الاتحاد

ثقافة

طريق الحرير.. الحجازية

قاطرة من قطار الحجاز محفوظة في محطة المدينة

قاطرة من قطار الحجاز محفوظة في محطة المدينة

أحمد فرحات

تعود فكرة إنشاء خطّ سكة حديد الحجاز - المدينة المنورة إلى العام 1864، حينما تقدم بها إلى الباب العالي في الآستانة مهندس أميركي شهير يدعى د. زيمبل، وبعد دراستها بأتمّ فصولها الفنية والاقتصادية من الجهات الرسمية العثمانية، جرى تجاهلها بالكامل، والسبب تكلفتها المادية الضخمة (حوالي 5 ملايين و700 ألف ليرة عثمانية) وخصوصاً بالنسبة إلى إمبراطورية تعاني أصلاً من ديون واضطرابات اقتصادية لا رادّ لتدهورها.
كان دافع د. زيمبل وراء عرض ذلك المشروع، استثمارياً ربحياً بالدرجة الأولى؛ وفيه كان يمثل شركة أميركية- بريطانية أخذت على عاتقها البدء الفوري في تنفيذ خطة المشروع في حال موافقة قيادة السلطنة عليها.
وما إن أطلّ العام 1900 حتى ظهر الدخان الأبيض، مؤذناً بتنفيذ مشروع سكة حديد الحجاز الضخم والحيوي في ذلك الزمان، وأعلن السلطان عبدالحميد الثاني بنفسه عملية البدء بتنفيذها، ولاسيما أن العقل المدبر لها هذه المرة كان عثمانياً قحّاً، ويدعى أحمد عزت باشا العابد، كبير مستشاريه في هذا الملف، ومعه مهندسون وجيولوجيون عثمانيون وأجانب، من بينهم المهندس الألماني «مايسنر» الذي منحه السلطان العثماني لقب «باشا»، وتقدموا جميعاً بميزانية مالية تقل أرقامها بنسبة كبيرة عن أرقام تلك الميزانية التي كان قدمها من قبل المهندس زيمبل وشركاه (حوالي 385 ألف ليرة عثمانية).

