الاتحاد

ثقافة

دعاة الشنطة.. و«الميكروفون»

الباب الدوار لجماعة الإخوان لاختراق الصفوة وإحداث التغيير من أسفل المجتمع

الباب الدوار لجماعة الإخوان لاختراق الصفوة وإحداث التغيير من أسفل المجتمع

إميل أمين

قبل عقد من الزمان أصدر الكاتب الصحفي وائل لطفي كتابه عن ظاهرة «الدعاة الجدد»، واليوم يكمل رؤيته بالتجذير لهذه الظاهرة، في عمله الأحدث عن «دعاة السوبر ماركت»، وكيف أن جذورهم أميركية الفكر، تنتهج طريق الوعاظ الإنجيليين الأميركيين، وبخاصة أنصار تيار اليمين المحافظ إلى حد التطرف.
السؤال الأولي والرئيسي الذي يواجه القارئ لكتابي وائل لطفي: من هم دعاة الثروة والشهرة هؤلاء، وهل دعوتهم هي خالصة لله، أم أنها في حاجة إلى تحليل اجتماعي لتبيان ما يدور من حولها، عبر مسارات ومساقات مثيرة للجدل؟
في مقدمة كتابه الأول، تلك التي سطرها عالم الاجتماع المصري الراحل سيد ياسين، إشارة إلى أن هؤلاء الدعاة الجدد يمثلون جيلاً جديداً من الدعاة الإسلاميين الذي يتسمون بالتجديد بدرجات مختلفة في خطابهم الديني، وقد استطاعوا أن يجتذبوا ملايين المشاهدين من جمهور الفضائيات، وذلك لأن البث التلفزيوني الفضائي خلق مجالات جديدة للإعلام والتسلية يقبل عليها المشاهدون من كل الطبقات:
عند المؤلف أن أسهل تعريف للدعاة الجدد، هو أنهم ليسوا أولئك الدعاة القدماء.. إنهم ليسوا أزهريين ولا سلفيين، فهل هم بمثابة بروتستانتية إسلامية جديدة؟
الأسئلة محركات الفكر الإنساني، ولهذا يشاغب وائل لطفي العقل العربي، وذهن القارئ بأسئلة عضوية عن هوية هؤلاء وكيف ظهروا، ولماذا تقبل الشرائح الاجتماعية العليا على خطابهم، ثم ربما، هذا هو الأهم، هل هم امتداد اجتماعي لحركة الإخوان المسلمين؟ أم أنهم ـ كما يرى البعض ـ دليل على فشل الجماعة؟

معايير
يضع الكاتب عدداً من المعايير التي تحدد ملامح الداعية الجديد، فهو ذلك الشخص الذي تلقى تعليمه الديني خارج المؤسسة الدينية الرسمية «الأزهر»، وهو يعتمد في ثقافته الدينية إما على التعليم المباشر والتثقيف الذاتي، أو على تلقي العلم من أحد الشيوخ في حلقات العلم في المنازل.
الداعية الجديد أيضاً هو مهني ناجح له عمل مستقل، وهو يرتدي الملابس الأوروبية، ويقدم خطاباً بسيطاً يربط الدين بالحياة والمشاكل الاجتماعية، فضلاً عن حسن المظهر والتمتع بالقبول الاجتماعي والقدرة على توصيل المعلومة بسهولة.
كما أن أهم ما يميز الداعية الجديد هو جمهوره الذي يتكون معظمه من الشباب والنساء الذين ينتمون للشرائح الاجتماعية الأعلى، والذين يبدون في حاجة لتدين لا يحرمهم من مباهج الحياة التي يملكونها بالفعل، وفي الوقت نفسه يمنحهم نوعاً من الدعم الروحي، ويجيب لهم عن الأسئلة التي تتعلق بجدوى الحياة أو الفائدة منها.
يحق لنا التساؤل: هل ظاهرة على هذا النحو خالية من أهداف خفية؟
بالقطع لا يمكن أن يكون ذلك كذلك، والدليل المخاوف التي أبدتها السلطات الأمنية في عدد من البلدان العربية، مثل مصر، تجاه البعض منهم، فقد رحّلت بعضهم عن أراضيها، ورفضت دخول البعض الآخر، لكن في كل الأحوال استطاع هؤلاء الانتقال من مرحلة إلى أخرى، وها هي المقارنة تعقد الآن بينهم وبين نجوم «الكنيسة التي في بيتك»، بالمفهوم الأميركي للدعاة المسيحيين الإنجيليين البروتستانت، الذين قدر لهم التلاعب بالرأي العام الأميركي في العقود الثلاثة المنصرمة، وتشكيل جبهة تتجاوز اهتماماتها صحيح الدين من زيفه، تلك التي عرفت بجماعة «المحافظين الجدد»، وما جرته من ويلات على القارة الأميركية.

