ثقافة

الاتحاد

جسور.. الكاتب

جسور.. الكاتب

جسور.. الكاتب

الأمر يبدو مريعاً، قلق شديد يفتك بي، ينتابني الخوف بين فينة وأخرى، أخشى من النهاية التي تفغر فاها لابتلاعي، فللنجاح ضريبة، وما بعد القمة تبدأ الرحلة للقاع!.
كان نجاح روايتي الأخيرة باهراً، أحس بماهيتي ترتفع فوق البشر، مدلول أفلاطوني يولد وينمو وينضج، لكن النضج بداية الموت!.
أناقش الرواية في إحدى الندوات، النظرات المنبهرة تحلق كأنجم فوق رأسي، على يميني يجلس ناقد شهير، وعلى يساري الناشر المجنون، لا يراهن على قلمي سوى رجل ذي جنة!، فالثمين في زمن الغث لا يعول عليه!.
أزهو بنفسي بعد المديح الذي هبط علي كالوحي، أشعرني بالقيمة والتفرد، ونقطة اللارجعة تغازلني من بعيد، أخبرتني امرأة في الندوة «كيف جعلتني أداعب النجوم في روايتك!»... جملة لا تخرج إلا من فم امرأة!.
خرجت فرحاً وبدأت مسيرة البحث عن فكرة روايتي الجديدة، شيء ما في داخلي يردعني عن المضي قدماً في هذا الطريق، التوقف يضمن النجاة!... أخرسته أو صمتت أذني عن النداء، الحمقى لا يسمعون!.
تمر الأيام، وحالتي تسوء، الأفكار مكررة، والجنة صارت خاوية على عروشها... الفلاحون حصدوا بمنجلهم الورود، ولم يبقَ سوى القمح، القمح يتسبب في نزول الفضلات!.
أجلس في غرفتي، أمزق الورقة تلو الأخرى، أصرخ بغيظ، وقد شملني التوتر، ثورة عنيفة تضرب صدري، فأحاول كبتها فتزداد عنفواناً، أمسك الكوب الذي أمامي على النضد وألطمه في الحائط، فيتهاوى باكياً ليطلعني على حقيقة الألم، ويشهدني على جرمي الشنيع!، فأهرب من إثمي وأتسلل للغرفة الأخرى، أنظر للمرآة: «من أنا، صورة، ظل، أم مدلول؟!... لكن المدلول لا ينعكس على قعر المرآة!»... فيجتاحني الغضب وأضرب رأسي في المرآة فتتهشم، ويهبط الدم من جبهتي بغزارة، فأسقط وأتيه في الضباب.
أستيقظ في مشفى على ابتسامة تلوح على ثغر امرأة، غاويتي التي يتلاقى منبعي بمصبها فيجري النهر ولا يتوقف على الانسياب، وجدتني ملقى في غرفتي كالجثة الهامدة، صرخت للوهلة الأولى، ثم ما لبثت أن أخرجت هاتفها واستدعت الإسعاف... الشاش على رأسي، فتقول وهي تمس كف يدي: حمداً لله على سلامتك حبيبي.
أنتفض صارخاً فتتراجع.
- وجدتها!.
تذهل، وتنظر لي بريبة.
= ماذا وجدت؟!
- ما زالت هناك وردة لم تقطف بعد!.
...
جلست في غرفتي ممتنعاً عن كل شيء، غاويتي ستخرجني من البحر وأنا أريد البلل، ستمنحني رعشة البرد، وأنا عار على رمال الصحراء، الاعتزال ضروري حتى تكتمل الدائرة..
أمسك القلم، يتوغل في صدري، يستبيحني ويتفحش في دواخلي، لا أستطيع مقاومته، يرقص فوق آلامي ويبكيني من لوعة الحبور، ألعنه وأسبّ وردتي، فيسخر مني مقهقهاً: «ارمني إن استطعت!»... أطأطئ رأسي وأسترضيه، فيرفع رأسه ويهمس في أذني «أنا الأزل، والخلود!».
أتقافز من السرور، وآخذ نفساً عميقاً، أستمع لموسيقى راجح داوود، أريد أن يكون القتل شرعياً، يميتني ويحييني في لحظة، أصرخ عند نهاية «البسكاليا»، وأكتب آخر كلمة في روايتي: «انتهت»... أدور حول نفسي كالدرويش.
قرأ الناشر الرواية، وأخبرني حين التقينا أن العمل سيضمن لي الخلود، أردت البصق عليه، أحدفه بفنجان القهوة التي أمامي، لم يدرك أنه يمنحني إشارة الرحيل، أردت أن أكونه، ذلك الذي يسخر مني!.
كان نجاح الرواية غير مسبوق، وهاتفني الناشر.
- الرواية ترشحت لأهم جائزة عربية.
= لا تكمل فهي لي!.
أعلم أن بعض الجوائز ليست لها معايير منصفة في الكثير من الأوقات، لكنني أدرك أن الرواية بها روح ماجنة، غاوية سيطأطئ لها المحكمون رغماً عنهم، إنها للجميع وليست لواحد فقط، وهي لواحد فقط وليست للجميع!.
...
ذهبت برفقة الناشر يوم حفل توزيع الجوائز، هادئاً وبارداً كالثلج كأنني أعلم الغيب، بارقة مظلمة!، نجلس معاً ويمضي الوقت، يتوتر الناشر ويرشح العرق من مسامه حين إعلان النتائج، ابتسم ساخراً من منظره، ويُنادى على اسمي، فيصرخ الناشر فرحاً ويصفق الحاضرون، يعانقني بشدة، ويشيعني نحو جائزتي!، أمشي بخطوات واثقة وأصعد للمسرح، يصافحني رجل وامرأة لا أعرفهما على وجه الدقة، يمنحني الرجل شهادة وشيكاً بمبلغ وقدره، وتمنحني المرأة الدرع فأتمنى لو أعطيتها التاج!.
أمسك الميكروفون وأقول بلهجة باردة:
- الليلة تنتهي الرحلة!.
ثم نزلت وسط تصفيق الجميع وتهليلهم المبالغ فيه، الدهشة تكتنف وجوههم، يضرب الناشر على كتفي مشجعاً والبسمة تفترش شفتيه، فأخبرته وأنا أهم بالمغادرة، حتى لا أكون مشاعاً لمصافحات الحضور والكاميرات المترصدة.
- لا داعي للمبالغة!.
على بعد خطوتين من بيتي بعدما تركت الحضور في قمة الذهول، أدير المفتاح في الباب، أفتحه وأدخل، ألقي نظرة أخيرة على الشارع، تولد على ثغري ابتسامة جذلى، ثم أغلق الباب!.
....
تصل الغاوية البيت، تنادي عليه ولا مجيب، تفتش عنه في الغرف، تتعثر خطواتها فجأة وتسقط على الأرض، تذهل!... ترى رقبته في وسط الدائرة، وصورته مشوهة في المرآة المهشمة!... تصرخ، ثم تركض نحو باب الخروج، باحثةً عن الهرب من المنظر المريع!.

اقرأ أيضا