الاتحاد

الإمارات

الجلسة الأولى من منتدى الاتحاد الـ14: وثيقة الأخوة الإنسانية.. نقلت تسامح الإمارات إلى العالمية

جمال سند السويدي وحمد الكعبي وراشد العريمي وإبراهيم العابد أثناء الجلسة الأولى

جمال سند السويدي وحمد الكعبي وراشد العريمي وإبراهيم العابد أثناء الجلسة الأولى

طه حسيب (أبوظبي)

عقدت صحيفة «الاتحاد» أمس المنتدى الرابع عشر، تحت عنوان «الأخوة الإنسانية.. رؤية الإمارات لعالم متسامح»، وحضر المنتدى الذي يشارك فيه 50 كاتباً وباحثاً ومفكراً عربياً، سعادة الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وكان المستشار محمد عبدالسلام، أمين عام اللجنة الدولية العليا لوثيقة الأخوة الإنسانية، ضيف شرف المنتدى الذي شارك فيه أيضاً الأب الدكتور رفعت بدر مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن.

وبعد السلام الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، استهل حمد الكعبي رئيس التحرير الفعاليات بكلمة رحب خلالها بضيوف المنتدى والذي يتوافق مع الذكرى الخمسين لتأسيس هذه الصحيفة العريقة التي كانت صدى لتجربة عميقة وشاملة، بدأت بالوحدة، واكتملت بالنهضة، وتستمر بالانفتاح والارتقاء.
وأبلغ الكعبي في كلمته، تحيات وسلام معالي الدكتور سلطان الجابر، رئيس مجلس إدارة «أبوظبي للإعلام»، الذي يُثمن عالياً الجهود المخلصة للكتاب في تبصير الرأي العام بالحقائقِ والتحليلات، انطلاقاً من قناعةِ معاليه بأهمية دعم الصحافة والارتقاء برسالة الإعلام الصادقة التي تتحلى بالمسؤولية الوطنية وروح المبادرة والتطوير، والتي تلتزم بمحتوى معرفي يواكب المستجدات العالمية. وأكد الكعبي أن التسامح عنوان جديد ومتجدد اختارته دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ عقود نهجاً حاكماً وبرنامج عمل، مشيراً إلى أن التسامح قيمة إنسانية لا تكتفي بذاتها، وإلا فإنها تبقى فكرة تنتمي إلى عالم المجردات. والتسامح، ليس ترفاً فكرياً، ولكنه حاجة إنسانية، وتمرين يومي للذهن والروح والسلوك.
والتسامح، بقدر ما هو اقتناع فردي، لكنه يبقى ناقصاً ومحصوراً إن لم يصبح اختياراً مجتمعياً. ويرى الكعبي أن الإمارات العربية المتحدة، تجربة استثنائية في مسألة التسامح، بقرار مسؤول وسيادي، انطوت على جانب معنوي وقاعدة تشريعية ومؤسساتية، عمادها «البرنامج الوطني للتسامح»، وإنشاء وزارة التسامح، وتأسيس مراكز بحثية لمكافحة التمييز والتطرف والإرهاب، وهو ما كان يشكل جوهر الفكر الإنساني للأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي كان ينظر لجميع المقيمين على أرض الدولة كمساهمين معه في البناء المعنوي والمادي لحاضرة إنسانية وعمرانية طموحة، وراغبة في نشر قيم السلام والتسامح والعدالة والمساواة.

