الاتحاد

ثقافة

محمد حمدان بن جرش متحدثاً عن صمود الثقافة: نحن في عصر سائل وجارف!

الثقافة في الإمارات لا تميل إلى التطرف القومي أو الفكري، إنما هي

الثقافة في الإمارات لا تميل إلى التطرف القومي أو الفكري، إنما هي

عبير زيتون

إذا كان من غير الممكن الحديث عن مستقبل الثقافة في عصر متغير بسرعة، وعن معرفة مدى قدرتها على أن تكون جزءاً من الرهان في مواجهة تحديات المستقبل، فإنه من غير الممكن لأي ثقافة، أن تكون قادرة على القيام بدورها، ما لم تكن الأجيال الجديدة منخرطة، بشكل أو بآخر في الثقافة، ومتفاعلة مع قضاياها، ولتحقيق ذلك لا بد من تفعيل دور المثقفين الحاملين لخطاب الثقافة المحلي في انفتاحه وتجدده مع الفكر الإنساني الشامل عالمياً، والذي هو جوهر الخطاب الثقافي الإماراتي اليوم. ويؤكد الكاتب والباحث د. محمد حمدان بن جرش، دكتوراه في علوم التنمية الثقافية من تونس، أمين عام اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، مدير عام سابق للمدينة الجامعية بالشارقة: «نحن في عصر سائل معولم، وجارف بكل تطوراته المتسارعة العابرة للحدود، وأمام طوفان من الاستهلاك الهائل، والسريع، والذي يجعل من صمود الثقافة، مشكوكاً فيه، إذا لم تدخل الأجيال الجديدة في حساباتنا الاستراتيجية، وفي عملية التنمية الثقافية الشاملة، وإذا لم نحسن ردم الفجوة أو الهوة بين الفعل الثقافي، وأفراد المجتمع، وتحسين نظرته لمفهوم، ودور الثقافة، والمثقفين».

تتساءل «الاتحاد الثقافي» في حوارها، مع د. بن جرش «حول الثقافة في عالم متغير اليوم؟ من ينشئ الآخر» هل الثقافة تنشئ التكنولوجيا أم التكنولوجيا تنشئ الثقافة؟ وهل هذه التبدلات في المعارف والأنساق والقيم، تحتم علينا، إعادة صياغة مفهوم جديد للثقافة والمثقف؟ وهي تشكلنا على ضوء تطوراتها المتسارعة، والضاربة في عمق حياتنا الإنسانية، فكرياً وسلوكياً؟ وماهو مدى خطورة الاستسلام لتدفقاتها في توجهها المعولم الاستهلاكي، على قيم الخطاب الثقافي الإنساني.... فكان الحوار التالي.

* بداية...هل لنا أن نتساءل.. ماهي علاقة «التنمية» «بالثقافة»؟ وماهو المقصود بـ«التنمية الثقافية»؟

** الثقافة والتنمية مفهومان، تطور كلّ منهما بمعزل عن الآخر، لكن حاجتنا اليوم في عالم متغير، تكمن في الخروج من ثنائيتهما بتركيب جديد يعكس التكامل بينهما، ويحقق ما يعرف بمفهوم التنمية الثقافية.
فاليوم مفهوم «التنمية الثقافية» أصبح أوسع نطاقاً، وأكثر تعقيداً من مفهوم النمو، وهدفه العمل على تنمية البنى التحتية للمجتمع الذي سيكون المتلقي/‏ المستهلك الأساسي لمنتجات المؤسسة، ومن هنا يبرز الدور المهم للمؤسسة على صعيد التنمية الثقافية للمجتمع، والذي لا تنحصر نتائجه في إطار الثقافة فحسب، بل يتعداها حسب الخطط الاستراتيجية، ليؤثر في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإذا كان هدف التنمية تحسين مستوى حياة الفرد والمجتمع ونوعيتها، فمن الضروري أن تلامس الجانب الخلاّق من حياته، وهو الجانب الثقافي، وهو ما يجعلنا ندرك التأكيد الذي تبديه المؤتمرات العالمية للأمم المتحدة والمؤتمرات العربية لوزراء الثقافة والشؤون الثقافية حول التنمية البشرية على أهمية التنمية، والذي يتجاوز المفهوم الضيق للنمو.