جذور
في كتابه الأحدث يتساءل المؤلف: لماذا ظهر الدعاة الجدد؟ وعنده أن كل ظاهرة لها جذور، هذه الجذور تمتد تحت الأرض، وفي التاريخ القديم.
يلفت المؤلف إلى أنه من المناسب أن نبدأ بثورة الاتصالات الحديثة وبالتغيّرات التي أحدثتها وسائل الإعلام المختلفة. لقد أدت هذه التغيّرات إلى أشياء كثيرة كان من بينها أن يتحوّل الوعّاظ ورجال الدين إلى نجوم جماهيريين يملكون التأثير في الملايين من البشر.. لقد كان ذلك أمراً جديداً بكل تأكيد، وقبل هذه الثورة كان أي رجل دين لا يملك سوى التأثير في المصلين والمريدين يراهم ويرونه وجهاً لوجه، سواء في الكنيسة أو المسجد، أو في أي دار عبادة أخرى، وهكذا لا يمكن أن نفهم ظاهرة مثل «الدعاة الجدد»، دون أن نفهم ذلك التأثير السحري للتلفزيون على عشرات المليارات من البشر منذ ظهوره حتى الآن.
لا يمكننا فهم ظاهرة الدعاة الجدد في العالم العربي من دون قراءة فيها مقاربة مع النموذج الأميركي للدعاة، لا سيما مثال الواعظ الأميركي الأشهر «بيلي جراهام»، واعظ الرؤساء الأميركيين والبيت الأبيض، والذي التقطته القوى الأميركية السيارة منذ نهايات الأربعينيات وأوائل الخمسينيات لتجعل منه محركاً قوياً وضارباً بعظاته المسيحية ضد الشيوعية.
تكرر المشهد عينه في مصر مع أحد أهم نجوم «الدعاة الجدد» والذي كان مغرقاً في المحلية حتى أوائل الألفية الثالثة، غير أن بعض مُلّاك القنوات الفضائية، وفر له مساحة تلفزيونية يلتقي من خلالها بـ«الجماهير الغفيرة»، بحسب تعبير المفكر الراحل د. جلال أمين، ليتحول بعدها إلى أحد نجوم المجتمع، سيما وأن خطابه الديني والإعلامي، كان يدعو إلى تكوين الثروة كأحد أشكال التديّن الصحيح، الأمر الذي كان يلاقي هوى وارتياحاً كبيرين عند بعض رجال الأعمال الذين يجمعون بين الرأسمالية كمذهب اقتصادي، ويسعون للقبض على الدين بوصفهم أطرافاً من قلب المؤسسة الدينية.
كان خطاب الدعاة الجدد في مصر تحديداً هو الأطول عمراً والأوفر حظاً حتى الساعة، سيّما وأنهم قدموا خطاباً تجاه الثروة مناقضاً تماماً لتلك المفاهيم التي يصيغها كتّاب الدراما المصرية من أبناء ثورة يوليو، ولتلك التي يصيغها المثقفون اليساريون عموماً.
كان أحدهم يربط بين الغنى والقدرة على فعل الخير، وبين الثروة وأن يكون الشخص مؤمناً صالحاً، بدأ خطابه متأثراً بتحليل «ماكس فيبر» للأخلاق البروتستانتية «مزيد من العمل يعني تديّنا أفضل»، وبدأ ملبياً تماماً لرغبات الوافدين الجدد على الساحة في نهاية التسعينيات.