من محطة حيدر باشا
في السابع والعشرين من شهر أغسطس سنة 1908 كانت أول رحلة على خط سكة حديد الحجاز، منطلقة من محطة «حيدر باشا» في إسطنبول ميمّمة شطر المدينة المنورة، عبر محطات دمشق ودرعا ونابلس والزرقاء وعمان وحيفا ومعان وتبوك ومدائن صالح. وكان يلازم سكة الحديد تلك، أعمدة خطوط التلغراف الخاصة بالبرقيات، والتي كانت بمثابة إنترنت ذلك الزمن. وقد قدرت مسافة رحلة القطار المذكورة (لاحقاً طبعاً) بثلاثة أيام في حال عدم التوقف، وبخمسة أيام في حال توقف القطار في استراحات دمشق ومعان ومدائن صالح.
ومن المهمات المركزية لخط سكة حديد الحجاز أيضاً، كان قيام ذلكم الربط الحيوي بسكة حديد الأناضول وسكة حديد بغداد. ومن هنا تكون استراتيجية السلطان عبدالحميد الثاني المتعلقة بشبك مناطق الإمبراطورية بعضها ببعض أمنياً، قد بدأت بالتحقق على الأرض، وخصوصاً لجهة حمايتها من أي عدوان خارجي، فضلاً عن الحيلولة دون تفكك هذه المناطق وسيادة الفوضى فيها؛ فسرعة انتقال القوات العسكرية الخاصة بالسلطنة، عبر شبكة القطارات إلى حيث تصحيح مواقع الخلل الأمني، تسهم في حماية عموم البلاد وتماسكها دفاعياً؛ كما تسهم في تنشيط الحركة التجارية وتبادل السلع وتحقيق الازدهار الاقتصادي الذي كانت الإمبراطورية العثمانية بأمس الحاجة إليه وقتها.
طبعاً، إن قيام خط سكة حديد الحجاز، كان له دواعيه الدينية القوية أيضاً، فهو وسيلة النقل الجديدة الأكثر سرعة لنقل الحجيج إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، والتي من شأنها أن تختصر مسافة ستين يوماً على ضيوف الرحمن الآتين، مثلاً من إسطنبول، بثلاثة أيام أو خمسة. كما أنها تحمي أولئك الحجيج من غزوات اللصوص وقطّاع الطرق الناشطين على ضفاف الرحلات البرية، وتخفف عنهم الإصابة بأمراض السفر الطويل وفقدان العلاجات السريعة المناسبة.
وخلال أعمال التصميم، قام المهندس التركي «مختار بيه»، مهندس المشروع الأساسي باختيار المسار الخاص بالقطار، من خلال مسح الطريق، وقد اكتشف أن أنسب طريق له هو تتبع خط قوافل الإبل القديمة، أي طريق الحج من الشام، مع إجراء بعض التعديلات البسيطة لأن مسار خط الحج ينطلق من مدينة دمشق، ويعبر سهل حوران، ويمر بعدد من المناطق جنوب سوريا وصولاً إلى مدينة درعا، ثم إلى الأردن، حيث يمر بمدن المفرق والزرقاء وعمان ومعان على التوالي، ويكمل سيره جنوباً إلى أن يدخل أراضي الحجاز، حيث ينتهي في المدينة المنورة. ولم تكن وسائل صناعة النقل في ذلك الوقت ميسرة كما هو الحال الآن، ولذا فقد واجهت عملية بناء هذا الخط صعوبات جمة، أولها اختيار منطقة مقاومة للكثبان الرملية المحركة، وفي النهاية، وقع الاختيار على منطقة بطن الغول الواقعة في الأردن، لامتلائها بالرواسب الطحالية وشتى أنواع الأحجار، ما يسهل من عملية إقامة سدود مانعة قوية من الأحجار والطين، وبناء منحنى حجري ضيق يوازي الخط الحديدي، ويعمل على التخلص من تراكم الرمال على الخط.
وفي حين كان التحدي الثاني هو نقص المياه، تم التغلب عليه عن طريق حفر آبار وإدارتها عبر مضخات نجارية أو طواحين هواء. ولأن السكة الحديدية كانت تمر على مناطق مرتفعة وأخرى منخفضة، فقد أنشئ نحو 2000 جسر من الحجر المنحوت، وبنيت محطات الحراسة للتزود بالماء والمؤن والفحم، كما وزعت المحطات على مسافات قدرها 20 كيلومتراً لاستيعاب التجمعات المدنية القاطنة في مناطق معزولة وموحشة. وقد بلغت أطوال الخطوط نحو 1464 كيلومتراً زادت بعد إنشاء خطوط فرعية امتدت بين بيروت ودمشق وحمص وحيفا والقدس. ولعب خط سكة حديد الحجاز دوراً مثيراً بعينه، بخلاف نقل الحجاج، ذلك أنه مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، بدأ الجيش التركي في استخدام قطار الحجاز لأغراض عسكرية، ولاحقاً حين اندلعت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين، أمير مكة، ضد العثمانيين عام 1916، اعتبرت سكة حديد الحجاز هدفاً عسكرياً، لأنه ينقل الجنود والعتاد أثناء الحرب. وأدى الصراع إلى قطع ذلك الطريق الحديدي، حيث أرسلت بريطانيا في العام 1917، المدعو توماس إدوارد لورنس، الشهير بـ«لورنس العرب»، ليبدأ عملية التخريب على الأرض. ومع توقيع هدنة مودروس بين العثمانيين من جهة، والبريطانيين والفرنسيين والإيطاليين من جهة أخرى، بتاريخ 30 أكتوبر عام 1918، فقدت الدولة العثمانية سيطرتها على معظم الأراضي التي يمرّ بها خط سكة حديد الحجاز. ثم قامت القوات البريطانية بعد سقوط الجبهة السورية بقصف الخط، حتى خرّبت بنيته وأجهزت عليه، وقام رجلهم «لورنس العرب» بإعطاء قطعة من الذهب لكل من يأتيه بقضيب حديد منه.
واليوم لم يتبق من قطار الحجاز إلا بضع عربات بخارية معطلة في محطة السكة الحديد الرئيسية في عمان، ملونة بالعمق وبجانبها متحف مكون من غرفة واحدة، به بقايا وحطام ما كان ذات يوم خط سكة حديد مشهوراً، مثل تذاكر سفر قديمة وصور فوتوغرافية، فوانيس، وإحدى العربات التي تم ترميمها بأسلوب جميل في بدايات القرن العشرين، بكراسيها المخملية المكسوة بقماش القطيفة، ومصابيحها الذهبية.

بين الجزيرة والهند
تجدر الإشارة إلى أن الإمبراطورية العثمانية، ومن خلال إنجازها سكة حديد الحجاز، وغيرها من خطوط سكك حديد داخلية، تمكنت من ربط البلاد الشاسعة، طولاً وعرضاً، بشبكة قطارات، ساهمت في تنمية القطاعات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية أيضاً، ذلك أن القطار يوصل بسرعة الكتاب والصحيفة من مركز صناعتهما إلى مختلف أنحاء الدولة، البعيدة منها والقريبة. كما أن تجربة قيام سكة حديد الحجاز أنعشت آمال المسلمين خارج أراضي الإمبراطورية العثمانية، خصوصاً في الهند، فتحمسوا لها، ودعوا لدعمها مادياً، ومدها بالطاقات البشرية في مجال الهندسة والعلوم الأخرى ذات الصلة، وذلك بهدف أن تمتد خطوط سكة الحديد هذه لتصل إلى بومباي، وما بعدها. والحقيقة أن هذا الأمر يعتبر بمثابة طريق حرير آخر، إسلامية الطابع. وحول هذا الموضوع يقول المؤرخ محمد كرد علي، إن سلطات الهند تقدمت باقتراح إلى الباب العالي العثماني يقضي ببناء خط سكة حديد يربط الجزيرة العربية بشبه القارة الهندية، فتقبل السلطان عبدالحميد الثاني هذا المقترح، ودعا الجهات الاستشارية المختصة عنده لدراسته، والتعاون العلمي والاقتصادي بشأنه، وإنفاذه في الوقت المناسب، إقليمياً ودولياً. لكن مع الأسف لم يترجم هذا «المقترح الاتصالاتي» الحضاري الكبير، لا على الأرض، ولا حتى في الحلم نفسه، ولدواعٍ محض استعمارية انتهت بتقسيم الامبراطورية عبر اتفاقية سايكس- بيكو. ثم زاد الطين بلّة أن تجربة سكة حديد الحجاز نفسها، بدأت تتهاوى شيئاً فشيئاً للدواعي الاستعمارية نفسها، وبالتالي لم تستمر هذه التجربة التنموية الحيّة سوى تسع سنوات فقط.

