الاتحاد

ثقافة

ميشيل سير: أنا قابلة العالم الجديد

الفيلسوف الفرنسي يفسّر مفاتيح كتابه «الأعسر الأعرج»

الفيلسوف الفرنسي يفسّر مفاتيح كتابه «الأعسر الأعرج»

حوار: لوران فالديغييه
ترجمة: أحمد عثمان

في سن الرابعة والثمانين، وبعينين لئيمتين لطفل ذي خمس سنوات، ينشر الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير كتابه الأخير «الأعسر الأعرج» (مطبوعات لو بومييه، 2015). كتاب عن العالم الجديد، عالمنا، الذي لم نعد نلاحظ جيداً تقلباته الكبرى. كتاب حول الابتكار والعبقرية الإنسانية، حول الأمل والبهجة، لراصد يصف لنا الأمواج التي تجتازنا.
ميشال سير سليل جيل الحرب. لم يزل هذا الغسقوني (نسبة إلى غسقونيا)، المولود في عام 1930، يفكر بشيء من التفاؤل العلمي، ويقرر إقامة جسر بين العلوم والآداب.
جريدة «الأحد» الفرنسية، قابلت هذا الأسبوع هذا الفيلسوف الثائر «الناعم» حول بعض كلماته/‏‏‏‏‏‏ مفاتيحه:

قابلة العالم الجديد
يقوم عملي كله، منذ خمسين عاماً، على المعاونة في توليد عالم حديث. أنا قابلة العالم الجديد. في كلمة «قابلة» Sage-femme (حتى الرجال الذين يمارسون هذه المهنة نطلق عليهم نفس الاسم)، الكلمة «حكيم» Sage مستخدمة بصورة طبية. قال سقراط إنه كان «قابلة». ولد العقول الفردية. وهناك، توليد العالم الجديد.

غارون
ولدت على ضفاف (بلدة) «غارون» بما أن والدي كان بحاراً. كنا نسكن على ضفة النهر، على صندل كان يكسح حصى ورمال غارون. خلال فيضان 1930، كانت والدتي حبلى بي وأنقذها والدي من تدفق المياه بقاربه. سافرت قبل الولادة بصورة من الصور... غارون، ذكراي الكبرى والأولى. في كتابي، أتناولها مثل هذه الحكاية الكبيرة، هذا الفيضان الكبير الذي خلق العالم. منذ «الخلق العظيم»، كل مادة جديدة تنبجس في البداية، ثم الحياة، فالأنواع. هنا الإبداع بلا انقطاع. غارون هي صورة هذا التدفق الزمني الذي يمثل حكاية العالم الكبيرة. إنه العالم الذي يبتكر. من اللازم العمل كأننا مواطنو غارون، العالم...

أعسر
الموضوع الحقيقي لكتابي، الابتكار. إذا وددت حل أي مشكلة استخدم منهجاً، طريقاً. وبالتالي، إذا وددت الابتكار، من اللازم الخروج من الطريق. قبل أي شيء، إنه مفرق طريق. أستخدم كلمة «أعسر» لأنها غير مباشرة. في «أعسر أعرج»، تناولت كشخص رئيسي أحداً ما «متحولاً» جسدياً. لا أقول إن جميع الأبطال، جميع المبتكرين، عسراويين، ولكن لاحظت أن في أساطير العصور القديمة، هناك الكثير من العرج، وهذا شأن مثير للاهتمام.

جد متأفف
أطلقت عليه هذا الاسم لأنه يقول بلا توقف «كان الماضي أفضل» وينتقد عالم اليوم. هناك الكثير من المثقفين يتاجرون اليوم بنقد العالم. «الجد المتأفف» خائف، يملؤه الخوف، فقد توازنه. لم يستقل القطار السائر حتى وإن لم يمتلك القوة اليوم. «الأصبع الصغيرة» ولد برفقة الحاسوب، قبل خمسة وثلاثين عاماً. في مطعم، قابلت مؤخراً وزيراً أول سابقاً، اتجه ناحيتي وبادرني قائلاً: «درست ما قلته ومنذ بضعة أيام رحت أنقر بأصابعي على كل شيء...». لم أقل شيئاً. لست شريراً لكي أقول أي شيء. لا يعرف كثير من السياسيين شيئاً عن العالم الحديث، أمر مخيف ومثير للاهتمام.