مكر
بقليل من التعميم والتبسيط، يمكن القول إن المزاج العام في الإعلام وفي الحياة العامة في مصر ظل ناصرياً، حتى بداية التسعينيات، بعدها رويداً رويداً، بدأ التغيير، وتصاعد المنحنى إلى ذروته في بداية الألفية الجديدة، وهي الفترة نفسها التي واكبت ظهور الدعاة الجدد.
بذكاء وتحليل اجتماعي شديدين يأخذنا وائل لطفي إلى منطقة مثيرة، حيث العلاقة بين الدعاة الجدد، والقوى الإسلاموية المتغيرة شكلاً لا جوهراً، وعنده أنه لا يمكننا أن ننظر إلى ظاهرة الدعاة الجدد دون أن نتذكر مبادرة وقف العنف التي أعلنتها «الجماعة الإسلامية» في منتصف عام 1997، حيث وقف أحد المتهمين من قيادات الصف الثاني من الجماعة، أثناء نظر قضية كان متهماً فيها بالعنف ليعلن أن جماعته قررت الإقلاع عن العنف..
هل كان المشهد يحمل مكراً تاريخياً قريباً من مكر التاريخ الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني الأشهر جورج هيجل؟
الشاهد أن إعلان «الجماعة الإسلامية»، تلك التي مارست منذ ظهورها في سبعينيات القرن الماضي عنفاً غير محدود، بلغت ذروته العام 1981 أي عند اغتيال الرئيس السادات، عطفاً على ممارساتها لعنف واسع ضد السائحين والأقباط والمسؤولين الحكوميين، نقول كان إعلان الجماعة إيذاناً ببدء عصر جديد من التغيير الناعم، ومن الكف عن محاولة الاستيلاء على السلطة من قمتها العليا، والانخراط في مرحلة جديدة يبدأ فيها تغيير المجتمع من الأسفل وليس من الأعلى، ما يعني أننا كنا على موعد مع انقلاب مجتمعي إخواني أصولي هادئ بأدوات مغايرة لما جرى العرف به من اغتيالات أو تفجيرات وسرقات.
لاحقاً سوف تثبت الأحداث لا سيما بعد 25 يناير 2011، أن كافة تلك المبادرات كانت نوعاً من التقية المتقنة، قد ارتدّ من قالوا بها إلى سيرتهم الأولى، وأظهروا رغبات عنيفة في الهيمنة والاستبداد، بل العنف الدموي في العام الذي وصل فيه الإخوان المسلمون إلى سلّم الحكم في مصر.
يفند وائل لطفي في عمله الفكري الممتع حالة الازدواجية الأخلاقية Moral Paradox التي يعيشها أنصار الدعاة الجدد من جهة، ويكشف عن كذبهم وريائهم من جهة أخرى، ويتوقف عند الشخص عينه الذي أشرنا إليه بـ«أحدهم»، وكيف أنه كان ولا يزال قادراً على التلوّن كالحرباء، ففي لحظة معينة وعندما رأى جماعة الإخوان المسلمين تنهار، كان تبرؤه ساذجاً، ما دعا أركان الجماعة الغاطسين في العمق، للخروج على الملأ، ونشروا له من الأدلة والبراهين ما يؤكد انتماءه للإخوان المسلمين منذ ثمانينيات القرن المنصرم، وعلى غير المصدق، الولوج إلى عالم الإنترنت والشبكات المعلوماتية، وفي المقدمة من هذا وذاك تبعيته لـوجدي غنيم الداعية الإسكندري الذي مد خط التطرف على استقامته حتى انتهى المطاف به إلى تأييد «داعش».
وفى بعض حالات الدعاة المنتمين للإخوان، كان هناك اختيار التنصل من الجماعة، أو التظاهر بالتنصل من أفكارها، والاندماج مع الوضع القائم والاستفادة من المكاسب الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة.

