الاتحاد

ثقافة

7ملامح للكتابات «المعلّبة»

هل تعتمد دور النشر الإماراتية «لجنة قراءة» لإجازة الأعمال؟

هل تعتمد دور النشر الإماراتية «لجنة قراءة» لإجازة الأعمال؟

نوف الموسى

هل مفهوم الكتابات «الجاهزة» أو ما تسمى بـ«المعلبة»، واضح بمعايير معينة لدى الكتّاب الشباب والمتلقين في الحراك الثقافي المحلي؟ إذا افترضنا إمكانية وضوح المفهوم، فما هو التعريف الأدق لما يمكن اعتباره عملاً إبداعياً؟
تأتي مشروعية هذه الأسئلة، بسبب غياب النقد المباشر، لأعمال تترى على الساحة الأدبية. وإن ظهرت بعض الملاحظات السلبية، فإنها تحضر خالية من الأسماء، حرصا على ضيق الصدور، وتجنباً لما قد تثيره..
يحرص بعض أصحاب دور النشر المحلية، على عدم التسرع في إسقاط الأحكام على التجارب الشبابية، خاصة أننا في مرحلة تأسيس سوق ناشئة، تقتضي استيعاب المكونات الرئيسية، من كاتب وناشر وغيره، والوقت كفيل بإفراز النماذج، ومدى قابليتها للاستمرار في الكتابة الإبداعية، إلا أن سؤالنا في هذا المقام، يرتكز على نقطة مفصلية، وهي خلق فضاء «نقدي بنّاء»، باعتباره مساحة وسط، تتقبل كل الجدليات والآراء في محاولة لإثراء الوعي بالمفهوم الإبداعي، وتبني «شكل» نقدي يناسب المرحلة الآنية من تجربة النشر المحلية، انطلاقاً من مواجهة لمعتقد مترسخ مفاده: إن «النقد الأدبي» في الإمارات «يجامل» و«يستحي» أن يقول رأياً صريحاً!
هناك عدة أوجه لموضوع الكتابات الجاهزة (المعلبة)، سنستذكر ملامح عامة لبعض منها، قبل الخوض في غمار مناقشتها مع الكتّاب والناشرين في الإمارات.

ملامح وقواعد
أولها، القطيعة التي شهدها جيل الشباب عن جيل الرواد من الكتّاب والروائيين والشعراء والقصاصين والمسرحيين والموسيقيين والرساميين، ما أدى إلى ضمور تام لحوارات ولقاءات ثقافية فيما بينهم، وبالتالي فقدان الشباب لبوصلة معرفية ثقافية لكتب وإنتاجات الرواد، إلى جانب خسارة الشباب لتوصيات المبدعين الرواد أنفسهم فيما يخص المراجع الأدبية والثقافية والفكرية والفلسفية، التي أثرت بهم.
وبالمقابل كان انزواء وانكماش الكثير من المثقفين والمنتجين للحالة الإبداعية، عن المشاركة الثقافية، كونها جزءاً حيّوياً من نشاطهم الإبداعي، ورغم أهمية العزلة التي يصنّفها بعض المثقفين، باعتبارها حالة إبداعية ضرورية، إلا أن السواد الأعظم من المثقفين استخدمها عذراً لإقصاء نفسه من الحراك ككل، وبطبيعة الحال تتعد أسباب ذلك بين كاتب وآخر، إلا أن النتيجة أفرزت تحديات مستمرة للبيئة الثقافية.
ثانياً، أسهمت مبادرات دعم النشر والقراءة في الإمارات، خلال السنوات الـ 10 الأخيرة، في تكوين بيئات ديناميكية تشكلت عبر دور نشر محلية تجارية، شهدت نمواً في الأعوام الـ 5 الماضية بشكل تنافسي ملحوظ، ويكاد المراقب يتلمس ازدياد عددها رغم إن بعضها عبارة عن شركات صغيرة، واجهت معضلات ضخمة، فيما يسمى بصناعة النشر.. لعل أهمها إنها ما زالت تبحث عن هويتها كدور نشر، وإمكانية الدمج بين ما هو تجاري وإبداعي، وهو ما أدى إلى الوقوع في هفوات كثيرة.
وأهم تلك الهفوات، هو نشر التجارب الشبابية، اعتماداً على مقاييس تتبناها بعض دور النشر، كـ«مستوى تأثير الكاتب الجديد في وسائل التواصل الاجتماعي»، وهو معيار لا يقيم وزنا لمحتوى النص الأدبي والمعرفي والثقافي، وإنما يعتدّ بـ«عدد المتابعين» في «توتير». وإلى ذلك فإن بعض دور النشر تحولت إلى ما يمكن تسميته بـ»المطبعة»، فهي تلزم الكتّاب الشباب بدفع مبلغ لطباعة الكتاب ونشره، ما يتيح للناشر قبض تكلفة المطبعة، وفي حالة تم بيع الكتاب، يحصل الجميع على الفائدة، وفي حالة عدم البيع، فإن دار النشر أو (المطبعة) تكون قد ضمنت سعر التكلفة. وفي هذه الحالة، فإن الناشر غير ملزم بالتحري كثيراً والبحث عن المضمون بشكل احترافي ومهني.
ثالثاً، ومن بين ملامح موضوع الكتابات الجاهزة «المعلبة»، ضبابية المفهوم، في عالم النشر المحلي. فلا يزال بعض أصحاب دور النشر المحلية يتساءلون: ما هي طبيعة الكتابات التي يمكن تصنيفها بأنها كتابة جاهزة أو معلبة أو غيرها، وهل النظر (مثلاً) للمفهوم عبر روايات الكبار، هو نفسه لدى كتب اليافعين والأطفال؟ .

