الاتحاد

عربي ودولي

«نبع الدم».. أطماع أردوغان وهوس الإمبراطورية

وائل بدران (أبوظبي)

على مدار أكثر من عقد من الزمن، أخضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بلا رادع، شعبه لسلوكياته الجامحة والقاسية والمستبدة، وحاول فعل الشيء ذاته على الساحة العالمية بعدوانه على شمال شرق سوريا، وتوقع من بقية دول العالم أن تخضع له. لكن ذلك لم يحدث، بل نبذ العالم جملة واحدة النظام في أنقرة.
واضطر الرئيس التركي في نهاية المطاف إلى الإذعان والتراجع عن موقفه تحت وطأة التهديدات السياسية والدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية ووقف صادرات الأسلحة الأوروبية إلى أنقرة، بعد أكثر من أسبوع من القصف التركي المتواصل شرق الفرات.
بالطبع، لم تمض العملية العسكرية التركية كما كان يخطط أردوغان. ومثلما أشار الخبراء والمحللون، كان الرئيس التركي يريد توسيع «إمبراطوريته» واحتلال جزء من الأراضي السورية، وفرض أمر واقع في المنطقة تحت ذريعة محاربة الإرهاب.
وبات الرئيس التركي الآن في مأزق مع اضطراره إلى «وقف» العدوان، بعد أن وجه له الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسالة كتب فيها: «لا تكن أحمق»، فهو الآن لن يستطيع إعلان الانتصار، لا سياسياً ولا عسكرياً، أمام الرأي العام التركي، بينما تحقق وكالات أممية في الوقت الراهن في استخدام قوات أردوغان أسلحة كيماوية وارتكاب جرائم حرب، مع ارتفاع فاتورة الخسائر بين المدنيين الأكراد.
وخلال الساعات التالية لإعلان الاتفاق بدا الرئيس التركي حريصاً على تحسين صورته الداخلية وأيضاً التأكيد على عدم التخلي عن أحلامه بإعادة الامبراطورية، واستعداده لإعادة القتال بنهاية الـ120 ساعة، بحلول يوم الثلاثاء، إذا وقع أي انتهاك للهدنة من جانب الأكراد أو لم يتموا انسحابهم. ودعا ذلك الدول الأوروبية إلى التشكيك في أهداف أردوغان والتأكيد على ضرورة الإبقاء على العقوبات المفروضة على تركيا والتلويح بمزيد من العقوبات.

فخ ومستنقع
لم يكن الغزو سهلاً كما توقع أردوغان، بل بدا فخاً نُصب لاستدراجه وإغراقه في مستنقع يصعب الخروج منه في ظل أوهامه التوسعية، وهو الذي يريد تلميع صورته المنهكة في الداخل التركي، استعداداً للانتخابات المقبلة، وتعويض هزيمته النكراء في الانتخابات الماضية.
وبعد أن أدى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من شمال شرق البلاد، قبل نحو أسبوعين، إلى تغيير جذري في موازين القوى في المنطقة، وأفسح المجال أمام المغامرة المتهورة من نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الطامح إلى استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، استعاد ترامب زمام المبادرة مجدداً. فطالب أردوغان بـ«وقف فوري لإطلاق النار»، وبدأ بفرض عقوبات. ومارس ضغوطاً متواصلة على النظام التركي، لينتزع منه أخيراً وقفاً «هشّا» لإطلاق النار.
ويبدو المستفيد حتى الآن، هو الحكومة السورية، ومعها روسيا، إذ تمكنت إثر العدوان التركي من دخول مناطق لم تدخلها منذ سنوات، عندما دعا الأكراد الحكومة السورية للدفع بقواتها والتقدم من الجنوب ومن الغرب في مواجهة القوات التركية.
ولم تتوان كل من الحكومة السورية وروسيا عن السعي لملء الفراغ، الناجم عن انسحاب القوات الأميركية، على حساب قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، التي اضطرت إلى التخلي عن مناطق غنية بالنفط لمصلحة الحكومة السورية، لحمايتها من الإبادة على أيدي الأتراك.
وهذه المنطقة تشكل معظم الأراضي السورية التي أقام عليها تنظيم «داعش» الإرهابي «خلافته» المزعومة، قبل هزيمته على يد قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة، وشكّل الأكراد رأس حربة في هزيمته.
ويقبع في سجون موجودة بشمال شرق سوريا أكثر من 12 ألف سجين «داعشي»، منهم آلاف المقاتلين الأجانب، وأدى العدوان التركي إلى فرار مئات منهم، وسط تحذيرات من نهوض التنظيم مرة أخرى، واتهامات للنظام التركي بمساعدتهم على ذلك.
وجاءت الإدانات والعقوبات لسببين رئيسيين هما: المأساة الإنسانية التي سببها العدوان التركي على الأراضي السورية، إذ تم تهجير زهاء 300 ألف شخص حتى الآن، وتتوقع الأمم المتحدة ارتفاع العدد إلى الضعف؛ وخطر إنعاش تنظيم داعش الإرهابي من جديد.