ابتكار
لا شيء أكثر استثنائية من ابتكار نيوتن، الجاذبية الأرضية. ومع ذلك، رفضه جميع أكاديميي أوروبا خلال قرن ونصف. ابتكر نيوتن الجاذبية عن بعد! وهذا تبدى كما الشعوذة، كما السحر. لم يؤمن أحد به! الجديد غير ممكن إدراكه. هناك أيضاً حكاية آريستيد بوسيكو، السيد الذي ابتكر «أسواق الأسعار الرخيصة»، السوق الكبيرة الأولى. لكي يقيمها، صنّف منتجاته. رتبها. جاء الناس واكتشفوا أنه رائع، والسيد بوسيكو جنى ثروة. ولكن بعد عام أو اثنين، لاحظ أن رقم أعماله بلغ أقصاه. ذات صباح، قلب السيد بوسيكو التصنيفات رأساً على عقب. خلط كل الأشياء ببعضها البعض. والسيدة، التي اعتادت شراء الكراث، يجب أن تمر أمام الصدريات، الأواني وهكذا أخذت تبتاع أشياء أخرى. هو ذا أيضاً، الابتكار. تقلب رأساً على عقب كل شيء، وبالبحث عن شيء ما تقع على شيء آخر. هو ذا مفرق الطريق. تجد شيئاً ما لا تبحث عنه. الإنجليز ابتكروا كلمة، serendipity، التي تعني (بالفرنسية) «السعيد بالصدفة».

افتراضي
تتمثل إحدى صفات العالم المعاصر في منح الافتراضية أهمية خاصة. مثلاً، تذهب إلى التاجر، تشتري ثلاث طناجر، وتمنحه شيكاً. ما الذي يعبّر (الشيك) عنه هنا؟ إنه موقع باسمك، وعليه اسم البنك، ولأمر بائع الطناجر. بهذا (الشيك)، أعرف أين تسكن وأنك على علاقة نوعاً ما بالمطبخ. فجأة، أمتلك بهذا الشيك معطيات. وهذه المعطيات لها قيمة، في الآخر، أكثر قيمة من قيمة (الشيك) نفسه. على حين غرة، كنز العالم ليس كنزاً مادياً ولا كنزاً من النقود وإنما كنز ثالث أطلقنا عليه معطيات. وهذه هي مشكلة العالم المعاصر نفسه: من سيصبح مالك المعطيات؟ اليوم، كلما أرسلت رسائل عبر هاتفك أو عبر الإنترنت، امتلكت «غوغل» معلومات كثيرة عنك. وبالتأكيد يمكنها متابعة حياتك الخاصة. لقد أصبحت المعطيات كنزاً، كنزاً افتراضياً، ولكن قيمته كبيرة للغاية.

العصر الناعم
هناك كثيرون صارمون مع التكنولوجيا الجديدة، نوستالجيات الماضي. حينما ألاقي أحدهم، بما أنني أبلغ الرابعة والثمانين من عمري، أقول دوماً «من قبل، لكنت كذلك». عصرذاك، كنا محكومين بفرانكو، موسوليني، هتلر، ستالين، بول بوت، وليس برجال شجعان. مما أنتج 100، 150 مليون قتيل. اليوم، في العصر الناعم، نحيا في أوروبا منذ سبعين عاماً في سلام. وهذا لم يحدث منذ حرب طروادة! أبداً! حقاً، نحيا العصر الناعم. منذ سنوات قليلة، وقعت حرب الخليج، كنت في ستانفورد، وقصصت صورة منشورة في «سان فرانسيسكو كرونيكل». صورة بوش، بلير وأثنار، الذين يجهزون حرب الخليج. سألت طلبتي عن الجديد في هذه الصورة. بالنسبة لي، صورة فريدة في التاريخ الغربي. تلك هي المرة الأولى التي يصنع الحرب قادة لم يعيشوها أبداً. منذ شيراك، الذي عرف حرب الجزائر، لم يعرف رئيسانا، ساركوزي وهولاند، الحرب أيضاً. وهذا لم يحدث من قبل. لنأخذ حدثاً آخر: اليوم امرأة في الستين من عمرها «بعيدة عن موتها» عن مولود في عام 1700! لنضيف تقدم الأسنان. كان الفلاحون العجائز «في العصور السابقة» بلا أسنان... خلال جيلين، تغيرت أمراض الأسنان. من الممكن أن يلتقي طبيب أسنان اليوم في عيادته رجلاً في الستين من عمره ولم يشك من وجع أسنانه أبداً! وهذا أيضاً، لم يحدث في التاريخ من قبل! أبداً، أبداً. كان الألم مستمراً، يومياً، في حياة الإنسان. العصر الناعم اللطيف، وهذا ليس سؤالاً عن التكنولوجيا الجديدة فقط.