غموض
ولعل من بين أهم ما يحسب لكتاب وائل لطفي «دعاة السوبر ماركت»، هو أنه ومن جديد يميط اللثام عن علاقة بعض القوى الغربية، لا سيما بريطانيا، بظاهرة الأصولية، بل العنف والتطرف في العالمين العربي والإسلامي.
العينة التي نتحدث عنها من هؤلاء الدعاة، عرفت بعلاقاتها الغامضة بلندن، تلك التي لا تزال تشكل قلب العالم السري لجماعة الإخوان المسلمين بنوع خاص. قدم البريطانيون لهذا الداعية فرصة للدراسة في جامعة «ويلز» وسجل نفسه باحثاً في موضوع «الإسلام والتعايش مع الغرب» في ذلك الوقت، ونشرت جريدة «الصنداي تايمز» في 30 أبريل عام 2004 تقريراً بعنوان «خطط بريطانياً السرية للفوز بعقول وقلوب المسلمين».. كان التقرير يتحدث عن خطط المكتب السادس البريطاني (الاستخبارات الخارجية البريطانية MI6) لاستمالة مجموعة من الدعاة المعتدلين ـ بحسب تقدير البريطانيين ـ للتأثير في الجاليات الإسلامية هناك، واستمالة أبنائها بعيداً عن شبح تنظيم القاعدة الذي كان يضرب الأبواب بعنف. لاحقاً كان من الطبيعي أن يسعى «أحدهم» هذا إلى تأسيس منظمة، أو جمعية أهلية تكون له بمثابة المعين الذي يتلقى فيه التمويل لمشروعاته داخل بريطانيا، وفى مصر، وتحدثت الأرقام عن 47 مليون جنيه إسترليني.
لم تكن أميركا بدورها بعيدة عن «أحدهم» كعينة للدعاة الجدد، بل أفردت له «النيويورك تايمز» في ملحقها الأسبوعي في مايو 2006، الملحق كله، ولإعداد الملحق رافقته الصحفية الأميركية «سامنثا شابيرو» لعدة شهور خلال عام 2006، وسافرت معه لبلاد مختلفة، وكأنها كانت تجري معاينة على الطبيعة.. كان الوقت قريباً جداً من مارس 2003، حيث أسقطت القوات الأميركية نظام صدام حسين، وتضاربت تصورات مختلفة حول مستقبل النظم الحاكمة في المنطقة، ولم يكن أحد يدري أن زمن الربيع العربي المغشوش في الطريق.

خلاصة
هل من خلاصة عند المؤلف؟
يخلص الكاتب المصري إلى القول بإن ظاهرة التدين الجديد لم تعد على الشكل نفسه الذي كانت عليه عند ولادتها في تسعينيات القرن الماضي، ويرجع ذلك لعدة اعتبارات. أهمها أن الظاهرة ولدت كمحاولة لتجسير الفجوة بين النخبة الحاكمة في مصر والعالم العربي، وبين جماعة الإخوان المسلمين من خلال نمط تدين غير راديكالي يخاطب الفئات الاجتماعية الصاعدة اقتصادياً، يطمئن النخب الحاكمة إلى أنه لا ينازعها السلطة بقدر ما يهدف إلى تلوينها بلون محافظ. كانت تلك الفكرة مستمدة من النموذج الأميركي الذي شكل فيه مبشرو التلفزة ظهيراً سياسياً وفكرياً للنخب الحاكمة، ولعبوا أدواراً مهمة في التحذير من الحظر الشيوعي، وتجذير الأفكار الرأسمالية وربطها بنمط التدين المحافظ.
وبالمثل كان ظهور الدعاة الجدد في مصر في التسعينيات تعبيراً عن النفوذ الاجتماعي والسياسي لجماعة «الإخوان المسلمين»، ومحاولة لصبغ النخبة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بصبغة إسلامية محافظة دون مساس بأوضاعها.
عدة أسئلة جديرة بالتأمل تثيرها سطور وائل لطفي، وفي المقدمة منها: هل كان الغرب هو راسم خرائط الدعاة الجدد أول الأمر، وما جرى بعد ذلك تحصيل حاصل، أما أنها نتاج لتطور طبيعي ومجاراة لأدوات ووسائل العصر الدعوي؟
الجواب غير واضح، لكن المؤكد بالمطلق أن دوائر غربية، ومن جديد تلاعبت بقوى «الدعاة الجدد»، سيما وأن الحبل السري بينهم وبين جماعات الإسلام السياسي لم ينقطع يوماً ما.
في كل الأحوال كان الدعاة الجدد «الباب الخلفي» لاستهداف النخب المصرية والعربية في عملية يمكن تسميتها بـ«اختراق الصفوة»، أما العوام فقد تم سلب عقولهم، وسبي قلوبهم منذ زمن طويل.
عمل خلاّق جدير بالقراءة والبحث والتحليل.

 

 

اقرأ أيضا

"السّاعة الرّابعة".. حوار بين العقليات والمرجعيات