أطماع توسعية
وأرجع خبراء ومحللون استراتيجيون في تصريحات لـ«الاتحاد» إقدام أردوغان على المغامرة في المقام الأول إلى المشاكل الاقتصادية والسياسية التي يواجهها في الداخل، ومحاولة إنقاذ شرعيته، بعد خسارة ثقة الناخبين، إلى جانب أطماعه التوسعية وأحلام استعادة أمجاد الدولة العثمانية.
واعتبر المحلل والخبير السياسي الأميركي ريان بول في تصريحات خاصة لـ«الاتحاد» أن أردوغان وحزبه واجهوا هزائم سياسية مؤخراً، وحاول استغلال القومية والعداء التاريخي في تركيا ضد الأكراد بهدف تحقيق انتصار سياسي، وسعى إلى الاستفادة من ذلك لإنقاذ شرعيته السياسية المتضائلة.
لكن بعد اضطرار الرئيس التركي إلى القبول بالضغوط الأميركية وتراجعه أمام العقوبات والتهديدات بتدمير اقتصاده، يبدو إنقاذ شعبيته المتداعية موضع شك.
وأوضح بول، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط لدى مؤسسة ستراتفور للأبحاث: «أن الرئيس التركي سيواجه مشاكله المحتومة»، لاسيما التراجع الاقتصادي وقلة فرص العمل، أضف إلى ذلك ملف حقوق الإنسان.
وتابع: «القدرة على حشد الشعب وراء شعارات القومية وتأثير الالتفاف حول العلم دائماً تكون ذات إطار زمني محدود، وعلى أردوغان مرة أخرى مواجهة المشكلات المحلية الحقيقية».
أما الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء شوقي الحفناوي، فيرى أن أردوغان لم يتجرأ على مغامرته الدموية إلا بسبب ضعف الدولة السورية، بسبب سنوات الحرب الأهلية والانقسام الداخلي.
وشدد الحفناوي على أن أهداف أردوغان توسعية في المقام الأول، لافتاً إلى أنه يرغب «في استعادة مجد الإمبراطورية العثمانية، ولا يزال حلم الإمبراطورية يرادوه، لذا ساق حججاً وذرائع من أجل المضي قدماً في مطامعه».
ولفت إلى أن أردوغان يواجه كثيراً من المشكلات الداخلية، مع تراجع الاقتصاد التركي، إلى جانب الخسائر السياسية المتوالية التي انتهت بفقدان بلدية إسطنبول في مارس الماضي، لمصلحة المعارضة التركية، وهو مؤشر على أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يواجه تراجعاً.
واعتبر الخبير العسكري في تصريح لـ«الاتحاد» أن أردوغان حاول استغلال العدوان على سوريا في محاولة لإشغال الرأي العام عن تدهور الأوضاع.
ودلّل الحفناوي على أن الهدف الحقيقي الذي يسعى إليه أردوغان هو الاحتلال، بالإشارة إلى وجود حلول بديلة لتخفيف ما تدعي أنقرة أنها مخاوف من «إرهاب» الأكراد.
وقال: «لو أراد أردوغان إنشاء منطقة آمنة حقيقةً عند حدود بلاده، لأنشأ سياجاً حدودياً داخل الحدود التركية مع سوريا، مثلما تفعل أميركا مع جارتها المكسيك لمنع تسلل المهاجرين ومهربي المخدرات». وتابع: إن أهداف أردوغان ليست إقامة «منطقة آمنة» وإنما احتلال جزء من الأراضي السورية.

