الاتحاد

ملحق دنيا

"الأب الصديق".. حجر الأساس لصقل شخصية الأبناء

خروج الأب مع أبنائه يعزز العلاقة بينهم (الصور من المصدر)

خروج الأب مع أبنائه يعزز العلاقة بينهم (الصور من المصدر)

نسرين درزي (أبوظبي)

يحتفي العالم اليوم بـ«يوم الأب»، تقديراً لدوره المتفاني تجاه أسرته ومع أبنائه.. الأب الذي وإن كان يقضي وقتاً طويلاً في عمله خارج البيت، إلا أنه يستحق التقدير تماماً كما الأم، والتعبير له عن الامتنان أمر مطلوب ليس اليوم وحسب وإنما في كل يوم. وإذ لا ينكر أحد على الأب مسؤولياته الكبيرة التي تتضخم مع متطلبات الحياة والتزاماتها، يؤكد الجميع على أهمية «الأب الصديق» الذي لا يكفي أن يكون السند لأبنائه وحسب، وإنما المستمع والمنصت والمرشد والمرافق والداعم والمتفهم والمتسامح، وكلها صفات باتت مطلوبة في الأب العصري الذي لم يعد مقبولاً أن يكون بعيداً عن أفكار أولاده وبناته وسط مجتمع كثر فيه الدخلاء على فكر الجيل الجديد، سواء في الشارع أو خلف شاشات الكمبيوتر ومنصات التواصل الاجتماعي.

ترغيب ولين
بالاطلاع على بعض الآراء يتضح أن التغيرات التي طرأت على الحياة بما فيها الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، بات من الضروري فتح نافذة جديدة لسلوك الآباء في تربية أبنائهم. إذ لا ينفع أن يظل أسلوب التربية نفسه فيما اهتمامات الأبناء اختلفت وتشعبت وباتت أكثر سعة وتحرراً.
ويذكر إبراهيم الأحمد، أب لثلاثة أبناء، أنه يسعى جاهداً للتخفيف من لهجة الحزم مع أبنائه للنزول عند رغباتهم وتفهم طريقة تفكيرهم، وقال إنه على الرغم من قناعته بدوره كأب عصري، فهو يفشل أحياناً في السيطرة على نفسه ولا يخفي غضبه عندما يشعر أن أبناءه لا يتجاوبون مع رغباته، ولذلك يلجأ أحياناً إلى أسلوب الترغيب واللين في آن، ويعرف ضمنياً أن العلاج يكون بجلسات حوارية مكثفة مع الأبناء تحول دون وقوعهم في اتخاذ القرارات الخاطئة من الأساس.

حماية وبناء
وأشار عماد الحصري، أب لولدين في سن المراهقة إلى دراسة بعنوان: «الأطفال الناشئون على الإنترنت ودائمو الاتصال»، أجرتها «كاسبرسكي لاب»، تتحدث عن التنمر الإلكتروني والذي يشكل في غياب «الأب الصديق» تهديداً على الأطفال أكثر خطورة مما كان يعتقده الآباء، واعتبر أن غياب الأب عن حياة الأطفال واهتماماتهم وأنشطتهم البدنية يفتح لهم متسعاً من الوقت للجلوس على الشاشات الصامتة التي تخترق كيانهم، حيث إن التنمر الإلكتروني يأتي من الفراغ العاطفي وتحديداً لجهة حضور الأب، مما يعرض المراهقين إلى الترهيب أو الإساءة المتعمدة على شبكة الإنترنت.
وتحدثت سميرة المسعود عن دور الأب الذي تعتبره أكثر أهمية في بناء شخصية الأبناء من دورها كأم، وقالت إن الحنان الذي تمنحه الأمهات لأطفالهن منذ الصغر وحتى مراحل متقدمة من الحياة لا يكفي لبناء شخصية بارزة، موضحة أن عدم وجود الأب الصديق في حياة الأبناء يوجد شيئاً من الإهمال في مشاعرهم الوجدانية، مما يؤدي إلى التفكك الأسري وغياب التنشئة السليمة.