غياب وحضور
أما الملمح الرابع، وهو الأهم: فهو غياب شبه تام، لما يمكن تسميته بـ book review أو عرض الكتب الشبابية، وتقييم مستواها في الصحف المحلية، ما يعكس غياب النقّاد أنفسهم، الذين يحملون رؤى ناتجة عن تراكم ثقافي، يؤهلهم لتقديم وجهة نظر مقدرة. فأين هم النقّاد من الكتب الشبابية في الإمارات؟
كذلك فإن مستوى العلاقات الشخصية التي تحكم الكتّاب الشباب بالمؤسسات الإعلامية وبالبيئة الثقافية نفسها، تحول تماماً دون إمكانية النقد، خاصةً أن بعض الصحف المحلية والقنوات التلفزيونية والإذاعات، تتيح فضاء لما ينتجونه دون تحري مهني، فكيف ينتقدونهم وهم في نفس الوقت يحتفون بمضامين الكتب! لا ضرر من الاحتفاء، ولكن السؤال المسؤول: هل الاحتفاء بالكتب عادةً يحمل بعداً موضوعياً ومفيداً؟!
أما الملمح الخامس، فيرتكز حول اعتقاد لفيف من المتابعين للحراك الثقافي، وبعض أصحاب دور النشر الناشئة، أن هناك رغبة دفينة من قبل المثقفين والمهتمين في القطاع الثقافي، في تحويل بيئة النشر إلى مساحات نخبوية، مقارنة بالإنتاجات العربية والعالمية، تستهدف مستويات معينة من الوعي، وتستهين بشرائح الجمهور المختلفة، حتى كتب الطفل، لم تسلم من الأمر باعتقادهم. وجزء من الاعتقاد تكوّن نتيجة الفجوة الكبيرة، التي عاشها الكتّاب الشباب مع مؤسسات ثقافية كانت معنية بشكل أكبر في السابق بعملية النشر، وعانى بسببها الشباب لضيق أفق الخيارات وقتها لدى تلك المؤسسات، ما جعل ردة فعل دور النشر الخاصة عكسياً تماماً على مستوى الكم في الإنتاج من جهة، وعلى مستوى التوزيع والانتشار من جهة ثانية، فالمؤسسة الثقافية أزّمت موقف انتشار الكتاب المحلي وتوزيعه، في سنوات سابقة، فامتلأت به المستودعات دونما استراتيجية تسويق وتفعيل لحضور كتب الإماراتيين في المكتبات المحلية والعربية، وظلت هكذا دونما تغيّر، لغياب المحفز التنافسي (القطاع الخاص) وقتها، رغم كم التحقيقات الصحافية التي قدمت براهين تدعو فيها لأهمية البحث عن حلول!
سادساً، في كل مرة يتم فيها سؤال صاحب دار نشر، كيف يتم اختيار الكتب التي ينشرها، تتلخص إجابته بأن لدى لدار «لجنة قراءة» معنية بقراءة النصوص وإجازتها، والسؤال هو: هل فعلاً إن لجان القراءة تقوم بدورها، ومن يمثل أغلب تلك اللجان، هل تتحمل مسؤوليتها الأدبية، إن جاز التعبير، بتمرير بعض النصوص، التي لا تحمل مسوّغا إبداعيا؟ وهنا البحث يتركز على الكم المعلب من النصوص، ولا يعني ذلك جّل إنتاجات دور النشر المحلية، بل على العكس، هناك إفرازات مهمة في المرحلة الآنية لكتّاب شباب، ساهمت دور النشر الإماراتية في وضع أسمائها على رفوف المكتبة الإماراتية، إلا أن البحث النقدي عبر طرح الأسئلة هو هدفنا الأساسي.
وفي الأخير الملمح السابع، والذي يحمل عنوان «التجربة الكتابية»، إذ إن العديد من الكتّاب الجدد يعتبرون بانهم يمتلكون الحق في أن يجربوا، وفي أن يكتشفوا أنفسهم وقدراتهم بعرض ما يكتبونه على الجمهور.. فإلى أي مدى يمكن أن يُنظر إلى مسألة التجربة تلك، باعتبارها فعلاً طبيعياً تخوضه معظم المجتمعات في العالم، فما بالنا بمجتمع حديث كدولة الإمارات؟ وهل هذه التجربة تتيح لنا في هذا المقام البحث عن «صياغة نقدية» تناسب المرحلة، بأن يتصدى النقد الأدبي التفاعلي لما هو معلب وجاهز بمحاولة واعية لخلق يقظة إبداعية للمتلقي والكاتب الجديد نحو كيفية إدراكه للإبداع، وفهمه لمستوى النص، دون محاولة إقصائية للإمكانيات الشبابية ومجهودات دور النشر المحلية؟

