الاتحاد

ثقافة

إذكاء النهضة

من المصدر

من المصدر

الأدب والحضارة:
حملت اللغة العربية على مر القرون عبقريات أبنائها، وإن الأدب أو الفن عامة كائن حي، لا يعيش على شكل واحد أبداً وإنما هو في تطور مستمر بموضوعاته وأسلوبه، وهو انفعال بالجمال ثم تعبير بجميل، بالأدوات والمتطلبات الأدبية أو الفنية عن هذا الانفعال بالجمال، ومعيار القوة أو الضعف فيهما هو توفير المتعة الجمالية أو الأدبية، أو غير ذلك!
وهذا ناشئ من أن التعبير الأدبي أو الفني إن لم يكن جميلاً لما كان أدباً ولا فناً، الأمر الذي جعل الفنانين والأدباء يحرصون على توفير القيم الجمالية من أساليب وأخيلة أو أفكار أو مشاعر، وحرصهم هذا جعلهم يبحثون عن تمكين إمكانياتهم الأدبية بشكل أكثر تركيزا لما يساهم في تطوير نتاجهم الأدبي بما يوافق القضايا الجمالية. لذا انطلق الأدب من بواديه وحواضره القديمة، فعاش الأوضاع الطارئة بذكاء وحسن استيعاب، وواكب المستجدات بعزم ثبات. وانتقل إلى أدب يتأثر بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والحضارات التي انضمت إلى عالمه وائتلف فيه الأصيل والدخيل. فأخذ بالحياة التي أقبلت عليه وأقبل عليها، وجرت في عروقه حداثة أملتها عليه حداثة الأوضاع السياسية والعسكرية والاجتماعية، والوضع وإن تذبذب أحيانا خلال تلك العصور إلا أنه يرجع إلى مكانته ووظيفته في إذكاء النهضة.

الجودة الثقافية ومحاولاتها في الإمارات:
وفي دولة الإمارات، الأرض الطموح المتطلعة دائما للأفق البعيد، تأتي المبادرات الثقافية لتساهم في تلك الوظيفة الإنسانية وهي «إذكاء النهضة» ولا يمكن أن تُعطى النهضة ثباتاً دون الأدب والفكر والفنون، ومن هنا تنبع سلسلة من الأفكار والمبادرات الثقافية للحفاظ على الأساس الحقيقي للنهضة الإنسانية وإعمال قيمة الفكر لنتمكن من بلوغ الأهداف الحضارية الأخرى، فكما كان الشاعر قديماً هو عقل قبيلته وقلبها ولسانها أصبح الأديب مرآة أرضه وانعكاس هويته وصوره ويمكن اعتبار نتاجه وثيقة تاريخية، وإن ذهب بعض النقاد الجدد إلى دراسة الأدب كوحدة مستقلة كونه بناء لغوياً يحقق التوازن بين عناصره من طريق التوازي والتقابل والمفارقة والتورية وتحميل الكلمات بكل ظلال المعنى، ولغته هي الرمز والصورة ولغته الانفعالية. ولسنا هنا بصدد الوقوف بشكل كبير على وظيفة الأدب التي قد تكون غير واضحة المعالم حتى كمصطلح عن جيل الكتاب الجدد، ولذا لابد من تقارب بين الجيل الأول والجديد، ومساعدتهم والوقوف معهم ونقل المسؤولية إليهم في حمل لواء النهضة والفكر لأنه كان ومازال الهدف الأسمى للحضارة على هذه البقعة من الأرض والتي بلاشك تساهم في تشكيل الحضارة الإنسانية، وهي مسؤولية من يطلق على نفسه لقب كاتب أو أديب أو مفكر. من الانطلاق بأن أي فن كبير أو أدب كبير يطمح في كل عصر إلى أن يكون هو الحل من خلال خروج الأديب من الحيّز الأدبي إلى مستوى الإنسان الذي تبنته بعض المذاهب الفنية.
ولا ريب أننا بحاجة ماسة إلى أدب إنساني يدعو إلى الألفة، ويهيئ لها طريق الخلاص من عناء طويل وصراع دام مع قوى الظلام.
ومن أنجع الطرق للوصول والمحافظة على الإرث البشري والإنساني هي الملتقيات الفكرية والأدبية التي بها نقف عند المفارقات المطروحة ونضعها على طاولة النقاش والجذب، لنضفي زخما وثراء وعمقاً للأديب والفنان والمفكر، بل ويتعدى ذلك إلى التأثير في العلاقات الحضارية بين الأمم.

