة صراع دموي بين الإنسان والطبيعة، ليعبر عن الأبعاد البطولية للمواجهة مهما كانت نتائجها، أما اختياره للذئاب فلم يشفع له لأن الرجل الذي لا تليق به أسود الغابة، يظل في عين القمر: ذئب الذئاب!
في الفيلم الفينلندي Mystery of the Wolf عام 2006، أو في رحلة ناتي جان عام 1985 للبحث عن أبيها، مفاضلة صريحة ومبطنة بين البشر ورفاق القمر، دون إغفال الهوس التجاري باستنزاف ألعاب الفيديو ضمن هوليووديات ضخمة الإنتاج كفيلم Rampage (2018 film)، وإنها أميركا يا عزيزي، تدخلك في ملتها التجارية دون أن تترك لك حرية التمنع أو نعمة الملل من متاع أسواقها السينمائية المكتظة بالألعاب والذئاب!

ذئاب الشرق
ولكن هل يختلف الأمر في الشرق الأقصى كثيراً؟ ربما الأبعاد الفلسفية للعروض السينمائية هناك أعمق بكثير منها في مسرح الحكواتيين الشقر، وهاك «الذئب الطوطم» إنتاج صيني فرنسي لعام 2015، اختير في حفل الأوسكار الثامن والثمانين دون أن يفوز، كأفضل فيلم باللغة الأجنبية، استند إلى عمل روائي ضخم أشبه بسيرة ذاتية للكاتب الصيني Jiang Rong متصدراً المبيعات عام 2004، استغرق تدريب الذئاب الصينية سنوات بميزانية 38 مليون دولار، وخلال عام كامل تم تصوير الفيلم في منغوليا، عن شاب يتم إرساله لتدريس الرعاة، حين يكتشف حقول الذئاب التي تهددها الحكومة، مخرج العمل الفرنسي Jean-Jacques Annaud، ممنوع من دخول الصين بعد حظر فيلمه «سبع سنوات في التبت» 1997، إثر إدانته لاحتلال جيش التحرير الشعبي لسقف العالم، مغضباً الجهات الرسمية، ورغم ذاك، بقي فيلمه ممنوعاً، بينما قفز صاحبه فوق سورها العظيم بطوطمه الذئبي!
رغم التضحيات بالسرديات الهامة للرواية، عوض عنها المخرج بخبرة بصرية مدهشة، ولكن النقد الصحفي لم يعثر على فلسفة سينمائية تستفز المشاهد وترقى للعمل الروائي في الخروج عن الرمزية البيئية المألوفة ورتابة التصور السينمائي لسلوك الذئاب البدائي، ورغم أبعاده الثلاثية المتطورة وآفاقه الطبيعية الرائعة، فشل الفيلم في خلق رابط احتكاكي بين الإنسان والبيئة، ولعب تأجيل قصة الحب إلى منتصف الفيلم دوراً في تعطيل الشحنات العاطفية التي ربما استطاعت الموسيقى أن تحل محلها دون أن تعوضها!
جاء العمل ضمن وثيقة تجارية سياسية لتوثيق العلاقات بين الصين وفرنسا واقتحام ثاني أكبر سوق سينمائي في العالم بعد أميركا، ولكن ألا يوجد في العالم السينمائي لأميركا ما يستحق أن يعد عملاً تاريخياً وملحمة بصرية وفلسفية تنحاز للقيمة الأخلاقية والفكرية أكثر من القيم التجارية؟