هذه النقاط وغيرها، طرحناها على عدد من الناشرين والمبدعين الإماراتيين، لعل آراءهم تعيد تصويب الموقف من مسألة (الكتابات المعلبة)، وأحقيتها في الحضور أو وراجبها في التواري:

الشحي.. الكم والنوع
جمال الشحي، صاحب دار نشر «كتّاب» سيكمل السنة القادمة 10 سنوات من انطلاقته في عالم النشر، وهو من القلائل الذين صبروا أمام كثرة الانتقادات، بسبب الكم الإنتاجي الذي ينشره للكتّاب الشباب، وهو بنفسه أكد مسألة الأخطاء التي وقع فيها على مستوى النشر في بداياته، ويرى أنها طبيعية، وتعلم منها مع تراكم الخبرة.
إنجاز جمال الشحي خلال الـ9 سنوات ماضية، يضعه اليوم أمام مجهر المتابعة، فهو لم يعد ناشراً مبتدئاً، إلا أن مصادرة التجربة ككل، كما يوضح الشحي، ليست من حق أحد، خاصةً أن الدار لم تكتف بإنتاجات أدبية، بل معرفية وثقافية وفكرية. وبالمناسبة فإن جمال الشحي، يتحدث دائماً بفلسفة ذات بعد تجاري، يتحفظ عليها البعض، ويدافع هو عنها، بقوله إن الانتعاش الذي يعيشه النشر في الإمارات، مثلت دور النشر المحلية دوراً محورياً فيه، بعد جمود استمر أعواماً، ويتساءل: من الذي يصنّف الأعمال الأدبية بوصفها «معلبة» أو جاهزة؟!
سؤال جمال الشحي يقودنا إلى مسألة موازية، وهي متابعة الإنتاجات من قبل دار كتّاب للنشر والتوزيع، هل تلقى مراجعة دائمة من قبل المثقفين والقراء المتخصصين، أم هو حكم سائد عليها، مبني على انطباعات عامة لأخطاء وقع فيها جمال الشحي في بداياته. ومع غياب الإحصاءات الدقيقة لجهة مستقلة، حول مستوى البيع واهتمامات الجمهور، سيبقى أمر معرفة ما يقوم به جمال الشحي على المستوى التجاري غير واضح، فأغلب الآراء مبنية على انطباعات، رغم تبني صحة بعضها، في مواضع معينة، من بينها موضوع «الكم الإنتاجي»، لكن تفعيل صواب وجهات النظر، سيبقى صعباً، أمام فقدان بوصلة توجهات السوق، ومستوى وعي الجمهور. وهو لاينفي مسؤولية الناشر عن ما ينشر، ولكنه لا يتحملها وحده، فالكل هنا مساهم في عملية تشكيل الوعي بالكتابة الإبداعية والكتب الجيدة. ومن وجهة نظر الشحي، فإن مسألة إتاحة الفرصة للشباب مهمة، وربما البعض يتحفظ على موضوع «الفرصة»، هل تكون مفتوحة لكل أحد، وإلى أي مدى يمكن أن تخدم الحراك الثقافي المحلي، يعتبر جمال الشحي المقارنة بين البدايات الشبابية، بإنتاجات لمجتمعات أخرى أكثر نضجاً، هي قتل للتجربة، مؤكداً أن ما يسمى بـ «النشر التقليدي» لن يكون له مكان بعد اليوم!