تواصل وتقارب
ولفتت خديجة الملا إلى أن تربية الأبناء مسؤولية كبيرة تستوجب على الأب العصري أن يمد مع أبنائه جسور التواصل والتقارب، وأن يحاول استيعابهم بحسب أعمارهم وما تفرضه من متطلبات، معتبرة أن أفضل طريقة لذلك أن يوازن الأب بين دوره التقليدي كمراقب إلى دوره كشخصية حاضنة لمشاكل الأبناء بكل ما تتطلبه هذه المشاكل من حكمة وهدوء وتروٍ.
وعلق أحمد البلوشي أب لأربعة أبناء، على هاجسه بأن يكون أفضل صديق لأبنائه حتى يضمن اكتمال صحتهم النفسية، وأوضح أنه يتبع أسلوب اللين لما له من تأثير إيجابي على سلوكياتهم بقصد التعرف إليهم من قرب وإرشادهم على الطريق الصحيح، وهو لا يلغي إصراره على بناء أفضل علاقات الاحترام بينه وبين أبنائه بحيث يكنون له كل التقدير.

متوازنة وواثقة
وتحدثت الدكتورة دولي حبال الاستشارية النفسية، عن الدور الرئيس الذي تتطلبه شخصية الأب العصري، وقالت إن أهم صفة تطلق عليه هي الأب الصديق، الذي يحتاجه كل الأبناء للتمكن من النجاح وبناء شخصية متوازنة واثقة بنفسها. وأوضحت أن الرابط بين الأب وأبنائه لا يقل أهمية عن أي شيء آخر، إذ إن الأب يلعب عدة أدوار في حياة أبنائه، فهو الحارس والمنقذ والمعلم وقبل كل شيء الصديق، وهذا الأب هو الشخص الذي يبحث عنه كل طفل بالفطرة لينمو في كنفه طالباً لتوجيهه وأخذ مشورته بلا خوف أو تردد. وذكرت حبال أنه من المهم أن يترك الوالد في ذهن أبنائه ذكريات حلوة تجمعه بهم بلا توتر حتى يشعروا فعلاً بأنه أقرب شخص إلى روحهم تماماً كما هو الوضع مع الأم التي تتواجد معهم في البيت لفترات أطول. فالأبناء في مختلف مراحلهم العمرية يحاولون استرجاع تلك اللحظات المميزة والقيّمة التي أمضوها مع والدهم يوماً ما، مثل مشاهدتهم سوياً المسلسلات الكرتونية المفضّلة عند العصر، أو الذهاب برفقته إلى السينما ومن ثم توجه الأسرة للمطعم والتقاط الصور التذكارية. ومن الصور الجميلة التي لا تفارق الأبناء، مشاهد اللعب برفقة الأب في بركة السباحة أو بحديقة البيت.
وتطرقت حبال إلى ضرورة الانتباه إلى مشاعر الطفل خلال السنوات الأولى من حياته، ومنحه الاهتمام اللازم والتعامل معه بإصغاء لأنه يكون في طور النمو الذهني، الأمر الذي يجعل أفكاره وأحاسيسه جاهزة لتحديد موقفه من علاقته بأبيه، مع الحذر من وقوعه في دائرة الفراغ العاطفي الذي قد يحطم فؤاده، وشرحت أن هذا النقص قد يؤدي إلى تدني مفهوم التقدير الذاتي مما ينعكس سلباً على سلوك الطفل أو أدائه الدراسي.

علاقة خاصة
الأب الصديق يشارك ابنه اهتماماته في الصغر حتى يكون شريكه وصديقه في الكبر، وهو الذي يشعر باحتياجات أبنائه ويبحث عن الأنشطة المثيرة التي تجمعه بهم داخل البيت وخارجه. فهذا الأب يعرف متى يمسك يد ابنه ومتى يتركها وكيف يمنحه الفرصة كي يرتاح ويعبر عن نفسه ضمن مساحته الخاصة، لا يخجل أن يعلم ابنه من أخطائه وأن يبني علاقة صداقة خاصة تجمعه بأولاده وبناته بما فيها من أسرار خاصة توسع هامش الثقة بينه وبينهم، كما يمكن أن يكون هذا كله ويبقى حازماً وعادلاً ومتوازناً، وأن تكون أباً صالحاً يعني أن تتعرف إلى المفاهيم العامة حول الأبوة وأن تفهم أهمية دور الأب في حياة الأسرة والمجتمع مع العمل على المهارات اللازمة التي تقرب الآباء من طريقة تفكير أبنائهم، وتحقيق الألفة بينهم.

اقرأ أيضا

«قسوة العمل» تحول المرأة إلى أم صارمة!