مثال على إذكاء الحركة الحضارية:
وما تم الإعلان عنه من اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عن «ملتقى زايد للكُتاب الشباب» في الفترة من 12-14 ديسمبر، والذي نتطلع إليه بكل شغف وطموح ماهو إلا أنموذج من تفعيل الحركة الثقافية بين الأجيال من ناحية والوقوف معهم لأنهم من يقع على عاتقهم إكمال مسيرة النهضة الفكرية والأدبية، لذا من واجبنا أن تقوم تلك النهضة القادمة على ركائز ثابتة وقاعدة قوية، ولا يمكن أن يتأتى ذلك دون الاحتكاك الثقافي، فالعمل الأدبي يقف في المقدمة والتاريخ في الخلفية ومهمة النقد والحوار الثقافي هي الربط بين الاثنين، فبدون معرفة تاريخية كيف يمكن لقارئ شكسبير أن يفهم مسرحية مثل «هنري الثامن»؟، ومن دون معرفة بقوانين الملكية والزواج والوراثة في القرن الثامن عشر كيف يمكن له أن يفهم حبكة رواية لجين أوستن؟ وهي مهمة الاحتكاك الفكري والثقافي التي تعتمد على فحص أوجه الثقافة، وبه ننطلق نحو الثراء الأدبي المعرفي، في محاولة لإجراء حوار بين الدراسات الأدبية وعلوم الذهن وفلسفة الذهن وعلوم النفس المعرفية والأجناس الأدبية إلى جانب الفنية. وهذا الالتقاء الفكري هو مظهر من مظاهر الحضارة وهو ليس متكلفاً وإنما هو قديم وطبيعي أيضاً وهي حاضرة على مر العصور الثقافية، بدءاً من المهرجان الثقافي للشعر في سوق عكاظ كونه أهم الأشكال الأدبية آنذاك وصولاً إلى الصالونات الأدبية التي فرضت حضورها، وأسهمت في تشكيل ملامح الحضارة العربية التي تأثرت بطبيعة الحال بالمعطيات البيئية والسياسية والاجتماعية والقومية فالأدب كغيره من العلوم والفنون متصل بالزمان والمكان والبيئة الاجتماعية، وهو يتغير ويتطور، ويتقدم ويتأخر، والالتقاء الفكري هو محاولة للتأصيل الحقيقي وللتجديد والرقي.

