الاتحاد

الاقتصادي

أزمة التجارة تخيم على آفاق النمو العالمي

أزمة التجارة تخيم على آفاق النمو العالمي

أزمة التجارة تخيم على آفاق النمو العالمي

تتخذ أوساط الأعمال موقف الحذر في تحريك استثماراتها برغم توصل الولايات المتحدة والصين إلى ما يشبه الهدنة في حربهما التجارية، فإلى أي حد سيتأثر نمو الاقتصاد العالمي بهذا الوضع المعقد؟.
وكان المفاوضون الأميركيون قد أعلنوا عن إرجاء فرض حزمة رسوم جمركية جديدة على الواردات الصينية، ولكنهم لم يحسموا أمرهم فيما يتعلق برسوم أخرى على سلع بقيمة حوالي 360 مليار دولار من المقرر دخولها حيز التنفيذ في ديسمبر المقبل. ولم تتضح بنود الاتفاق بين واشنطن وبكين بشأن شراء الصين ما قيمته 50 مليار دولار من المنتجات الزراعية الأميركية، وعلاوة على هذا، بقيت بعض القضايا الخلافية الأخرى عالقة، ومنها مدى احترام الصين لحقوق الملكية الفكرية، وصور الدعم التي توفرها للشركات المملوكة للدولة.
وبالتزامن مع هذا، فتحت واشنطن جبهات جديدة في الحرب التجارية التي تشنها في العالم حاليا، ومن أبرزها اعتزامها معاقبة شركات الطيران، وشركات إنتاج المشروبات الروحية، والأجبان، والعِدد اليدوية، الأوروبية بفرض رسوم جمركية عليها، اعتباراً من الشهر الجاري. ولن يقتصر الأمر على هذه السلة فحسب، بل سيتعداها إلى السيارات الأوروبية، اعتباراً من نوفمبر المقبل.
وعلق جاري شابيرو رئيس رابطة التكنولوجيا الاستهلاكية على هذا المشهد بقوله: «نتقدم خطوة إلى الأمام، ونرجع خطوتين إلى الوراء. ويعني هذا النهج أن معاناة أنشطة المال والأعمال الأميركية ستستمر في مجالي الرسوم، وسلسلة الموردين». وتضم هذه الرابطة مجموعة من أبرز الأسماء في قطاع صناعة أجهزة التلفزيون والحاسبات.
ويوضح شابيرو أن الشركات الأميركية تنتعش عادة عندما تخصص وقتها ومواردها من أجل الابتكار والمنافسة على الساحة الدولية، لا من أجل متابعة أحدث التغريدات المتعلقة بالسياسة التجارية على موقع تويتر!.
ولعقود خلت، دأب خبراء الاقتصاد على الإشارة إلى أن أنشطة الأعمال تواجه ضبابية المشهد غالبا عن طريق الحد من استثماراتها وفرص التوظيف التي توفرها. وتظهر البيانات الإحصائية المتاحة لفترة الأشهر الأخيرة أن هذه النظرية باتت واقعاً ملموساً.

أرقام مزعجة
تخطت فرص التشغيل الجديدة في نوفمبر من العام الماضي مستوى 7.6 مليون وظيفة. وفي أغسطس الماضي انخفض هذا الرقم بنسبة 7.5%. وتراجعت طلبات الشراء على السلع المعمرة ومنها الشاحنات، والآلات الصناعية، بنسبة 4% خلال الفترة من سبتمبر 2018 حتى أغسطس من العام الحالي. وبعد ارتفاع صادرات السلع والخدمات الأميركية إلى أعلى مستوياتها في مايو 2018، تقلصت بنسبة 2.6% في أغسطس من العام الحالي.
وبشكل عام، أمسكت الشركات الأميركية يدها عن التوسع في الأعمال إلى حين اتضاح المشهد فيما يتعلق بالرسوم الجمركية، ومدى تأثيرها على تكلفة الإنتاج وهامش الربح. ومن الملاحظ أن هذه الشركات توسعت في بناء سلاسل من الموردين في أنحاء العالم طيلة 25 عاماً الماضية تقريباً.
ونتيجة لهذا الوضع، حقق الاقتصاد الأميركي نمواً بمعدل 2% على أساس سنوي خلال الأشهر التسعة الأولى المنتهية في يونيو الماضي، مقابل 3% خلال فترة الأشهر التسعة السابقة عليها. وتوقع استطلاع رأي بين خبراء اقتصاديين أجرته صحيفة وول ستريت جورنال في وقت سابق هذا الشهر، توقع نمواً اقتصادياً، بمعدل يقل عن 2% خلال فترة 12 شهرا المقبلة، أي حتى موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في العام المقبل.