صحف
دوماً، يسألونني عما يحدث في الغد. أقول إنني لست «بَصارة». لا نستطيع الحدس دوماً. لا نستطيع معرفة كيف يمكن إثارته. مثلاً، في الملاحة، حينما وصلت السفن البخارية، قال الجميع الشراع انتهى. ومع ذلك، اليوم، بعد أكثر من قرن، إذا ولجت ميناء، سترى مئات القوارب الشراعية. لقد استعادت التسلية الشراع. إذا سألتني ما الذي ستصبح عليه الصحف الورقية، أجيب بأنني لا أعرف شيئاً. ربما سيحيا الورق على صورة أخرى. أو لا! المؤكد، أننا لا نبتكر، لا نصنع المستقبل ولا نساعد الأطفال، بالخوف.

مضاربات
نحن أيضاً على وشك تدمير العالم. لا عصافير في الإقليم الباريسي. أرى ذلك في حديقتي. أبلغ (إقليم) بروتاني، لا أرى نوارس. لا أرى أسماكاً. تدمير الأنواع الحيوانية دليلي. من المرجح أن الثورة الصناعية مسؤولة عن كل ما جرى، وأن استغلال الطاقات المتحجرة أنتج آثاراً مخربة. العصر الناعم تأسس على ثورة صناعية تعمل على تدمير العالم. طفل يموت جوعاً كل خمس ثوانٍ. أي اثني عشر طفلاً في الدقيقة. دوماً، يموتون جوعاً في وسط فلاحة مزدهرة، ضحايا السوق العالمية، ضحايا المضاربات على المنتجات الغذائية، حل العصر الناعم يتمثل في استبعاد المنتجات الحيوية من المضاربات في البورصة. منع المضاربة، في البورصة، على الأرز، القمح، السكر! المضاربة تقتل. وهذا حل يجب العمل به: المنتجات الغذائية منتجات مقدسة. نرى أن هناك قرارات ملزمة على المناخ، على الأنواع الحيوانية، لأن كل شيء يتعلق بنا. من يرى تحقيقها غداً، على المستوى الكوني، هو الرجل الكبير في عالم الغد. إنه المبتكر الكبير المستقبلي. «الأعسر الأعرج» في عالم الغد.

مؤرخ الوثائق
هناك أشخاص يعتقدون أن قانون السوق شيء طيب. يرون أن السيد «غوغل» أو السيد «ياهو» يحفظان المعطيات. هناك آخرون يعتقدون، على العكس، أن من الأفضل أن تقوم الدولة بالحفاظ على المعطيات. النقاشات تدور على مستوى من يؤمنون بالملكية الخاصة ومن يؤيدون الدولانية Étatisme. ولكن في النهاية، الأمر كله مرتبط بالأخ الأكبر: أخ أكبر الملكية الخاصة أو أخ أكبر الدولة. بالنسبة للمعطيات، أقترح تشتت الأفراد الذين يحافظون عليها بكل ثقة. في هذه اللحظة، هناك مهنة لم تتوفر بعد. أقترح اسم «مؤرخ الوثائق». هذه المسألة تم حلها منذ زمن بالنسبة للحقوق، بما أن أسماء الملكيات والوصايا منحت «لموثق العقود». تخيلت اسم «مؤرخ الوثائق» لهذا النموذج. لكي يلاقي الجدة: من اللازم ابتكار الشخصيات المتكيفة مع العالم الحديث.