عازلة أم آمنة
وفيما بدا إجماعاً، توقع المحللون عدم تمكن تركيا من إقامة ما يُسمى بـ«المنطقة الآمنة» بهدف توطين ما يصل إلى مليوني لاجئ تستضيفهم أنقرة.
فمن جانبه، استبعد بول إقامة ما يسمى بالمنطقة الآمنة، قائلاً: «لن تكون هناك منطقة آمنة كما يطمح أردوغان». وأرجع ذلك إلى استحالة امتدادها لتشمل المنطقة الحدودية بأكملها، كما أن المنطقة التي ستسيطر عليها القوات التركية، أيّاً كانت مساحتها، ستتعرض لهجمات من قوات سوريا الديمقراطية «قسد» والقوات الكردية، إضافة إلى الضغوط العسكرية من كل من الحكومة السورية والقوات الروسية وحتى الإيرانيين.
ونفى الحفناوي لـ«الاتحاد» أن يتمكن نظام أردوغان من إنشاء منطقة «آمنة»، متفقاً في ذلك مع بول، ومؤكداً أن أية منطقة ستشهد تمرداً من القوات الكردية والقوى الأخرى في المنطقة.
أما المحلل الاستراتيجي الأميركي، عمر لمراني، فيرى أن تمرّد قوات قسد سيعقد مساعي أنقرة لإنشاء منطقة آمنة فعلية للاجئين السوريين، مضيفاً: إن عناد أردوغان سيؤدي في نهاية المطاف إلى مزيد من ردود الأفعال الغاضبة من الأطراف كافة، لاسيما سوريا وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا.
واعتبر أن أنقرة لن تتمكن من حراسة تلك المنطقة الضخمة التي تسعى للسيطرة عليها بشكل كامل، ولن تستطيع قطع الروابط بين الأكراد وحزب العمال الكردستاني، وسيستمر تهريب الأسلحة والإمدادات على نطاق ما، وسيشكل ذلك الوضع استنزافاً طويل الأمد للجيش التركي ومصادره الأمنية، ولن يتمكن من معالجة «مخاوفه الأمنية».
وقال: «لن تستطيع تركيا استخدام المنطقة العازلة في حل المشكلات المرتبطة باللاجئين، فكثير منهم من غرب سوريا، وسيقاومون إعادة توطينهم في شمال شرق البلاد، وسيرفضون العودة إلى منطقة تفتقر إلى فرص العمل والسكن».

القسوة ضد اللاجئين
وفي حين لم يمنح أحد أنقرة سلطة إعادة توطين اللاجئين، وإحداث تغيير ديموغرافي في شمال شرق سوريا، بالقضاء على المكون الكردي في المنطقة، واستبداله بميليشيات موالية لها، إلا أن لمراني توقع نقل أنقرة بعض اللاجئين قسراً إلى المنطقة، لاسيما في ضوء العداء المتصاعد تجاه العرب بين الأتراك بسبب ضعف التراجع الاقتصادي وقلة فرص العمل، في وقت تحاول فيه الحكومة إظهار أنها لا تعطي الأولوية للاجئين الأجانب على حساب مواطنيها. لكن استخدام القسوة ضد اللاجئين سيأتي أيضاً بنتائج عكسية، بحسب لمراني.
وتابع: سيحاول النظام التركي اتباع الاستراتيجية ذاتها التي اتبعها في عفرين السورية عند احتلالها، بطرد السكان الذين يعتبرهم غير موالين واستبدالهم بغيرهم من الموالين.