* في عالم متغير اليوم، هل ترى أن «معنى الثقافة» في زمن التكنولوجيا قد تغير مما يفرض علينا (إعادة صياغة تعريف جديد لمفهوم الثقافة) ولدور المثقف، مع تبدل أدواره في عصر وسائل التواصل الاجتماعية؟
** مع ثورة الاتصالات والتكنولوجيا التي أنتجها الإنسان، أصبح تأثير (المجتمعات الافتراضية عبر شبكات الإنترنت) أقوى تأثيراً في المجتمعات من تأثير(المجتمعات التقليدية) وعلى القيم الثقافية، ولذا أصبح من الضروري، تأهيل الإنسان ليصبح قادراً على التكيف الملائم، والتحديات لمختلف الوضعيات، والمستجدات التي تفرزها التكنولوجيا في عصر المعرفة، وعدم الوقوع في فخ الفجوة الرقمية والمعرفية. فالقدرات التي كان يُعتقد أنها وقف على العقل، أصبحت ممكنة التحقق في هذه المرحلة بوساطة الآلات التكنولوجية، والمجتمع عالي المعرفة له من السلبيات أكثر مما به من الإيجابيات، لدرجة أن العقل يصبح خاضعاً للآلات، والتكنولوجيا عبداً لها، غير قادر على ممارسة التفكير بمنأى عن سطوتها. ويمكن القول في هذه الحالة إنه يمارس عطالة معرفية، أو كسلاً فكرياً، ومن هذا المنطلق يتأكد طرح سؤال الثقافة بمفهومها الشامل ليضم أوجهها المختلفة من جوانب المعرفة والعلم والتكنولوجيا، فإذا استمر تدفق التكنولوجيا من دون خطة مبرمجة من قبل المؤسسات، ما هو مستقبل الإنسان؟ مما يجعلنا نطرح السؤال المحوري ومفاده: هل هناك توازن وتناسب بين التراكم الثقافي، ومستوى القراءة والاستهلاك؟ لتتواتر من صلبه تساؤلات ملحة أهمها: ما الذي يعيق الكاتب المبدع عن العمل والإنتاج؟ وهل يحمل في ثنايا تجربته مشروعاً ثقافياً وفكرياً للارتقاء والنهوض بالثقافة المحلية؟ وما مدى قدرة إنتاجه وقابليته للتجدّد والتجديد؟ هذه الأسئلة نحتاج التصدي لها اليوم أكثر من أي زمن.

ثقافات متجددة
* اليوم ومع تحالف التكنولوجيا والاقتصاد؟ برأيك من ينشئ الآخر؟ هل (التكنولوجيا تنشئ الثقافة أم العكس)؟ وخطورة ذلك على مفهوم حرية الإبداع الفكري والإنساني عموماً؟
** ترتبط الثقافة ارتباطاً وثيقاً بتقدم هذه الوسائل التكنولوجية، ولا يمكن أن تُعزى هذه التطورات والتغييرات إلى ثورة المعلومات فحسب، ما لم ترتبط بحركة حياة الإنسان الفردية أولاً والمجتمعية ثانياً، والبحث عن أسبابها في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والسياسية والفنية التي يمر بها المجتمع، فالتطور سمة أساسية للثقافات المتجددة والحية، كحال الثقافة في الإمارات التي تطورت نتيجة التفاعل بين الثقافة الوافدة، والثقافة المحلية ذات الصبغة التقليدية.
أما المعرفة التي تشكلت نتيجة ثورة المعلومات والاتصالات، وجراء التغيير الذي أصاب ذهنيات المثقفين، فقد تجمعت في نظم جديدة لإيجاد ثورة في البنى الثقافية، فمن امتلك المعلومات، والمعرفة، فرض نفسه على العالم بوساطة تقنيات بعض خصائص الذهن الإنساني، كما يحدث الآن في أميركا مثلاً، حيث تغيّرت النظم الثقافية، وابتكرت أشكالاً جديدة من وسائل الاتصالات لترويج صناعتها، وثقافتها.

** تعقيباً على ردكم السابق، ومن وجهة نظر مفهوم التنمية الثقافية، كيف نرصد دور المشاريع الثقافية المنجزة في الإمارات، في رسم طبيعة الخطاب الثقافي المراد؟ وتحديد جوهر السؤال الثقافي فيه؟
* طرحت الثقافة الإماراتية في راهنها، أسئلة محورية تتصل بمستقبل الثقافة، وأفقها المنظور، اعتماداً على ما راكمته من منجز إبداعي على مرّ عقود حافلة بالبناء والتميّز. ويحيلنا استقراء الواقع الثقافي المحلي إلى عينات، ونماذج من تلك الأسئلة التي تلامس عمق الثقافة، وتستشرف مستقبلها ضمن رؤية واضحة، وسياسة متكاملة، تسعى إلى التوفيق والموازنة بين الأهداف، والوسائل، والأدوات المتاحة، من أجل استيعاب الكم الثقافي المنجز، وتكوين جيل قادر على قراءته، واستيعاب مضمونه، والتفاعل مع خطابه، بما ينسجم مع الخطة العامة للنهوض الثقافي التي تتبناها مؤسسات الدولة الثقافية. ويمكن الاطمئنان إلى أن الثقافة في الإمارات هي ثقافة لا تميل إلى التطرف القومي، أو الفكري والإيديولوجي أو الفني، إنما هي ثقافة إنسانية منفتحة على المحيطين العربي والعالمي من دون التخلي عن المحيط المحلي، وهو ما تنصّ عليه الرؤية الثقافية العامة لدولة الإمارات العربية المتحدة. ولكن رغم حركية النشاط، وحضور الاجتهاد في الفعل الثقافي، فإن مستوى تطور البنية الأساسية، وطموح المؤسسات الناظمة للفعل الثقافي يبدو متفوقاً على النشاط الفعلي المؤسس لتلك البنى والمؤسسات. ويساهم في هذه الوضعية في بعض الأحيان، عدم قدرة المثقفين على توظيف نشاطاتهم، وملاءمتها، مع ما هو متاح لهم من تشريعات معقودة وتمويلات مرصودة للنشاط الثقافي.