تجربة صوب العالمية
وأكد الكعبي أن التجربة الإماراتية تجاوزت الإطار الوطني إلى حيز عالمي ودولي رحب، عبرت عنه زيارة بابا الكنيسة الكاثوليكية البابا فرنسيس إلى أبوظبي، وتوقيعه وثيقة «الأخوة الإنسانية» مع إمام الأزهر الشيخ أحمد الطيّب، التي أصبحت قاعدة مرجعية بإمكانها أن تحكم شكل العلاقات الدولية، وأن تحاكم الانحرافات الناتجة من سوء السريرة أو السلوك.
وطرح الكعبي في ورقته ثلاثة سياقات للتسامح، أولها أن التسامح يشكل درعاً حامياً للسلام والعدل في العالم. فمن دون هذه القيمة الإنسانية يصبح السلام مجرد إجراء أمني، وتتجرد العدالة من مظلتها الإنسانية. من دون التسامح في هذا السياق، تمتلك قوى الإرهاب والظلامية والعنصرية جرأة أكبر في الافتراء ونشر الخراب.
والسياق الثاني أن التسامح بات يشكل عنصراً ضرورياً لحماية الوحدات المجتمعية والكيانات الوطنية، القائمة على تعدد في العناصر والمكونات. والتسامح، هنا يكتسب معنى الهوية، حينما تتهدد الأخطار استقرار المجتمعات والدول.
والسياق الثالث، هو أن التسامح يكمل بالضرورة الآليات الديمقراطية داخل الدول، أو بين الدول. فمن دون الاستناد إلى هذا المفهوم، يسهل النيل من الديمقراطية أو تعطيل آلياتها.
وجدد ترحيبه بضيوف المنتدى، قائلاً: تلتقون تحت عنوان التسامح، في بلد التسامح، ومن أجل تعميق وتجذير فكرة التسامح، ومن هذا المبدأ نتطلع معكم إلى مستقبل تنتفي فيه موجات التعصب، وتشرق تحت سمائه نفحات الأخوة والحوار والتفاهم.
وشارك في تقديم فعاليات الافتتاح الإعلامي محمد الوهيبي، وعرض المنتدى مقطع فيديو عن عام التسامح في الإمارات، باعتباره ترجمة لسياسة الدولة القائمة منذ عقود.

 من اليسار: فيصل بن حريز ومحمد السماك ووحيد عبدالمجيد، وعائشة المري ورضوان السيد أثناء الجلسة الأولى (تصوير: عمران شاهد)
وخصص المنتدى الجلسة الأولى لمحور «الأخوة الإنسانية.. رؤية الإمارات لعالم متسامح»، أدار الجلسة الإعلامي فيصل بن حريز، مذكّراً بتفاعله مع أبواب جريدة الاتحاد من افتتاحية الصحيفة حتى «وجهات نظر»، وملفات الاتحاد الخاصة إلى الاقتصاد وملحق الرياضة، ومن قيام الاتحاد إلى عام التسامح، الصحيفة يمر عليها الآن 50 عاماً، ويقول ابن حريز: «نتذكر الاتحاد، في بداية يوم جميل في المنازل والمكاتب، عقول قارئة متطلعة تعبر الماضي وتهتم بتفاصيل الحاضر، وأفق المستقبل. وانتقلت الكلمة إلى الكاتب اللبناني محمد السماك، أمين عام اللجنة الوطنية- الإسلامية للحوار في لبنان، الذي قدم ورقة بعنوان «مفهوم الأخوة الإنسانية ونهج الإمارات في التعبير عنه قولاً وعملاً»، مؤكداً أن وثيقة «الأخوة الإنسانية» الصادرة من أبوظبي خلال زيارة بابا الكنيسة الكاثوليكية للإمارات في مطلع فبراير الماضي، تدفعنا تجاه الحديث عن أمرين أولاً: عالمية الإسلام- حيث يقول المولى عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). وثانياً موضوع الأخوة (إن الله خلقنا من نفس واحدة).
وأضاف أن العالمية والإنسانية أمران أساسيان ومتكاملان مع العقيدة الإسلامية، حيث يشكل المسلمون 2.2 مليار، ويشكل المسيحيون 3.6 مليار، أي أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية، وعندما يتم اتفاق إسلامي - مسيحي على «الأخوة الإنسانية»، فهذا يعتبر تكريساً لعالمية الإسلامية.
ويرى السماك أن أكثر من نصف مليار مسلم يتعايشون مع الهندوسية في الهند، والأرثوذكسية في روسيا والإنجيلية في أميركا، والكاثوليكية في أوروبا، وهذا يتطلب أدبيات قيّمة لا يوجد أفضل من «وثيقة الأخوة الإنسانية» في التعبير عنها. ويؤكد السماك أننا أمام خيارين: إما الحروب بسبب العقائد والإثنيات والعرقيات، أو العيش المشترك، وهذا ما قدمته لنا «وثيقة الأخوة الإنسانية». ويرى السماك أن الوثيقة صدرت عن البابا فرنسيس وشيخ الأزهر، لكن في مضمونها تجاوزت الإسلام والمسيحية، لتطرح الأخوة على مستوى عالمي.
وحسب السماك، فإن صدور وثيقة تُكرس الثوابت الإسلامية والمسيحية وتنطلق منها لإقامة صرح «الأخوة الإنسانية»، وهي خطوة لا سابق لها.
وفي القرن الحادي والعشرين الذي نمر خلاله بظروف نحن أحوج ما نكون فيها لهذا النص، أي الوثيقة، فالقائمون على نَصِّها يحق لهم أن يفتخروا بأن أهمية الوثيقة تضاهي وثيقة حقوق الإنسان الصادرة عام 1948، وليس مبالغة، فنص الوثيقة لا يتعلق بالإنسان، بل يتطرق إلى المرأة والطفل والفقراء، وعملية التركيز على هذه القضايا الإنسانية من منطلقات دينية.
ويؤكد السماك أن التأكيد على المشتركات الإنسانية يجعل من هذه الوثيقة مرجعاً إنسانياً كاملاً، مشيراً إلى أن انعقاد قمة أبوظبي بين البابا وشيخ الأزهر كان يسبقها مؤتمر آخر يعقد في أبوظبي يضم أكثر من 700 شخصية من كل الأديان الإسلام والمسيحية واليهودية، ما يعطي زخماً كبيراً للقمة من خلال عدد ضخم من المرجعيات الدينية التي شاركت فيها.

