الاتحاد

ثقافة

وستمضي... تاركا خلفكَ من يذكركَ أو ينساك

«العالم لا يحققُ للمرءِ إلا أمنيةً واحدة: أريدُ أن أصبحَ كاتبةً مثلك!»

«العالم لا يحققُ للمرءِ إلا أمنيةً واحدة: أريدُ أن أصبحَ كاتبةً مثلك!»

أمل إسماعيل

يحيط بنا، يذكرنا بضيافته لنا مدة من الزمن، قبل أن يطرق بابنا مطالبا بحقّه في كل نفسٍ تنفسناه، كل ذكرى عشناها، كل كلمة كتبناها، كل روحٍ أحببناها، وبالتأكيد.. كل ما حلُمنا به ولم يسعفنا هذا الطارق لتحقيقه، لأنه جاءنا كيقين.. ساخرا من كل ما تحدثنا عنه، وتكاسلنا عنه أو تجاهلناه. إنه آتٍ، وأنتَ اليوم مضياف- سواء أردتَ ذلك أم لم ترد. وستفتحُ له الباب، وستقدمُ له كل ما يطلبُ وما لا يطلب. ستعيدُ له أمانةً غاليةً دون أن تدري على أيِّ حالٍ ستعيدها إليه، وإن كان سيقبلها منك راضيا بحب، أم سيشيحُ بوجهِه قبل أنْ يحملها منكَ على مضَضٍ، ويمضي.