أبرز المتضررين
تتأثر الشركات الأصغر حجماً بحالة افتقاد الرؤية السياسية الواضحة بدرجة أكبر من الشركات الكبرى. ويرجع هذا إلى توافر موارد أفضل للشركات الكبرى، ما يؤهلها للتعامل مع الحالة السائدة. وخلصت الدراسة إلى نتيجة مؤداها: «الأثر بعيد المدى لحالة الضبابية السياسية يبدو أكبر من الأثر المناظر على الأجل المنظور».
أما إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فترى أن «حالة الريبة» المزعجة هذه ما هي إلا مقابل ضروري يتعين دفعه لإصلاح العلاقات التجارية مع الصين. وكان ترامب قد غرد قبل أيام بأنه بدأ في تحقيق مكاسب في هذه الحرب. وجاء في التغريدة: «إن الاتفاق الذي توصلنا إليه مع الصين هو الأكبر حتى الآن في تاريخ بلادنا والأفضل بالنسبة لمزارعينا الوطنيين العظام».
وفي المقابل، تعاني الشركات الأميركية الصغيرة آثار هذه الحرب وتلك الحالة. ويقول مالك شركة لتجارة مستلزمات الولائم والحفلات، إن الشركة تبيع قرابة 13 ألف صنف إلى التجار، وأنه اعتاد التفاوض مع الموردين في الصين في سبتمبر من كل عام، وفي الشهر التالي يتفق الطرفان على الأسعار. وفي نوفمبر، يتلقى العملاء قوائم الأسعار للنظر فيها. وبحلول يناير، تبدأ شركته في تنظيم معارض لمنتجاتها وقد طبعت على العينات أسعارها النهائية لشركات التجزئة. ونتيجة لحرب الرسوم الجمركية بين الصين والولايات المتحدة، توقفت هذه الترتيبات فأضرت بمصالح الموردين الصينيين والزبائن الأميركيين. وتوظف هذه الشركة حوالي مائة عامل أميركي يعملون في مجال التسويق والبيع والمستودعات. وتعمل الشركة كنشاط عائلي منذ عام 1982 وتحقق إيرادات تتراوح بين 20 و30 مليون دولار سنوياً.
وبرغم قرار إدارة ترمب بتأجيل فرض رسوم جمركية نسبتها 30% على باقة من الواردات الصينية بقيمة 250 مليار دولار حتى ديسمبر المقبل، فإن شركة صغيرة كهذه لن تتمكن من ضبط حساباتها واستعادة عملائها بالسرعة الكافية قبل سريان الرسوم، وفضلاً عن هذا، قررت الشركة صرف النظر عن خططها للتوسع في الأعمال والبدء في بيع منتجاتها إلى محال البقالة الأميركية، بل والتصدير إلى أوروبا. بمعنى آخر: تبخرت فرص استثمارية جديدة وواعدة.

الحالة البريطانية.. مثال
يرى ستيفن ديفيس أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاجو، أن ثمة أدلة كثيرة متعددة المصدر على أن حالة الريبة السائدة في أوساط الأعمال تعوق مدى الرؤية أمام الاستثمار، كما تتسبب في إبطاء معدلات التشغيل. ويتخصص ديفيس في دراسة آثار ضبابية السياسة العامة على النشاط الاقتصادي. ولإيضاح وجهة نظره، يعقد ديفيس مقارنة بين الحالتين الأميركية والبريطانية. ويقول إن اللغط الدائر حول انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تسبب في تراكم عوامل الخمول الاقتصادي شهرا وراء آخر نتيجة لعدم اتضاح السياسة التجارية للبلاد على الأجل المنظور.
وكانت استثمارات الأعمال في بريطانيا قد ارتفعت، بمعدل 1.1% لكل ثلاثة أشهر خلال فترة العام السابق على الاستفتاء الشعبي الذي جرى في يونيو 2016 بشأن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وتراجع هذا المعدل إلى 0.8% لكل فصل ربع سنوي في العام التالي على هذا التاريخ. وانكمش المعدل ذاته إلى 0.3% فقط للفصول الإحصائية الأربعة التالية. وفي الربع الثالث من العام الجاري، انخفض المعدل إلى 0.8%.
وأعد فريق من الخبراء الاقتصاديين من بينهم ستيفن ديفيس نفسه ما يشبه التقويم الزمني لحالة الريبة السياسية، استناداً إلى التقارير الصحفية المنشورة. ويتعقب هذا التقويم معدلات الإشارة لهذه الحالة وآثارها. وفي سبتمبر الماضي خلص الفريق إلى أن مستوى هذه الحالة يكاد يكون ضعف ما كانت عليه خلال الفترة من 1985 إلى 2009 في الأغلب الأعم.
كما أجرى فريق آخر مسحاً لنحو 9,000 شركة في العالم، استناداً إلى نصوص مناقشات المستثمرين بشأن أنشطتهم لرصد أثر عدم وضوح السياسة الاقتصادية عليها والمخاطر التجارية التي يستشعرونها نتيجة لهذا. وأظهر هذا الاستطلاع ارتفاع المخاوف بين المديرين التنفيذيين للشركات بنسبة 60% اعتبارا من 2018. وارتفعت النسبة بين مديري الشركات الأميركية إلى 43%.

بقلم: جون هيلسنراث وجوش زومبرون

اقرأ أيضا

محمد بن راشد: دبي ملتقى رجال المال والأعمال