الإدارة الثقافية
* غياب النقد الثقافي، كما ذكرت في أدبيات التنمية الثقافية؟ كيف تصف خطورته، وأهمية حضوره؟
** قدم العديد من المبدعين الإماراتيين الأوائل، على اختلاف مشاربهم الثقافية، ورؤاهم الإبداعية، أعمالهم الإبداعية التي تماثل قيمةً، ومضموناً ما قدمه نظراؤهم العرب، وهي إبداعات تعبّر بوضوح عن الشخصية الثقافية الإماراتية، التي تستمد وهجها، وألقها من تراث الآباء، والأجداد الذي يعبّر بجلاء عن أصالة البلاد، وعمق تراثها بشقيه المادي والروحي، لكن منجزهم على أهميته يواجه، أو يفتقر إلى القراءة القويمة، والنقد البنّاء الذي يكشف أهمية مقارباتهم، ومواطن إيجابياتها، ومكامن الخلل أو النقص التي تعتريها. ومن هنا تظهر الأهمية القصوى لعلم «الإدارة الثقافية».

* كيف تنظر إلى مستقبل الثقافة والتنمية الثقافية في الإمارات؟
**الإمارات تضم إلى جانب هويتها الوطنية العربية الإسلامية، عشرات الثقافات التي يجب البحث عن تأثيرها في مستقبل الثقافة، وصناعتها وتسويقها محلياً وعربياً وعالمياً، خاصة مع طغيان العولمة بأفكارها ومنتجاتها المختلفة، وقدرتها على التقريب بين الثقافات، وجعل مستقبل الثقافة نفسه مسألة عالمية. وحتى يتحقق المستقبل، يكفي التساؤل عن كيفية الوصول إلى اللحظة الحاضرة، بغض النظر عن تقييمها، قطعاً ليس من فراغ، ليظل الماضي بما فيه من خزان لا ينضب، يضخ المستقبل بمخزونه الفكري والمعرفي والفلسفي والحضاري، وإذا كان الماضي هو الذاكرة، فهل يمكن تأسيس مستقبل بلا ذاكرة، بمعنى أدق، تأسيس ثقافة بلا ذاكرة؟ فصناعة المستقبل تتأسس على دعامات أساسية، وهذا المستقبل موجود في تجدد الثقافة نفسها، وفي من ينتج هذه الثقافة، ومن يرعاها ويحميها، ومن يروّجها ويسوّقها. من هنا ربما يجب إعداد بعض البرامج العملية للتنمية الثقافية لتنشيط الحياة الثقافية في القرى والأماكن البعيدة عن المدينة، واستثمار الوسائل التي تمنحها التكنولوجيا الحديثة، بهدف التعريف بالتراث المحلي، وتنظيم دورات تدريبية لتأهيل الشباب في مجال نشاطهم ذوي المواهب. وضع منهجية في سياسة دعم الإنتاج الثقافي والإبداعي والفني وذلك لتنفيذ مشاريعهم الثقافية باحترافية (الفنانون، والمبدعون، والكتاب).. تنويع الأنشطة، والخدمات الثقافية تبعاً للتنوع الثقافي الذي يميز المجتمع، وحسب الحاجات الخاصة لبعض الفئات العمرية. الثقافة الإماراتية على ما هي عليه من طموح، وما تشهده من حركية باتجاه الخارج والداخل، وما تعرفه من تحفيزات بحاجة إلى مزيد من البحث عن الإشعاع الداخلي، والتركيز على المثقف المحلي والإماراتي، بعد أن قطعت شوطاً لا بأس به باتجاه الخارج، والتوسع والانتشار في الدوائر الداخلية للإمارات.

استراتيجيات التنشئة
** كيف تنظرون إلى دور التنشئة الثقافية المجتمعية، وأهمية تطوير المعطى الثقافي فيه؟
** «التنشئة الثقافية» المجتمعية، عملية تكاملية، ومهمة جماعية، تحتاج إلى برامج حقيقية، ورؤى وخطوات عملية. ولتطوير هذه المسألة لزاماً علينا في البداية أن نطرح عدة تساؤلات جوهرية في هذا السياق، ومنها: هل يمكن التعويل على المجهودات المبذولة في إطار الأسرة؟ وهل تعي كل الأسر الدور المهم للثقافة في تكوين أبنائها؟ وهل هناك خطط تستهدف الأسرة كبنية اجتماعية؟ وهل هناك أنشطة كافية لجعل الأسرة تنخرط في العملية الثقافية؟ وهل توجد دراسات حول بنية الأسرة اليوم، ومدى أهمية الثقافة لديها؟ فهذه الأسئلة، وغيرها ضرورية من أجل وعي عمق الأزمة المرتبطة بمستقبل المسألة الثقافية، كإحدى المسائل الرئيسة في تحديد مستقبلنا.

اقرأ أيضا

عبدالرحمن الحميري: أفتش عن ظلالي في القصيدة