ما تراه!
وسيمضي، وستمضي معه وحيدا، تاركا خلفكَ من يذكركَ أو ينساك.. سيان، من تلكَ الكُوّة الصغيرة سترى.. ويا لهولِ ما ستراه!
أماًّ وأبا، مطرقين مذهولين، هل فقدا ضناهما حقا؟ أغادرهما ذلك الطفل – الذي لم يكبر يوما – إلى غير رجعة! أأصبح بينهما وبينه ترابٌ ودموعٌ ودعواتٌ وصلوات وصورٌ وأصواتٌ تتردد في الأمكنة وتزلزل الصدور وتمطر بالنشيج!
تلك العينان الصافيتان اللتان كانت زرقتهما تمسكُ كفّيهما فتأخذهما في رحلةٍ إلى سماءَ لا حزن فيها ولا انتظار. تلك الابتسامة العذبة التي أمطرتْ حياتهما فرحا وسكينة. تلك المشاهد المسروقة من فم الزمن التي توّجتهما ملكين على كوكب الآباء والأمهات وهما يصفّقان لأول خطوة يخطوها، لأول حرفٍ يتأتِئُه، لأول كلمةٍ يعنيها، ولكل جائزةٍ ينالها، أو تكريمٍ يحصده، أو إنجازٍ يحقّقه. ياه كم كان كل شيء يبدو واضحا! وكم تزدحم الذاكرة بمشاهد شتى تأخذ في التوهج فتعمي البصر وتشحذ البصيرة خشية أن يسقط أحدها سهوا في الدرك الأسفل من النسيان!
إنه حاضرٌ بينهما، يرى ذلك ويشمّه، من تلك الكوةِ الصغيرة أطلقَ ساقيه للريح، ارتقى التلّة المؤديةَ إلى البيت على نفسٍ واحد، ثم تجاوزَ عتباتِ السّلم الثلاث بقفزةٍ واحدة - كانتْ تصبغُ روحهُ طفلا بالشقاوة ونفاذ الصبر - قبلَ أن يدفعَ الباب الخشبي القشّرهُ الزمنُ ليعلنَ أنه ما زال موجودا، وقد غدا طويل الظل مكتمل الملامح، خلفه حبيبة وأبناء وأصدقاء وزملاء عمل ومعجبون إلكترونيون فضوليون ينتظرون على جدول أعماله اليومي المزدحم.
يقرأ خبرا على شاشة التلفاز التي تتوسط الصالة - التلفاز نفسه الذي كان مصدر إزعاجه على الدوام، مطالبا بإغلاقه ليحظى الكون بدقائق من الهدوء - لكن أمه تصر على تكريسِ صوته وصورته عازلا للوحشةِ وكاسرا للصمت.. الصمت الذي بات صوتُهُ مزعجا وهو يقرأ الخبر، يمسحُ الكلماتِ مسحا سريعا دون أن يدرك معناها، ثم يسرع إلى المطبخ، يتناول كوبا من الحليب وجده على المنضدة، يذكّرهُ بصديقٍ يكرهُ القهوة، ويحرجُهُ في كلّ مقهى يسألُ نادلَهُ عن كوبِ حليب، فيعتذرُ هو ويطلبُ شايا أو قهوة ليلطّف الدهشةَ البادية على ملامح النادل. يسيلُ الحليب على شفتَيه، يرسم له شاربا مستعارا، يخرجُ متأملا طفولتَه المنسحبةَ من ملامحِ وجهِه، يشعرُ بيدٍ طريّة تشدّ طرفَ سرواله، يلتفتُ إلى الطفلةِ ذات الجديلة القصيرة المضفورة بإهمال وهي تسأله: متى يطولُ شعري مثل ريبونزل؟! أريد أن أصبح جميلة. تتردّد ثم تغيّر رأيها، وهي تظنّ أن العالم لا يحققُ للمرءِ إلا أمنيةً واحدة، وعليها أن تختار: مم.. لا، بل أريدُ أن أصبحَ كاتبةً مثلك!
يخيّل إليكَ أنّ كل ما قالته تاليا سالَ من على فمها كلماتٍ من حليب.. ها أنتَ ترى الأحرفَ تتساقطُ بوضوح، في المسافة ما بين شفتيها وقدميها الصغيرتين القطنيّتين.. تقعُ الأحرف واحدةً تلو الأخرى فيُحدِثُ ارتطامها دويًّا ويتردد الصدى فيصمّ أذنَيك. آخ، آخ... لكأنّك أصِبتَ بصدمةِ القذيفة.. لكأنّك في حربٍ تجاهد لتخرج منها حيا. حيا! أجل.. ما زال قلبكَ نابضا في قلبِ هذه الصغيرة. من ذا يجرؤ على الزّعم بموتك! خبرٌ تافه على شاشة تلفاز مجنون؟ أم دمعةٌ مُرّة ذرفها أحباؤك! وهذه الصغيرة! وتلك ال.....، يدفعك جسدٌ ضخمٌ فتنهال عليك حجارةُ أفكاركَ لتدفنَ ثورة الشّك التي تسكنك. إنه أخوك، حاملا أكياسا بلاستيكيةَ تتبيّن أنها تضم أكياسا ورقية أخرى تعرفها: قهوة، هيل، زعفران، و.. هذه علبةُ فنجاجين للضيافة، وهذه دلّة قهوة جميلة تناسبُ الموقف، دلّة أخرى، ثالثة ورابعة، لا يكون ذلك إلا لمجلس فرح أو عزاء.. في أيهما تحضر أنتَ الآن!
يمكنكَ أن تتذكر بوضوح طعم فنجان قهوتك الأول، عندما سُمح لك بأنْ تَكبُر فجأة، لقد ماتت جدّتك، وعليكَ أنْ تُضيّف المعزّين قهوة مرة. فعلتَ ذلك، ولم يَلُمكَ والدك وهو يركّز نظَرَه على ملامحك التي لم تستسغْ طعم القهوة العربية بلا سُكّر، فرُحتَ تضيفُ إليها ملعقةً من السكر خلسة وتشربها سعيدا كمَن اكتشف للتو سرا جديدا بمذاق طيب! نظرةُ والدك الصّارمة وهو يزمّ شفتَيه وحاجبيه تحوّلت إلى ابتسامة سرعان ما تفلّتت إلى ضحكةٍ اتسعتْ لكَ ولكلّ من جاوره في المجلس. إنها أمّه التي ماتت، ولكنّك جعلتَ للحزن على وجههِ ملامحَ أخرى طعمها أحلى من السكر. ضمّك إليه، وشربَ من فنجانك قبل أن يعيده إليك وهو يربتُ على كتفكَ ويقول للمندهشين من حوله: هذا ابني.. ومن خلّف ما مات! رحم الله أمي، ورحمنا يوم نصير إلى مثل ما صارتْ إليه.
