الاتحاد

ثقافة

إبراهيم سالم لـ «الاتحاد الثقافي»: نحن مسؤولون

إبراهيم سالم

إبراهيم سالم

هل يُمكن أن يكون هناك «تفكير» جديد بالمسرحيين في الإمارات؟ والمقصود بـ«التفكير» هنا، الانتقال بالممارسة المسرحية من خشبة المسرح التي أتمت سنوات طويلة من التشكل والتطور، بدعم راسخ من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، إلى التفاعل المجتمعي المباشر واليومي، ضمن رؤية مجتمعية ومؤسساتية في القطاعين العام والخاص، يدعمه اهتمام رصين من قبل كتّاب الرأي، والمساهمين في توجيه الرأي العام، فالمسرح بطبيعته التكوينية مرتبط بشكل أساسي بتنامي علاقة المجتمع بالفن.

وعلى سبيل المثال، يحظى «الفن التشكيلي» في الإمارات، بموجة من التكثيف البرامجي للأنشطة والفعاليات المعرفية والتعليمية دون توقف، وأكثر ما يدعم انتشارها هو اهتمام المجتمع نفسه بـ«الحوارات والنقاشات» المفتوحة للفنانين، ما يجعل الفن التشكيلي، يتجاوز اللوحة إلى كونه مُشكّلاً لطريقة «التفكير». بالمقابل، فإن المسرحيين نادراً ما يحضرون النقاشات العامة والملتقيات الأدبية والفنية المفتوحة، ولا يمكن تلمّس فعلي لحركتهم داخل الاهتمامات اليومية في حياة الناس، عدا أنهم يناقشون العروض المسرحية في بيئة احترافية مهنية، لا تضم غير «الممارسين المسرحيين»، والمختصين في مجالات «التنظير المسرحي». والتساؤل: كيف نُساهم كمجتمع في إثراء المنتج الحضاري للمسرح الإماراتي، إلى مرحلة يكون فيها المسرحيون مساهمين في إضفاء تجربتهم الفكرية والفلسفية والفنية مثل المبدعين في مجالات الشعر والرواية والتشكيل والموسيقى وعالم البحوث العلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية في مفاصل رئيسية تشكل الوعي العام؟! حوار «الاتحاد الثقافي» مع المسرحي الإماراتي إبراهيم سالم، لم يكن الهدف منه، أن نطلع فقط على آخر تطورات تجربته الفنية، خاصةً بعد حصوله على جائزة «أفضل إخراج» في النسخة الأخيرة من «أيام الشارقة المسرحية» لعام 2019، عن مسرحية «الساعة الرابعة» للمؤلف طلال محمود، والتي سبقتها جوائز عديدة، ولكن نود بشكل جدي السؤال حول الأدوار المفصلية في إدراك أن «المسرح»، يعكس قيمة جوهرية لتشكلات المعنى والفكر، ومدى مساهماته في إيصال هذه التجربة لبيئات مختلفة. فبالعودة إلى مكونات مجتمع الإمارات، فإنه يتسم بالتعددية الثقافية، ما يتيح انفتاحاً لمسارات المسرح، حول طبيعة القضايا المطروحة، ولكن كيف يمكن اكتشاف ذلك، دونما أن يَتعرف الجمهور باختلاف توجهاته، على الرؤى البصرية المختلفة للمخرج محمد العامري، أو يتواصل مع مفهوم الكوميديا للمخرج حسن رجب، أو يستوعب الشاعرية لمبدع مسرحية «باب البراحة» المخرج ناجي الحاي، أو الواقعية الساحرة للمخرج أحمد الأنصاري، وصولاً إلى نكهة المغامرة الشبابية للمخرج مروان عبدالله صالح، وغيرهم كثيرون، الذين أنجزوا مرحلة من الفهم العميق لمرتكزات إنتاج الحالة الإنسانية في المسرح، على اختلاف المدارس التي يتبنونها.
وهنا نص الحوار مع إبراهيم سالم، الذي جرى بمكتبه في وزارة الثقافة وتنمية المعرفة في إمارة عجمان:

اكتشاف
* من بين كل تلك التساؤلات، أعلاه، نسأل عن آليات تشكل «الهوية» لدى المسرحي إبراهيم سالم، لأنها تقدم نظرة للجزء، الذي يمكنه أن يوضح الكل المقصود به: (الحياة داخل المسرح الإماراتي)، على ما تعبر فلسفة نظرية «المعايشة الصادقة» للمخرج الروسي قسطنطين ستانيسلافسكي، أي استخدام الممثل للعقل الواعي والعقل الباطن، للوصول إلى الهدف الأسمى من العرض المسرحي، ومنه فإن الممثل نتاج تلك القوى الداخلية والخارجية.. فكيف ينظر إبراهيم سالم إلى مفهوم «الهوية»؟
** سأكون صريحاً بعض الشيء، في توضيح هذا الأمر، في كل مرة أعيد قراءة تشكلات الهوية، أتذكر جيداً فترة دراستي في المعهد العالي للفنون المسرحية، بالثمانينيات، بدولة الكويت، وكيف تكوّن الوعي لديّ من خلال أغاني مارسيل خليفة، وقصائد محمود درويش، وسميح القاسم، ومظفر النواب، ونشاطي في اتحاد الطلبة، إلى أن سمعت دوي انفجار حدث أمامي، بينما كنت عائدا من المعهد، وانتبهت بأن الخطر الفعلي يكمن فينا نحن العرب، وطبيعة ممارستنا بين بعضنا وليست من قوى خارجية، كما كنّا نتوهم دائماً، وربما من هنّا اعتبرت نفسي من «جيل الهزيمة»، نعم أنه وصف ثقيل، لما له من أبعاد شخصية على حياة المرء وطريقة رؤيته للأمور. وفي الجانب الآخر، عايشت الهوية المسرحية تحديات رئيسية تمثلت في صراعات المسرحيين، إبان عودتهم بعد الدراسة لإثبات إمكانياتهم، والتي أخذت وقتاً كبير، للوصول إلى مستوى يجاري مفهوم «النجم» التلفزيوني، ومواجهات مباشرة مع مسؤولين، لا يؤمنون بقدرات الإماراتي في أن يقدم عرضاً مسرحياً. ومنذُ تلك الفترة وحتى الوصول إلى التمكن التام، لنا أن نتخيّل كيف سيكون المسرح لولا دعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، لنصل مجدداً إلى إشكاليات أخرى، لا أزال أعاني منها بعد أكثر من 30 سنة، من عطائي المسرحي، وهي مسألة «التفرغ»، ما الذي أفعله هنا في المكتب، عملياً لا شيء، مكاني هناك على خشبة المسرح!