دولة احتلال
وفكرة الغزو التركي لسوريا لم تكن جديدة، وإنما تسيطر على العقول السياسية التركية، وخاصة أردوغان الذي تراوده والتي ينظر خلالها إلى سوريا باعتبارها جزءا مقتطعا من الإمبراطورية العثمانية، التي سقطت في بداية القرن العشرين.
وفي بداية العام الماضي، احتلت القوات التركية مدينة «عفرين»، شمال غرب، في عملية أطلقت عليها اسم «غصن الزيتون»، وتذرعت أيضاً بالحجج ذاتها «منطقة آمنة» و«إعادة اللاجئين السوريين». لكن الحقيقة هي أن حصيلة الاجتياح التركي لعفرين نزوح أكثر من ربع مليون سوري، تزامن مع دخول ألوية عسكرية تركية بتسميات عثمانية، مثل لواء السلطان مراد ولواء السلطان شاه.
وسهّل دخولهم إلى «عفرين» هو «فيلق الشام» المحسوب على جماعة «الإخوان»، وهو نفس الفصيل الذي تعاون مع أنقرة في عدوانها على شمال شرق سوريا.
والعدوان على دول الجوار ليس شيئاً جديداً على تركيا، ففي عام 1974، عندما قلب متمردون الحكومة في الجزيرة القبرصية على أمل توحيدها مع اليونان، اتخذت الحكومة التركية خطوة فورية بنشر جيشها لمنع ذلك، ومن ثم أنشأت لاحقاً «دولة احتلال تركية» في شمال قبرص.
وليست هناك حادثة مشابهة في الوقت الراهن، ولا سبب للغزو العسكري التركي لشمال شرق سوريا.
بيد أن المحلل الأميركي بول يرى أن تركيا لن تتمكن من إنشاء دولة منشقة في شمال سوريا أو أي جزء منها، على غرار ما فعتله في قبرص الشمالية في ثمانينيات القرن الماضي، وإنما تسعى إلى إقامة منطقة عازلة من النفوذ والوكلاء.
وأرجع بول، من ستراتفور للأبحاث، ذلك إلى أنه على النقيض من قبرص الشمالية، ليس هناك سوى قليل من العرقية التركية يمكنها الاعتماد عليهم، فالمنطقة مليئة بالأكراد والعرب، الذين لا يتفقون مع تركيا.
وأضاف لـ«الاتحاد»: «إن اللاجئين الذين تأمل تركيا، في إرسالهم إلى المنطقة العازلة هم أيضاً من العرب، حتى وإن حصلوا على الجنسية التركية، ولا يتفقون هم أيضاً بالضرورة مع أنقرة»، مشككاً في أن يحتفظ هؤلاء اللاجئون بولائهم للنظام التركي.
وأكد أن أردوغان لن يتمكن من إعادة توطين عدد كبير من اللاجئين السوريين، حال نجاحه في إقامة منطقة عازلة على الحدود مع سوريا، فهي منطقة صغيرة، ولا توجد بها سبل اقتصادية ملائمة، كما أن المدن صغيرة بدرجة يصعب معها القيام بذلك.
وذكر أن ما ستسعى تركيا لتحقيقه هو الاعتماد على ميليشيات بالوكالة هناك للسيطرة على المنطقة.

مواجهة روسيا
وفي غضون ذلك، برز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بتدخله في الأزمة السورية منذ عام 2015، بمثابة مهندس التوازن السياسي والعسكري في الصراع السوري.
وربما أفسح العدوان التركي شرق الفرات المجال أمام جهود الرئيس بوتين لإعادة سيطرة الحكومة السورية على كامل التراب السوري، بعد نجاح القوات الروسية في تحويل دفة الصراع في سورية لصالح حكومة الأسد. ويرى المحللون أن أردوغان لن يجازف بالدخول في مواجهة مع روسيا.
وشدد ريان بول على أن الأتراك لا يستطيعون الدخول بحال من الأحوال في مواجهة عسكرية مع روسيا، لذا، فإن المكان الذي ستنتشر فيه القوات الروسية سيكون مفتاحاً لمعرفة المنطقة التي «سيُسمح لأردوغان بالسيطرة» عليها في نهاية المطاف.

تدهور اقتصادي
تراجعت الليرة، التي فقدت ثلاثين بالمئة من قيمتها العام الماضي، بأكثر من خمسة في المئة منذ بداية العدوان في تعاملات متقلبة، مع اقترابها لما يصل إلى 5.90 مقابل الدولار. وتدخلت البنوك الحكومية لبيع الدولارات وتخفيف الصدمة، لكن العقوبات الأميركية التي فرضتها واشنطن على بنك خلق التركي، وعلى ثلاثة وزراء ووزارتين، إلى جانب التهديدات الأميركية المتوالية بتدمير الاقتصاد التركي، تُنذر بكارثة اقتصادية تنتظر أنقرة.
وفي ضوء اعتماد تركيا على الاستثمارات الأجنبية، تحدد العملة الأسعار بشكل كبير، وهو ما يحدد بالتبعية السياسة النقدية. وقال مستثمرون إن أي تحرك لليرة فوق مستوى ست ليرات للدولار قد يشير لتوقعات بأن العقوبات ستكون مؤثرة على الأرجح.