ذئب الذئاب: كيفن كوستنر
إنه الفيلم الأسطوري لأسطورة السينما العالمية كيفن كوستنر - الرقص مع الذئاب – أو «يرقص مع الذئاب»، أنتجه وأخرجه عام 1990 واقتبسه عن رواية أشرف عليها - 1988 لمايكل بليك، الرواية بشقيها السينمائي والحكائي عن ملازم في جيش الاتحاد الأميركي يسافر إلى الحدود لإيجاد موقع عسكري يجبره على الاحتكاك بـ«لاكوتا» إحدى قبائل الهنود الحمر». عمل كوستنر على تطوير الميزانية الأولية للفيلم بقدر 15 مليون دولار، مع قيمة فنية وإنتاجية عالية للعروض الصورية وترجمة المقاطع اللغوية الواردة بلغة سكان جنوب داكوتا بالاستعانة برئيس قسم الدراسات الخاصة بهذه القبيلة في Sinte Gleska University وهي جامعة تختص بدراسة قبائل الهنود الحمر، كل شيء كان أصلياً وحقيقياً، الملابس، الزينة، الخيام، البطل الذي يصر على تأدية المشاهد الخطيرة والصعبة بنفسه، وبتوجيهاته المباشرة كما أشاد النقاد، ثم العمق التاريخي والإنساني الذي عكسه السيناريو والموسيقا التصويرية والصوت، ما جعله شبُّاكاً ضخماً للتذاكر بإيرادات تجاوزت 424 مليون دولار في جميع أنحاء العالم عداك عن أميركا، ليصنف كرابع أعلى فيلم ويرشح لـ12 جائزة نال سبعاً منها، وإليه ينسب الدور الأهم في إحياء هذا النوع من الأفلام التي حفظت في سجل الولايات المتحدة السينمائي الوطني في مكتبة الكونغرس كعمل ملحمي بقيمة ثقافية وتاريخية وجمالية عليا!
انظر إلى البطل الذي يتخطى الحدود الفيدرالية على ظهر حصانه ويختار الموت على أن تبتر ساقه، في أثمن وأعظم مشاهد البطولة على الإطلاق مع بطل العصور كلها وذئب الذئاب: كيفن كوستنر، نصير العدالة الذي لم تبهره الأضواء بل القضايا، ولم يصنعه الأشخاص بل القيم، الذئب الذي يجبرك على أن تصدق أن الأبطال لا يموتون بعد إسدال الستارة، ولا يعيشون سوى في السماء أو في أسارير النساء!
المشهد الأجمل والرئيسي الذي يضبط إيقاع الروعة هو اللغة، كجوهر أخلاقي لا يتوسل البذاءة والانحطاط على طريقة أفلام الألفية الجديدة التي تكرس لثقافة الشتيمة بابتذال وإسفاف مقزز بعيد عن الرقي وإبداعية اللعنة، وسيصادفك كثيراً ليس فقط كصياغة مدهشة بل كصيغة قانونية، حين يسأل البيض الذين يطلبون من الأميركيين إخلاء المنطقة لتفجيرها: «وماذا عن الهنود؟».
ينفى البطل إلى الصحراء، يعيد بناء الحصن، يكتب مذكراته، ويبقى وحيداً معزولاً دون إرسال قوات لتعزيز موقعه، يحاول أن يكون هدفاً ضعيفاً لجيرانه من سيوكس، ويقع في عشق ابنة رئيس القبيلة البيضاء بالتبني بعد أن يعيدها للعلاج هناك، يدخل إلى خيام «اللاكوتيين» يتعلم لغتهم يطور من علاقته بهم واحترامه لثقافتهم، بينما يراقبونه والذئاب تطارده ويداعبها فيلقبونه: يرقص مع الذئاب، المفارقة أن مذكراته يتم سرقتها من أحد الجنود البيض وتحتل قواته الحصن وتلقي القبض عليه كخائن لأميركا، ورغم أن الهنود الحمر حرروا محاربهم الذي لا يعتبرونه أبيض، فإنه يقرر هجرانهم لكي لا يكون سبباً في تعرضهم للمزيد من الهجرات، تعوي الذئاب على رحيله في مشهد خلاب وآسر يذبح القلب ويلهب المشاعر... فماذا بعد؟
الفيلم ينحاز للسكان الأصليين، ويكشف قسوة البيض وأنانية أبناء الكاوبوي، دون أن يظلم الذئاب أو يحيل الاستذئاب إلى عضة حب من لحم مأكول ودم ملعون، هناك أسطورة أليفة تبدد صورة الذئاب الوحشية في السينما، ولذك وصفه النقاد بملحمة كبيرة وكاسحة ذات نوايا نبيلة بلا هوادة، قال مدير مهرجان الفيلم الهندي الأميركي في سان فرانسيسكو: السكان الأصليون خاصة القبائل لديهم شعور إيجابي لعمل يصعب التفوق عليه! ووصف أحد كبار النقاد البطل بأنه لورنس السهول مذكرا بلورنس العرب!
نفر من البيض ناهضوه لأنه ينحاز للهنود، معترضين على تقديم صورة طيبة عنهم كحماة للبيئة، بينما هزئ نفر آخر أن تكون هناك معلمة لغة، لأن لغة الإناث تختلف عن لغة الذكور بين هذه القبائل.. ولا أدري إلى أي حد يصدق هذا النقد في ظل الاستعانة برئيس قسم مختص بهذه اللغات من الجامعة!
رفض كوستنر عروضاً بأجزاء تجارية أو استنزافية تابعة، ولكنه ونتيجة للإلحاح الجماهيري والمهني اكتفى بقبول عروض مسرحية ممتدة للفيلم لتكريس الشخصيات والرسالة التي انحاز إليها الجمهور.

 

 

اقرأ أيضا

معرض فني يستعيد «علامات» آدم حنين «الفارقة»