كاليفورنيا
لصناعة حاسوب، نقوم بشيئين: في البداية، نصنع آلة بمادة السيليسيوم، ثم نجهز البرنامج. وهذا هو «الهارد» و«السوفت» بالإنجليزية. أقمت خمسين عاماً في كاليفورنيا ورأيت الثلاثة طوابق للمؤسسة: أولاً، القدرة العالمية للشركات التي تصمم «الهارد» والآلات، مثل آي بي أم. ثم، انتهت هذه القدرة لصالح من يصممون البرامج «السوفت»: «ميكروسوفت» التي تعني «الناعم الصغير». والآن، طابق ثالث، التطبيقات الاجتماعية، التي حلت محلها. أولاً، الصلب، ثم الناعم، واليوم، نحن في قلب ما أطلق البعض عليه «مجتمع الناعم». أتحدث الفرنسية، لن أقول أبداً عصر الناعم! وبالتالي أقول العصر الناعم.

برج إيفل
كل المعاهد القديمة تعمل حسب نموذج برج إيفل: قليل من «المرسلين» من أعلى وكثير من «المستقبلين» في القاعدة. اليوم، في الشبكة، يتساوى عدد المرسلين مع عدد المستقبلين... ولهذا لا نجد مؤسسات ملائمة لعالمنا الجديد. مشكلة جديدة كلياً. ما العمل لابتكار ديمقراطية جديدة؟ من يمتلك القرار؟ ما العمل لتوفر قرار جمعي؟ اليوم، تقريباً كل المهن، كل الانشغالات موزعة بهذه الطريقة، مثل برج إيفل، مع قمة مدببة وقاعدة عريضة. كل معاهدنا تشبه هذا العالم القديم.

«غوغل»
وسم، إنه فعل وسم شيء ما، للقول بأنه ينطلق من الذات. حينما كنت صغيراً، كنت تلميذاً داخلياً. وبما أنني تلميذ داخلي، وسمت أمي قمصاني وسراويلي الداخلية «م س»، أي تخص «ميشيل سير»، بخيط أحمر. في المغسل، كانوا يعرفون أنها خاصتي. ولذلك، الوسم انتماء شخصي. حينما تشتري سيارة، ما الذي تحمله أماماً وخلفاً؟ يجب أن تسمى سيارتي «ميشيل سير» بما أنها ملكي. ومع ذلك، لا تحمل اسمي، وإنما «بيجو» أو «سيتروين». الوسم سرق الملكية، يبيع إنتاجاً ولكنه يحتفظ بالملكية، بما أنه وسم. هذه السرقة قديمة ولا ترجع إلى اليوم فقط. ولكن «غوغل» يبتكرها على الصعيد الكبير.

التكنولوجيات الجديدة
غيّرت التكنولوجيات الجديدة الروسم. الروسم في الشبكة، وليس روسم على هيئة هرم. وعدد مستقبليه يماثل عدد مرسليه. العالم كله يرسل، والعالم كله يستقبل. هذا يغير كل شيء. مؤخراً كنت في ندوة عن الأنكولوجيا. قال بروفيسور متخصص في سرطان الصدر إنه توصل عبر «تويتر» من مرضاه في الكلية، كل المعلومات المتعلقة بالألم، التطورات العلاجية. لم يتعلم في الكلية إلا الأبعاد العامة لسرطان الصدر. هناك، لديه معلومات مؤكدة عن سرطان الصدر من جان، بيريت... وأخريات. غيرت المعلومات الفردية كل المهن. مهنتي منذ فترة طويلة: قبل ثلاثين عاماً، حينما كنت أدخل إلى قاعة المحاضرات، كان هناك ثلاثون طالباً في مواجهتي لا يعرفون شيئاً عما أقوله. ولكن اليوم، عرفوا موضوع محاضرتي من الإنترنت. لقد تغيرت مهنتي.

المصدر:
(*) Laurent Valdiguié, Entretien avec Michel Serres, Le Journal du Dimanche, Lundi 18 mai 2015.

 

 

اقرأ أيضا

"السّاعة الرّابعة".. حوار بين العقليات والمرجعيات