ماذا تقدم المبادرات الثقافية للكاتب والأديب الإماراتي ؟
وإلى جانب أهميتها المحورية فإن الملتقيات الفكرية والأدبية تساعد في تشكيل ما يحتاج إليه الكاتب والأديب من شخصية قوية لها من الذوق الأدبي المساحة المرجوة، وإلى من يستكشف له النصوص ويحققها وإلى من يقدم له العلوم المختلفة من نحو وصرف وبيان وغيرها من العلوم الأساسية التي لابد من الاستناد عليها في الكتابة. وهو ما يحيلنا إلى أن نشبه هذا الالتقاء مع الأجيال بحركة إحياء للتراث الثقافي للمنطقة، فلابد لكل نهضة من مرتكز تراثي تتكئ عليه وهو من العوامل الثقافية التي لها ارتباط مباشر بالحركة الأدبية.
ويسوق الجرجاني إلينا هذا الفهم حين يقول: «ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان ويجعله عليّ ذكر أنه لا يُتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم أفراداً ومجردة من معاني النحو..».
وهذه اللقاءات الأدبية تمكننا من أن نحتاط لأنفسنا فلا يأخذنا الوهم إلى أبعد مما يصح من المبادئ الدقيقة والرؤى الواضحة في النتاج الأدبي ومعرفة الجيد من الرديء، فالخلل الثقافي قد ينتج من عدم التمييز في الاستقبال الثقافي، بل الاكتفاء بالممارسة الأدبية والتذوق الجمالي دون الالتفات إلى عيوب الخطاب ومشاكله النسقية وما يختبئ وراء الجمالي. وهذا هو الأساس في تشكيل الشخصية الثقافية وجعلها تنافس النتاج الأدبي للحضارة الإنسانية بل وتشكل بيئة خصبة لإنبات نتاج أدبي يتمتع بالصحة والحيوية الثقافية. وتكوين هذه الشخصية هي مسؤولية تقع على كُتاب ومفكري المنطقة الذين يجدون خلال هذه الملتقيات فرصة لفرض شخصية اللغة، التي تحمل شخصية كاملة تتأثر وتؤثر، وهي التي تنقل الأثر من المبدع إلى المتلقي. ويمكن تشبيه هذه المبادرات من ملتقيات وندوات وحوارات ولقاءات -إن جاز التعبير - بالاحتكاك الثقافي بين المدن داخل الحضارة اليونانية، ذلك الاحتكاك الذي جعل فلاسفة أثينا يفكرون في بناء مدينة نموذجية تتفوق على غريمتها اسبرطة أولا، وثانيا على كل المدن الأسطورية كأسطورة مدينة كريت. وعبّر أحدهم عن هذا الهاجس في قوله: «في هذا العصر كانت أثينا اعتبارا من عام 450 ق. م، المركز المشع والمدوي لأفكار جديدة كانت تستدعي طرقا جديدة في التعبير، أثينا المجيدة المرحة، القوية المزدهرة، أثينا الموطن الطبيعي للمناقشة الحرة، أثينا الديمقراطية التي لا ييأس فيها أفراد الأقلية».. إذن هو ذلك الاحتكاك الثقافي الذي تدور حوله كل نقاط التقاء القوة والحضارة والازدهار. ويسرد لنا التاريخ بأن الحداثة بدأت حقا مع ظهور التجمعات التي اتصلت بالغير لتعالج التاريخ والتقليد والنتاج الأدبي وتقوم بالمساءلة التي بدورها ولّدت اتجاهات أكثر تجديدا وإبداعا وانتقالا من المحاكاة إلى التجربة ولكن دون اللجوء للانشقاق الثقافي عن التراث والأصالة الفكرية، وبها نصل إلى النضج مع الوعي التام بالحدود الاجتماعية، يقول بولديير: «الحداثة هي الانتقال وهي اللاجئ والطريد، وهي نصف الفن، لأن نصفه الثاني خالد وثابت». وإن المبادرات الثقافية في ذات الوقت تأخذ صفة الخطورة في كونها المسؤول عن نجاح أو فشل الواقع الثقافي لضرورة قدرتها على أن تحمل صفة الموضوعية بحيث تفسر الواقع الأدبي وتحلله وتحدد مواطن القوة فيه والضعف مما سيكون له الأثر البالغ في إنتاجية الفنان الباحث عن الجودة. وهو ما يتطلب كذلك ضرورة مكاشفة الموضوعات السائدة التي تهم الواقع وتحفز على شدة المساءلة بهدف التقويم.

هنا لا يُعاني الأدب اليُتْم:
ومن هنا، من الشرق الذي كان ومنذ قرون بعيدة مولد تعاليم الإنسانية، فشهد حيوات مصلحين إنسانيين شاؤوا أن يسعدوا العالم بدعواتهم السامية في الشرق البعيد.
لذا لزام علينا أن نشد معاً على تلك المؤسسات الثقافية في الإمارات وعلى قمة هرمها وزارة الثقافة واتحاد كتاب وأدباء الإمارات إلى جانب المؤسسات الثقافية المعنية، على جعل تلك المبادرات واقعاً نصل بها إلى تحقيق توقعات مستقبلية مشتركة لتصب في تكوين شخصية حقيقية للمشهد الثقافي الإماراتي، وللمثقف والأديب والكاتب الإماراتي، وإعطائها طابع الجدية في العمل الحداثي للحركة الثقافية والمحافظة على تبرعمها التكويني والأخذ بأيدي الشباب المثقف ولمساعدتهم في سبر أغوار الاحتكاك والتلاقي والنقاش وبالتالي مواصلة النمو الفكري الذي هو الحلقة الأهم في تشكيل السلسلة الحضارية والإنسانية في التاريخ البشري، ومن خلال مثل هذه الأبواب الفكرية والثقافية التي تتفق مع قيمنا والروح الإنسانية يمكن أن نجني أضواءً أدبية أكثر فائدة ووعيا تعتمد على البصيرة، ونطرد الفكر السائد لدى الأمة العربية بأن أدبنا العربي يشكو اليتم، وأنه لا يجد بوادر صادقة ترعاه وتضعه، حيث ينبغي أن يوضع، أو توجهه في لباقة وكياسة إلى الجادة القويمة.

اقرأ أيضا

الشعر النبطي.. خزّان الحياة البدوية