خطأ
* ينشغل المسرحيون بالورش المسرحية، طوال فترة الصيف، تبدأ بعدها التحضيرات لأيام الشارقة المسرحية، والمهرجانات السنوية، وسؤال «التفرغ» تحديداً، يتحول مع المسرحيين إلى جدل دائم، فهل هي مُعضلة جعلت من إبراهيم سالم يراجع حساباته حول اختياره أن يكون موظفاً حكومياً؟!
** لو رجعت بي الأيام، سأفكر تفكيراً مختلفاً، لن استسلم لمسألة الوظيفة الحكومية، التي كانت واحدة من أخطائي، بل سأصنع من نفسي وعلاقاتي، متسعا أكبر من الأعمال المسرحية، لكني أعترف بأني لستُ إنساناً مغامراً. إلا أن التجربة الوظيفية بحد ذاتها، شكّلت شعوري بمسؤولية من يختار العمل في مجال المسرح، دون الاعتماد على العمل والدعم الحكومي طوال الوقت، وأن يتحول اختيار المسرح إلى مسؤولية نتحملها نحن المسرحيين للبحث عن طريقة تجعل من المسرح صناعة ثقافية، تعتمد على مفهوم «الاستقلالية».
عملياً، اكتشفت الأمر، متأخراً، وأعترف بذلك. ولكن يجب الجزم بدور «أيام الشارقة المسرحية» و»الموسم المسرحي»، الذي لا يمكن تجاوزه أو الاستغناء عنه، فالمطلع على المتغيرات الثقافية المسرحية عربياً وعالمياً، يقر بأهمية المهرجانات المسرحية في الإمارات، والدعم المباشر لها، كإحدى الأشكال التعبيرية الحضارية للمجتمعات، ونحن محظوظون بقيادة دولة الإمارات لإتاحة تلك الفضاءات، بالمقابل، نحن نتحمل مسؤولية عدم بحثنا على مسارات جديدة تكفل مسألة الإنتاج المسرحي، المبني على الاستقلالية، كما أشرتُ مسبقاً، والتي تكفل محور استدامة المسرح، وهو فن رئيسي متعلق بـ»التسويق»، فإحدى الأخطاء الشائعة في الإدارة المسرحية، أن يتكفل فنان بإدارة المسرح، وبصراحة تامة نحن نحتاج إلى مدير تسويق ذكي، يستوعب السوق، ويفهم كيف يؤسس شبكة من الرعاة السنويين، ويصنع التوليفة الصعبة بين الفن والمال. فالأسواق الإماراتية، تعتبر من أكثر القطاعات نمواً وازدهاراً، وعدم مقدرتنا على استثمار ذلك بشكل احترافي، هو نقطة ضعف رئيسية لإحداث ديمومة في إنتاج المسرح الإماراتي.

حالة
* يُقال إن سر نجاح أعمال روبير لوباج، هو أنه مهما كانت خلفية المتفرجين لأعماله، يجدونها نموذجاً لجزئيات متعددة من هوياتهم. ويمكن استيعاب ذلك عند النظر للمسرح على أنه مجموعة من الهويات القادرة على إنشاء هوية مشتركة ما، في سياق الخطاب الاجتماعي، أو ما يمكن تسميته بـ التداخل الثقافي، في هذا المحور بالتحديد، كيف تصف فعل تشكيل التفرد في اللحظة المسرحية، عبر الهوية المحلية للعالم أجمع؟!
** الإجابة هنا تعتمد على سؤال: ما الذي نريد أن نشكله، هل هي ظاهرة مسرحية أم حركة مسرحية؟!»، لكل مسرحي فينا حالة متفردة بالتأكيد، حتى في لحظات الالتقاء، (نموذجاً) لمسألة الإصرار الدائم على الهوية الإماراتية، هناك مخرج يتجه للتاريخ، وآخر يفضل الولوج نحو المستقبل، ولأننا نتحدث عن بلد مفتوح، يعيش بيننا أُناس من مختلف الجنسيات والخلفيات الثقافية، فهم يعنوني كإبراهيم في المسرح، والاختلاف في رؤيتنا كمسرحيين لفعل التفرد ضروري وصحي ومنه تنشأ «التجربة» المرتبطة بمفهوم الـ «الحركة» المسرحية، التي تنطلق منّا إلى العالم.