كارثة الإرهاب الداعشي
كانت قوات «قسد» هي القوة الرئيسة على الأرض في الهجوم المدعوم من الولايات المتحدة الذي استعاد الأراضي السورية من «داعش» بما في ذلك مدينة الرقة في الشمال السوري، والتي كانت المعقل الأساسي للتنظيم. وكانت واشنطن تستعد قبل انسحابها لتدريب قوة تابعة لقوات «قسد» وتجهيزها لتحقيق الاستقرار في المنطقة وذلك لمنع عودة الإرهابيين. وتقول قوات سوريا الديمقراطية إن الهجوم التركي ساعد في تنشيط خلايا التنظيم. وعاد التنظيم ليعلن مجدداً مسؤوليته عن هجمات انتحارية وتفجيرات إرهابية بعد الغزو التركي.
ومنذ بدء القتال في الشهر الجاري، حدثت اضطرابات في السجون التي تحتجز فيها المقاتلين وفي مخيمات تحتجز فيها زوجات المقاتلين وأطفالهم.
ومع توجيه المدفعية التركية نيرانها إلى أهداف محددة، أكدت التقارير فرار مئات الدواعش من المخيمات المحتجزين فيها، لأن الأكراد الذين يحرسونها اضطروا أنفسهم إما إلى الفرار أو القتال ضد القوات التركية، وهو ما زاد من حجم الضغوط الأميركية والأوروبية على أردوغان لإعلان الاتفاق مع الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار.
وفي الوقت الذي اكتسبت فيه القوات الكردية سمعة دولية بهزيمة تنظيم «داعش»، اكتسب نظام أردوغان، على النقيض من ذلك، سمعة مساعدة تنظيم «داعش». ولا بد أن يدرك النظام التركي أن مواقفه الراهنة، حتى بعد إعلان الاتفاق مع الولايات المتحدة، لن تغير رأي العالم فيه، حسبما أكد المحللون لـ«الاتحاد».
ويقول لمراني: لم يقتصر التهديد الإرهابي بسبب العدوان التركي على منح قبلة الحياة لتنظيم «داعش» فحسب، وإنما لجماعات إرهابية أخرى مثل جماعة «حُرّاس الدين» التابعة لتنظيم القاعدة، والتي استفادت أيضاً من تحوّل تركيز قوات الجيش السوري عن محافظة إدلب إلى شمال شرق سوريا.

كيماوي أردوغان
ومن إعدام المدنيين بدم بارد إلى الإبادة الجماعية والقصف العشوائي، تنوّعت جرائم الحرب المتهمة بارتكابها قوات أردوغان، أضف إلى ذلك اتهامات باستخدام أسلحة كيمياوية بحق المدنيين، وهو ما يدفع المجتمع الدولي إلى الإبقاء على العقوبات على تركيا رغم ما أعلن عن اتفاق مع واشنطن. وأعلن مفتشو الأسلحة الكيميائية أنهم بصدد جمع معلومات حول اتهامات باستخدام قوات أردوغان لمادة الفسفور الأبيض بحق أطفال في سوريا في بداية الأسبوع الجاري. وقالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية صباح يوم الجمعة الماضي أنها على علم بالوضع وتجمع معلومات بشأن الاستخدام المحتمل للأسلحة الكيماوية. وأكد الهلال الأحمر الكردي أن 6 مرضى من بينهما مدنيين وعسكريين، كانوا في مستشفى بالحسكة وبدت عليهم آثار حروق بسبب «أسلحة مجهولة»، ويعملون على اكتشاف السلاح المستخدم.
غير أن خبيراً بريطانياً في الأسلحة الكيماوية رجح استخدام أسلحة كيمياوية بعدما فحص صوراً لطفل مصاب بحروق شديدة في أنحاء متفرقة من جسده، أرسلها له زميله من مستشفى ميداني في شمال شرق سوريا.