الكعبي.. إلى الصين
الناشر عبدالله الكعبي، صاحب دار «دراجون» للنشر، يَحل منذ سنتين على عالم النشر في الإمارات. المثير للانتباه أن عبدالله اختار الترجمة، وتحديداً من الصينية، مساراً أساسياً في المرحلة الحالية من تجربة دار النشر، ما يستوقف المتابع هو موجة الاهتمام بالترجمات في عالم النشر المحلي، وقد تتفرع الأسباب لعدة توجهات منها: إقبال الجمهور على الترجمات، إلا أن السبب الثاني المرتبط بثقة الناشر بالكاتب الإماراتي، أصبح محط تساؤل، أجاب عنها عبدالله الكعبي، بأنه لا يراهن في المرحلة الحالية على الكتابات الشبابية، لافتاً إلى أهمية إعطاء التجربة حقها من الوقت، في كون صناعة النشر في الإمارات وليدة وتستدعي تنقيح وبحث للأعمال المحلية، تتجنب الكتابات الهاوية، متوقعاً أنه خلال السنتين القادمتين ستبرز الأسماء بشكل أعمق، مؤكداً أنه على استعداد تام متى ما حصل على مضمون جاد لكاتب إماراتي، يتناسب مع توجهات ورؤية دار النشر، لن يتردد في نشره ودعمه، فالمسألة مرتبطة بطبيعة المنتج الإبداعي.
من خلال سفره وإطلاعه، توصل عبدالله الكعبي، إلى أن الصين على سبيل المثال، تسبقنا بمراحل كبيرة، في مراحل النشر، والاستفادة من تجربتها، أمر ضروري، ونحتاج الاستفادة منه، على المستوى المهني، ستنجز فيها الدار على مدى سنتين ترجمة 100 كتاب عن الصينية بين كتب علمية مبسطة، وكتب فلسفية وكتب عن الثقافة الشرقية عموماً. وفي هذا الصدد، لوحظ الاهتمام الكبير الذي تبديه دور النشر المحلية بتوقيع اتفاقيات تبادل ترجمة بين الإمارات والصين. وفي سؤال عبدالله الكعبي عن لجنة القراءة التي تعتمدها دور النشر المحلية، أوضح أن المسألة في العموم لا يمكن الجزم فيها، خاصة أن هناك دور نشر تنشر لبعض من كتبوا وفق عدد المتابعين لهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ما يضع بند لجنة القراءة أمام مجهر التقييم!