«جدي ياسين والقطار»
استوحى الشاعر التركي بهجت نجاتي غيل (1916-1979) صوراً استيهامية وانطباعية أخّاذة من أجواء ذلك القطار الحميم، الذي استقله جده ياسين إلى المدينة المنورة في طريقة لأداء فريضة الحج. وفي أثناء عودة الحاج ياسين من الأراضي المقدسة، لاحظ الشاعر نجاتي أن جده كان في منتهى الراحة الإيمانية، وأنه مات بعد ذلك سعيداً للغاية، لأن الله أكرمه بالحج إلى مكة والعودة منها على متن «قطار الحجاز العظيم».في ما يلي قصيدة الشاعر نجاتي غيل في جده، وفيما نتّجته رحلته إلى مكة على متن سكة حديد الحجاز. عنوان القصيدة «جدي ياسين والقطار»، وهي تنشر للمرة الأولى بالعربية مترجمة عن الإنجليزية:
«جدي ياسين اختار أن يكون من ضيوف الرحمن/‏‏‏ استقلّ بحماسة خفِرة قطار الحجاز العظيم/‏‏‏ شعر بطهرانية القداسة تهلّ عليه/‏‏‏ قبل أوانها/‏‏‏ وعندما بدأ القطار يشق أجواء الصحراء/‏‏‏ ازداد إحساس جدّي بالطهرانيّة والخشوع/‏‏‏ فَتَحت له الصحراء عوالم أثيرة/‏‏‏ عوالم بأشكال وأنباضٍ أخرى/‏‏‏ جعلته شفيفاً جداً/‏‏‏ شفيفاً مثل أشعة النهار في عز الظهيرة..‏
يا إلهي، صار جدي كائناً آخر/‏‏‏ صار يعرف كل ما كان لا يعرفه من قبل/‏‏‏ وفي الليل كانت النجوم والأقمار تلوّح له/‏‏‏ تفرح لفرحه المجهول والمعلوم/‏‏‏ لأنه يقترب من بيت الله الحرام/‏‏‏ وللسبب نفسه نراها تتجول فوقه الآن/‏‏‏ هذي النجوم والأقمار/‏‏‏ ولكن من دون أن يراها/‏‏‏ هي التي تراه فقط/‏‏‏ وبعيون يحدوها الهيام/‏‏‏ جدي ياسين صار كتلة أرواح في روح واحدة/‏‏‏ صار مجموعة أضداد جميلة تتحابّ الآن/‏‏‏ وفي كل أوان/‏‏‏ قلت له، لم أقل له، إذا جاز الكلام/‏‏‏ أجابني: لا تلمني يا بنيّ/‏‏‏ ضاع منّي ملعبي/‏‏‏ فتنكّبت ما ليس فيّ الآن/‏‏‏ ولا أدري ما الذي يملؤني/‏‏‏ ويزيد فيّ من فرح الامتلاء..‏
صار جدي كتلة صور تركض خلفها صور/‏‏‏ تماماً كما يرى الناظر من القطار/‏‏‏ هجمة الأشياء المتعاكسة وهي تندلق عليه/‏‏‏ جدي ارتحل إلى مكة في سكة الحجاز/‏‏‏ وعاد منها على متن السكة نفسها/‏‏‏ بكامل الراحة الإيمانية/‏‏‏ بكامل المجد الإيماني الحي/‏‏‏ سعيداً للغاية مات جدي/‏‏‏ فالله أكرمه برحلته الوحيدة/‏‏‏ جدي ياسين استحال قطاراً روحياً غير مرئي الآن/‏‏‏ لا تهرب منه أحوال الدنيا/‏‏‏ ولا أواخرها أيضاً/‏‏‏ جدي ياسين/‏‏‏ آه، لو كان لي القدرة على التقاط هنيهاته/‏‏‏ وأنا صغير/‏‏‏ آه، لو كنت إلى جانبه في قطار الحجاز العظيم».
.................................................
ترجمة: أ. ف.

اقرأ أيضا

«الشارقة للكتاب» تعزز علاقاتها مع إيطاليا