الاتحاد

ثقافة

علي راشد النعيمي: الدولة الوطنية سبيل العرب إلى النهوض

جانب من الندوة (من المصدر)

جانب من الندوة (من المصدر)

عبير زيتون (دبي)

أنا لست فيلسوفاً، أو مفكراً، أو عبقرياً. أنا مثلكم مواطن إماراتي، بسيط وصادق مع نفسه ومع مجتمعه، ويشغله سؤال الحاضر المعجون بالخوف والقلق على عالمنا العربي والإسلامي، الذي وقع ضحية تخبط فكري، وتصور وهمي، حول حقيقة من نكون، وما ينبغي علينا أن نكون، والأهم أي مستقبل نريده لعالمنا العربي والإسلامي، ولأبنائنا وبناتنا، وللأجيال القادمة من بعدنا، يحميها ويحصنها من فخ الأفكار الهدامة، والمؤدلجة، من قبل جماعات عابرة للحدود، توظف تصدير الدين واستيراده من أجل تحقيق أهدافها في الوصاية على الفكر والعقول، والإرادات باسم الإسلام، ولم أجد بعد خبرة تعليمية طويلة، وتجربة علمية وفكرية بكل تنوعاتها، حلاً إنقاذياً، وبديلاً لما نعيشه اليوم سوى ترسيخ مفهوم «الدولة الوطنية» بمعنى جديد، وغير مسبوق، يقوم على ركائز دولة المواطنة، وحكم القانون، والديمقراطية. دولة تضمن تحرر العقل المعاصر من هيمنة الوصاية المؤدلجة، وتحقق النهوض والتعايش السلمي والانفتاح الحضاري.
بهذه العفوية الرشيقة، لخَّص الدكتور علي راشد النعيمي رئيس المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، دوافع مغامرته الفكرية الجديدة، مع مؤلفه الثاني «الدولة الوطنية.. صناعة النهوض» خلال احتفال خاص أقامته دار كتّاب للنشر والتوزيع، مساء أمس الأول، في مقرها في دبي، وسط حضور لافت في نوعيته من الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين، مع حضور العنصر الشبابي الذي بدا لافتاً في فضول سؤاله الاستفهامي، وعطشه المعرفي المنفتح على السؤال، والمشاركة في التعبير عن آرائه، في جو تفاعلي غلب عليه التواضع، والبساطة، والعفوية في تبادل الآراء ووجهات النظر.
كان للدكتور عبدالخالق عبدالله الدور في إثارة جدلية السؤال عن نقاط القوة والجدل، التي يثيرها الكتاب الجديد، واصفا إياه بـ«الحجر الدامي» الذي حرَّك ساكن الفكر فينا، وفي واقعنا، الذي يحتاج لهكذا طروحات فكرية، تتصدى بشجاعة الحجة، وقوة المنطق، وحكمة التجربة، لقضايا فكرية معاصرة وإشكالية وجدلية في ذات الوقت، وتحتاج لمن يملك الجرأة للاشتباك معها تحليلاً وتفكيكاً، كما في مسألة «قدسية الماضي والتراث»، وجدلية ثوابت التاريخ على وجه خاص.
أما لماذا نحتاج اليوم لتكريس مفهوم «الدولة الوطنية»، وما هي مرتكزاتها البنائية؟ وكيف لها أن تجيب عن تساؤلات حائرة مثل، من (أنا) والـ(نحن) والـ(هُمْ) وما دور (الأنا) داخل الـ(نحن) المسيطرة، دون انغلاق وتعصب يحدّان من مفهوم الهوية في صيرورة تطورها، ونموها، وانفتاحها على الآخر؟ وأيضاً ما هي الاشتغالات الواجبة، لبناء مثل هذا المفهوم الحديث لـ«الهوية الوطنية»؟
ويؤكد الدكتور علي راشد النعيمي في كتاب «الدولة الوطنية.. صناعة النهوض» أن «ما نعيشه اليوم من صراع في الأفكار، في لحظة تاريخية فارقة، في وجودنا الحضاري، يحتم علينا العمل على تحرير العقل العربي، والإسلامي المعاصر من هيمنة سجن التاريخ، وقدسية التراث، وجدليات الثوابت والمتغيرات والخلط بينهما.. والاشتباك مع هذه الإشكالات بفكر علمي تحليلي وتأويلي، يعزز الفكر العربي والإسلامي في قيمه الأصيلة، ومبادئه الغنية بقيم الانفتاح الحضاري والتفاعل الإنساني. إلى جانب الضرورة الحتمية لمواجهة التحديات الحقيقية التي تواجه النظم العربية مع التعليم الحديث، لتمكين المجتمع والدولة من الدخول إلى المستقبل، بقوة وعزم وجدارة تستند إلى ثلاثية: المهارة الفكرية، والابتكار، والقيمة الإنسانية».
ويضيف: «نحتاج إلى ثورة تعليمية حقيقية في جميع المجالات تحقق نقلة نوعية في النظم التعليمية، وتمكن المجتمعات والدول من كسر حلقة التخلف والركود والانطلاق بقوة وجدارة نحو المستقبل».
ورداً على تساؤل طرحه د. عبدالخالق عبدالله، حول ما يقال عن علاقة الدولة الوطنية بالاستبداد؟ ومدى قدرة هذه الصورة المثالية للدولة الوطنية كما جاءت في الكتاب، على تحقيق ما عجزت عنه كل الطروحات الفكرية العربية والإسلامية سابقاً؟
أجاب الدكتور علي راشد النعيمي: «الدولة الوطنية الحديثة ليست ترفاً فكرياً، أو استمراراً للاستبداد، كما قد يرى البعض، بل هي اليوم خيار وجودي، وحاجة ملحة، لتجاوز الكثير من أزمات المنطقة العربية، في تقسيماتها القومية، والطائفية، والدينية، وغيرها من النماذج التي هيمنت على العقل العربي، لأنها دولة القانون، ودولة الدستور التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق، والواجبات، وتعلي من قيم الولاء، والانتماء للدولة وللدستور، وهي دولة منفتحة، ومؤمنة بقيم الديمقراطية، والتسامح، والتعايش مع كل مكونات الشعوب، ترى في الاعتدال هوية، وفي الانتماء للعروبة والإسلام امتداداً للانتماء للإنسانية جمعاء. دولة تقود دفة مسيرتنا في زمن الاضطراب نحو التنوير والحداثة المنسجمة مع قيمنا الروحية، وحاجاتنا الإنسانية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من مسيرة الحضارة الكونية».

التعدد ضمانة المستقبل
توقف الدكتور علي راشد النعيمي في حديثه عند عوامل القوة والتميز في التجربة الإماراتية، واحتضانها لأكثر من 200 جنسية مختلفة في طبيعتها العرقية والإثنية، في جو من الانفتاح والاحترام والتسامح، مؤكداً أن «المجتمع المتعدد الأعراق هو ضمانة المستقبل، في خلق مناخ مجتمعي إيجابي تحكمه قيم المواطَنة والقانون»

 

 

اقرأ أيضا

باريس يستعيد عوالم «تولوز»