إيمان.. خيارات عالمية
ربما يتساءل البعض: لماذا الخوف من كم الإنتاجات، التي قد تتضمنها بعض الكتابات ذات الصفة المعلبة والجاهزة، والتي تفقد ملامحها الإبداعية أو ما يسمى بـ الاشتغال على النص؟ يمكن النظر في هذا المحور بالتحديد، من خلال تجربة إيمان بن شيبة، صاحبة دار «سيل» للنشر، المتخصصة بنشر الكتب الإنجليزية، موضحة أنها نادراً ما كان تصلها نصوص معلبة وجاهزة، قائلةً: «ربما لأن طبيعة قراءات الكاتب، للكتب الإنجليزية ذات الخيارات العالمية الضخمة والمتعددة، تشكل لديه الوعي باللغة والفكرة التي يناقشها في كتابه، ولأننا نركز على الشعر، فإن أغلب ما يصلنا هو نتاج لحظة إبداعية، ففي الشعر يصعب أحياناً تقديم نصوص جاهزة، لأنه صنف أدبي رفيع وإمكانية تكشفه للقارئ أوسع».
الناشرة إيمان بن شيبة، ترى أهمية فهم مسألة الكتابة الشبابية، بأكثر من جهة، دونما إقصاء للتجربة نفسها، تتفق بذلك مع الناشرين جمال الشحي وعبدالله الكعبي، في أن السوق الناشئ لا يستوعب مقارنته بأسواق عالمية، ذات حرفية سنوات طويلة في النشر، مبينة تأيدها لبحث بعض التجارب الشبابية لشهرة عرضية، وإحساس بالأهمية، مثل بعض الكتابات لأشخاص بعمر 21 سنة، ينشرون مضمون يحمل عنوان خلاصة تجاربي وغيرها، وهو لايزال لم يبدأ مغامراته الحياتية بشكل فعلي. في سياق مختلف، ترى إيمان بأن المسألة تتعلق بدور الناشر، فبالنسبة لها فإن النص الذي يرسل لها، تحاول قراءته وتمريره للكثير من المتخصصين سواء رجالاً أو إناثاً، وبين فئات عمرية مختلفة، وتستمع للآراء المختلفة. وفي رأيها، فإن عالم النشر يستوعب مجالات عديدة، لا يمكن حصر نوعية معينة من الكتابة، لفئة عمرية من الجمهور، تقبل الأنواع المختلفة والمستويات المتعددة، وطرحها للسوق من قبل دار نشر مهمة، لاستيعاب متطلبات القراء في عمر العشرين، الذين يختلفون فيما يفضلونه عن اهتمامات القراء بعمر الثلاثين والأربعين، وصولاً إلى خلق المتعة لدى الجميع، التي هي أصل فعل المطالعة.