مجزرة وإبادة جماعية
واتُهمت المليشيات المتحالفة مع أنقرة بارتكاب مجازر بحق المدنيين في شمال وشرق سوريا وممارسة حرب إبادة عرقية.
وفي اليوم الرابع من العدوان التركي، قصف الجيش التركي قافلة مدنية تضامنية كانت متوجهة إلى مدينة رأس العين وتضم مدنيين وصحافيين للتعبير عن رفضهم العمليات العسكرية التركية في المنطقة. وكان من بين القتلى الـ11 الذين سقطوا في القصف صحفيان محليان وأجانب.
وتسبب الغزو في خسائر هائلة في الأرواح بين المدنيين وكارثة إنسانية، فسقط أكثر 500 مدني خلال تسعة أيام، مع تهجير زهاء 300 ألف شخص من منازلهم. وعلى الرغم من مزاعم أردوغان حول الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا، لكن إلى من ستؤول السيطرة على هذه الأراضي؟ وهل ستظل القوات التركية؟ لنا في عفرين وأخواتها أسوة حسنة!
ومثلما يشير المحلل الأميركي ريان بول، من يدفع الثمن باهظاً دائماً هم المدنيون المحاصرون بين النيران، فيخسرون حياتهم ومنازلهم في مواجهة العدوان التركي، ويتعين على السكان الذين يعيشون في المناطق الخاضعة للسيطرة الكردية، والتي تستعيدها حالياً سوريا، قبول العودة إلى أحضان الأسد. وبات النازحون السوريون يواجهون خيارات صعبة بعد الغزو التركي، فالحياة توقفت. وهرب كل الأطباء. وزادت شبكة المنافسات والتحالفات سريعة التغير في ساحة المعركة المتداخلة في شمال شرق سوريا. وأعاد الأسبوع الأخير رسم خريطة سوريا مرة أخرى بعد مرور أكثر من ثماني سنوات على نشوب الحرب الأهلية السورية.
ويعيش في المنطقة الشمالية الشرقية ذات التباينات العرقية ما يصل إلى مليونين، من بينهم أكراد وعرب وآشوريون وغيرهم، نزح عدد كبير منهم من مناطق أخرى في سوريا.
ومما يزيد القلق أن منظمة أطباء بلا حدود أعلنت أنها علقت معظم أنشطتها في المنطقة وأجلت كل العاملين الدوليين.

الحفاظ على الاستقرار
أعرب الدكتور «فلاديمير أورلوف» مؤسس ومدير مركز «بي آي آر» للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، والذي يتخذ من موسكو مقراً له، عن اعتقاده أنه لا بد من التراجع عن كل ما يفاقم الأوضاع المأساوية في سوريا.
وقال لـ«الاتحاد»، في تعليق على الغزو التركي لشمال شرق سوريا: «أعتقد أنه لا بد من إرساء السلام في هذا البلد المنكوب، وما يحدث الآن يفاقم من الصراع في المنطقة، وحتى إذا كان العمل العسكري الذي تقوم به تركيا تحت شعار محاربة الإرهاب، أو حتى إرساء الأمن، فلا بد من الحذر».
ودعا أورلوف، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، إلى العودة إلى الحوار، مشيراً إلى أنه قبل أعوام قليلة كنا متشككين بصورة عامة في إمكانية أن تنجو سوريا كدولة موحدة، لكن الآن هناك نظرة إيجابية، عازياً ذلك إلى «الجهود الروسية» وعملية التسوية التي تسعى إليها.
وأكد أنه لا ينبغي القضاء على عملية المصالحة، أو التشكيك فيها.
وعبّر عن ثقته في أن مواصلة روسيا للمسار الدبلوماسي مع القوى الفاعلة في المنطقة سيفضي في النهاية إلى نزع فتيل الأزمة، لكنه توقع في الوقت ذاته فترة صعبة قبل تحقيق ذلك. وأضاف: «لدينا قوة فعالة غير معتادة في المنطقة، وعلى الرغم من شخصية أردوغان المثيرة للجدل، لكن المهم بالنسبة لروسيا هو الحفاظ على الاستقرار داخل سوريا، فقد عانى الشعب السوري أشد المعاناة ولا نرغب في أن يحدث مزيد من التصعيد للأوضاع في سوريا».

اقرأ أيضا

دبلوماسي أميركي: ترامب ربط دعوة زيلينسكي بتحقيقات حول الديمقراطيين