صدق
* الاحتياج الرئيسي للمناقشات والحوارات العامة مع المسرحيين في الإمارات، تكشف لنا لذة المسرح، التي تراها المنظّرة المسرحية والباحثة جوزيت فيرال، بأنها تنبع من الحدود غير المدركة لخشبة المسرح، من هذا الشيء الزائد والفائض، والذي يقودنا للسؤال عن أبعاد تلك الحدود، ومدى قدرة الممثل على استشعارها عبر مراقبة تجلياتها وإيصالها للجمهور؟!
** إن موضوع التمثيل المسرحي مرتبط بـ «الصدق»، بمعنى أن الممثل لحظتها لن يكون في دور المراقب لتلك الحدود، ولكن سيعيش تماماً حالة الشخصية، وهذا يكفي لإنجاح أي عرض، بالمناسبة أعترف بمسألة افتقادي للعناصر الإخراجية، إلا التمثيل، فهو الركيزة الأساسية بالنسبة لي، وأكاد أجزم أن الصدق يتولد من فكرة أن الممثل لا يمكنه تقديم شخصية معينة إلا وهي موجودة في ذاكرته، بشكل ما، وتطويرها نحو خطوط ومسارات مختلفة يتطلب دائماً أن يتواضع الممثل للمعرفة، فكل شيء من حوله هو مصدر إلهام، لأداء شخصية مسرحية، إلى جانب ما نطلق عليه بالتجربة الشعورية للشخصية، وأتذكر في إحدى النقاشات حول الفنون الأدائية، سأل ممثل شاب حول كيفية تقمصه لشخصية قاتل، وهو لم يقتل من قبل، وأجابه المختص بأنه ربما جرب قتل ذبابة أزعجته في يوم ما، فهل يستطيع استجلاب هذا الشعور مجدداً ويطوعه بذكاء ليتمدد عبره نحو التعبير الجسدي.
وهو ما يشبه أن يستشعر الممثل بإحساس المنديل وهو يحترق، ويدرك معنى أن يكون كرسي في مكتبة، وهو ما يقودنا إلى عملية توريط الشخصيات في الفعل المسرحي، والمسألة أنه ليس مهماً أحياناً أن يكون الشخص ممثلاً جيداً، ولكن أن يكون لديه القدرة على تقديم شخصية يندمج معها بالشكل الصحيح. وعطفاً على حديثنا استذكر مسرحية «عطيل»، وتقديمي لشخصية رجل، توهم تعرضه للخيانة من زوجته، جلست وقتها أفكر طوال الوقت كيف سأجسد اللفتة الأولى للزوج بتجاه زوجته بعد اعتقاده بأنها خانته، بالطبع لن تكون مثل اللفتات الاعتيادية اليومية، مفسراً كيف أنه تعلمها من إيماءة رأس الدجاجة.

صدمة
* إبراهيم سالم حول امتدادات الشعور في المسرح وارتباطه بمفهوم «الصدمة» وجماليتها في العمل المسرحي، هل يمكن التأكيد على أهمية المسرح في النقاشات العامة، باعتباره مُشكلا رئيسيا لتجربة الوعي الإنساني عبر عقود طويلة، في أن يطرح المسرح نفسه كممارسة علاجية، تُثري الواقع الثقافي المحلي برؤى جديدة، وتحقق مواجهة ذاتية حقيقية؟!
** إيقاع «الصدمة» في العمل المسرحي، يختلف على حسب مستويات وعي المتلقي، على سبيل المثال، في مسرحية «زهرة ومهرة»، للمخرج أحمد الأنصاري، قدمت فيها شخصية مزدوجة رجل يتقمص شكل امرأة أرملة، تسعى للحصول على بيت شعبي. والمفارقة فيها، عند تلك اللحظة التي كُشفت فيها الشخصية بأنها رجل، لتكون ردة فعلها هو أن تضحك الشخصية على نفسها بدل أن تبكي، فكرت كثيراً بأن استسهل الأمر وأبكي، إلا أنه فعل الضحك أكد فعل الصدمة، إذا شئتِ تسميتها بتأثير وتحريك بواطن العقل اللاوعي، لدى الممثل نفسه والجمهور، ولأنها تثير حالة من اليقظة الحادة على الوضع ككل، بإمكانها أن تقدم ترفيها ذهنيا، يحقق مواجهة مع الذات والواقع.

تغيّر الكينونة
يُعرّف المسرحي إبراهيم سالم التمثيل بأنه هو بالفعل التغيّر من كينونة إلى كينونة أخرى، ويمكن النظر إلى أن المسرح يقدم نفسه، كقدرة بديعة في أن يشارك الجمهور بكل فئاته، التطورات البديعة لهذا التغير، والذي نتوصل من خلاله على أن «الشخصية» في حياة البشر هي معجزة بحد ذاتها، في أنها تحررنا من الكثرة، لتأتي الفنون ومن بينها المسرح ليشعرنا بحالة الانتفاء من التفرد تلك، وصولنا بالذوبان في الكل، عبر العبور الساحر بين الكينونات.

اقرأ أيضا

«الخرطوم للشعر العربي» ينطلق الخميس المقبل