أبو الريش: مسؤولية الجميع العسم: فلنناقش «التطبيل»
كان من المهم الاطلاع على وجهة نظر الكتّاب في ما تعنيه الكتابات الجاهزة أو المعلبة، وفي اللحظة التي سألت فيها الأديب علي أبو الريش، توصلت من نبرة صوته، مطالبته بصوت حازم، لأن يقف المثقفون ويمحصون تلك الإنتاجات، قائلاً: «لا ينفع أن لا يتجاوز الأمر تحقيقاً صحفياً، وبعدها نغلق الموضوع، إنها مسؤولية مشتركة، على اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، أن يساهم في بلورة أبعادها ويناقشها، بدل تمضية الوقت في الشجار حول المناصب الإدارية»، وعند الحديث حول سمات تلك الكتابات، أشار أبو الريش إلى أن أغلبها يمزج بين الخاطرة والشعر والرواية، وتمازج الأصناف بهذه الطريقة دون وعي بآلية عمقها البحثي، يعود للمجاملات، التي أضاعت نسيباً المقاييس العامة للأدب. نستطيع القول: إن الكتابات الجاهزة، بحسب وصف أبو الريش أقرب إلى التقريرية، تضع للقارئ إجابات جاهزة، وتكون مستهلكة مثل ثقافة كل الأشياء في حياتنا، التي استولى عليها البعد الاستهلاكي، مؤمناً أن الكتابة الإبداعية من طبيعتها أنها تطرح أسئلة، إنها الأجنحة التي يطير بها الكاتب.
إحدى أبرز الآثار للكتابات الجاهزة هي تأثيرها على الذائقة العامة للمتلقي، في أنه يبدأ يستصعب مسألة اللغة، يقول علي أبو الريش: «لا يريد القارئ أن يتعب نفسه في إعادة اكتشاف اللغة، التي هي وعاء الهوية، وغذاؤه اليومي، يأتي إليّ بعض القراء، ويقول لي لغتك صعبة، وقتها أستغرب كيف نفس الشخص يستطيع أن يتعلم لغة أخرى، ولكنه غير قادر على إدراك لغته الأم». فيما يخص رغبة الشباب في تجربة أنفسهم عبر الكتابة، أشار أبو الريش، إلى أنه يجب علينا سؤال أنفسنا: من الذي يريد أن يجرب؟ ما طبيعة مخزونه اللغوي والثقافي، مضيفاً أنهم جميعهم مع مسألة التجريب والحداثة، وأنه ليس ضد إتاحة الفرص، لكن الأمر في ساحة النشر أصبح بلا مقاييس، في غياب منطقة نقد حقيقية، فأغلب النقاد يمارسون مجاملة، دون أدنى إحساس بمسؤوليتهم، خاصة أنهم يقتاتون من كتابة تلك المجاملات التي يطلقون عليها نقداً، ويجب التصدي لذلك كله، بالوعي أن الأمر عبارة عن هم وطني، يجب الاشتغال عليه، على مستوى كل الأصعدة والقطاعات الخاصة بالثقافة والتعليم والإعلام.
بهدوء الشاعر ويقينه بحدسه، قدم أحمد العسم وسيلة معرفية، لاكتشاف مدى وعي الكاتب بما يكتب، بقوله: «كل شيء يتكشف بالحوار مع الكاتب، فيه تشعر بمستوى الجفاف الموجود، والذي يعكسه النص عادةً، الخطأ وارد في التجارب الشبابية، واكتشاف ذلك سيتجلى دائماً مع تصاعد الوعي العام في المجتمع المحلي». يصمت الشاعر أحمد قليلاً، ويتابع: «أتذكر الشاعر أحمد راشد ثاني، عندما قال أكتب وأقرأ حتى أكتشف الموت»، من خلال ذلك يوضح أهمية القراءة في حياة الكتّاب، والتي تستطيع أن تروي روحه، مضيفاً أنه في حديثه مع الشباب، ينبههم إلى فضاء الاكتشاف الخاص فيهم، إلى جانب القراءات، هناك أيضاً حوارات الكاتب اليومية مع الناس في الشارع، إلى جانب احتكاكه بالمثقفين، من يمثلون ثروة ثقافية، يستمد منهم الكاتب الشاب قوة الاستمرار في الكتابة. بالنسبة للشاعر أحمد العسم، أنه لا يمكن تصديق مسألة أن يكتب شاب في العشرينات، نحو الـ 15 كتاباً، فإنه ليس ضد ذلك، ولكن يجب علينا أخذ الموضوع بموضوعية، والوقوف لمناقشة التطبيل الحاصل في الحراك الثقافي ككل.

اقرأ أيضا

معرض فني يستعيد «علامات» آدم حنين «الفارقة»