وقد صرتَ إليه، من خلّف ما مات! فهل مات والدكَ الآن بموتك؟ ولكن! بأيّ حقٍّ تموتُ فتميتَهُ معك! وبأيّ حقٍ تتركُ تلك الصغيرة وحيدةً دونك! تعبثُ في كتبك، تتعثّر بنصوصٍ مبتورةٍ لم تكملها، وقراءاتٍ لم تتمّها، ومشاريعَ وعَدتَ بها خلقا كثيرا لكنكَ لم تغرس بذورها وتتعدها بالرعاية كما يجب، وأناسٍ فتحوا لك قلوبهم وبيوتهم متكئين على كلماتٍ زرعتها فنبتَتْ حقولا من حرية وسلام، وأماكن احتوتكَ وألقَتْ عليك رُقيَتها لتزورها ثانية. هل كان عليك أن تكتبَ لها وصيةً ما؟ أنْ ترشدها.. ربما خريطةً تقودها إلى الكنز. آه، لعله لن يكون كنزا بل عبئا تركلُ حظّها ككرةٍ من ثلج لأنك تركته لها. ستتنازل عن حلمها بأن تصبح كاتبة، وستصبح زوجةً تعيسة تربي الألم والانتظار، وترشّ بهارات الحزن على كل طبق تعده لزوجها وأبنائها. أحفادكَ الذين سيتأملون صورتك.. أي صورةٍ ستختار لكَ يا ترى؟ صورةً فاخرةً كاملة البهاء لك أثناء استلام جائزة ما، أم صورتك وأنتَ تحضنها مبللين في موج البحر، أم صورة جماعية للعائلة – وما أكثرها – تجعلكَ تبدو شخصية تاريخية تعبر المشهد كأنكّ في فيلم وثائقي، ولنْ يكون على أطفالها حينذاك إلا توثيق اللقطة، ثم التحدث عنها كمن يتحدث عن زيارة أسدٍ وحيد في حديقة حيوان: لقد رأيته... وتبادلنا النظرات.
هل سيُحدِّثك أحفادك؟ هل سينبتُ واحدٌ منهم كصبارة في صحراء قاحلة ليُسِر لكَ بأسراره التي لا يفهمها إلاك! هل سيكون من بينهم من يشبهك! يسرق زرقةَ عينيك.. أو يلمسُ بأصابعه طيفكَ السحري المجنون فيعلقَ غبارك المتلألئ بملابسه ويسكنُه إلى الأبد!
وهل... – في خضم ذلك الاجتياح الهائل لهذه المشاعر – هل ستذكركَ التي أحببتَها وأخلَصتَ لها وخانها غيابك! هل ستتزوج وترزق بأبناء تسمي أحدهم على اسمك، تيمنا بكاتب كاد أن يصبح عظيما في ذاكرة التاريخ لكنّه قرر أن يصبح عظيما في ذاكرتها هي، ويحفر اسمه على جدران قلبها هي. هل سترسل لك رسائل صوتية ترسم فيها ملامح حضورها الغائب كي تذكّرك بأنها لا تنساك! هل ستعيدُ تصفح مواقع التواصل الاجتماعي باحثة عن كل ما يخصّك، متشبثةً بكل تلك القصص الجانبية لمعجبيكَ الذين تناقلوا صورك وذيلوها بأبيات شعرية تفتقدكَ أو تتغزلُ بما تبقى من كلماتٍ يرددونها سرا، أو لعلهم حولوها إلى أغنيات تمجّد الحب والحرية والحياة والمسافة التي كانت حاضرة على الدوام بين سطورك! ربما ستفكر للحظة بأن تطالب بحقها في أن ترث كل ما كان لك لتتولى وحدها مسؤولية البكاء على أطلالك، ثم ستتذكرُ أنها لم تكن حبيبتك الوحيدة، وأن كل ما على هذه الأرض من كائنات – البحر والشجر بالذات – كانوا مغرمين بك. أي حبيبةٍ بائسةٍ هي! أي حبيبةٍ محظوظةٍ هي! أي غائبٍ هانئٍ أنت! تزورها كل ليلة لتطمئن إلى أن ابتسامتها باتت تشبهُ ابتسامتك، وأن اسمكَ طار من قائمة المدعوين إلى حفل ما ترتّبه في بيتها، لكن لا يهم.. إنها ترتب المقاعد، وتمسح أحدها مثلما كنت تفعل تماما قبل أن تجلس، سواء كانت تفكر فيك في هذه اللحظة أم لا، هناك هالةٌ من النور تحيط بها، تراها أنتَ وحدكَ ويشعر بها كل من يقترب منها.. تقف في زاويةٍ لها رائحةُ شعرها، وطعمُ شفتيها، من هذه الزاوية تتلصص على كل ما يدور هناك، ثم تنصتُ إلى شفتيها تتحركان، فتسري رعدةٌ في أوصالك، تنغرسُ أضلعكَ في الحائط، إنها تقرأ نصا لك، نصٌ كتبْتَهُ ولم تنشره، لأنكَ رأيتها أحقّ به من المطبعة، والقرّاء، والأدب برمته. إنها تقرأ النص دون أن تبكي، قويةً كما أردتْ لها أن تكون على الدوام، عنقاء بلا نار أو رماد، جناحاها يشبهان تلك اللوحة الأثيرة لديها، لامرأةٍ مغضمةِ العينين بجناحين ينبتان من رأسها، وسهمٍ يخترقُ حلقها.. لكنها تحلق عاليا، عاليا تحلّق كلماتكَ معها، وتشعرُ بأنّك خفيفٌ، بطريقةٍ ما.. متخففًا من كلّ ما تركتهُ خلفكَ، عائداً إلى الذي طرقَ بابك، مادًا يدكَ إلى كتفِه، انتظر.. سأمضي مَعك.. آهِ.. هكذا، يا لخِفّةِ الأمر وروعَته.. عندما تمضيانِ معاً.

اقرأ أيضا

معرض فني يستعيد «علامات» آدم حنين «الفارقة»