التسامح كسياسة للدولة
وتحت عنوان «مؤسسات انطلقت بمبادرة إماراتية لتعزيز المشترك الإنساني»، أكد الدكتور رضوان السيد، أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية، أن إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2019 عاماً للتسامح، يتجاوز ما يمكن اعتباره دبلوماسية دينية، إلى سياساتٍ للدولة. وفي الوقت الذي كانت فيه دولة الإمارات تُنشئ لذلك وزاراتٍ في حكومتها، وتبلور لذلك قوانين في تعامُلها مع مواطنيها وملايين المقيمين على أرضها، كما في علاقاتها الخارجية العربية والدولية؛ أقبلت على إنشاء ودعم جهات ومؤسسات دينية ومدنية للعمل على المقولة ذاتها انطلاقاً من الإسلام بوصفه ديناً للرحمة والتسامح والتعارُف بين الناس. ويرى السيد أن كلاً من «مجلس حكماء المسلمين» و«منتدى تعزيز السلم»، و«صواب» و«هداية»، و«المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة»، وهي جميعاً جهات ومؤسسات أنشأتها دولة الإمارات أو دعمتها، استطاعت بأطروحاتها ونشاطاتها عبر العالم أن تُحدث تغييراً كبيراً في سياسات المتعلقة بالدين؛ فقد توصلتُ إلى استنتاجٍ ينظر للتسامح، باعتباره إصلاحاً في الفكر الديني أو فلسفةً جديدةً له. واجهت الجهات والمؤسسات الدينية الإماراتية في فكرها وعملها على التسامح الديني، تحديات أهمها الانشقاقات في الدين والتي قادتها تيارات الإسلام السياسي.
وتابع السيد: هذه التحديات ذات الطابع الديني واجهتها الجهات والمؤسسات الدينية الإماراتية ضمن أربعة أبعاد، أهمها: إشهار التسامح الديني في وجه التطرف والإرهاب، فقد حدثت نتيجة انشقاقات الإسلام السياسي الحزبي أفكارٌ وسلوكات عنيفة بالداخل وتجاه الخارج عبر عقود عدة، بلغت الذروة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. لكن المؤسسات الدينية الإماراتية - حسب السيد- ردت بطرح صورةٍ أُخرى للإسلام، باعتباره دين أُخوةٍ وتسامُحٍ وتعارُف، وأنّ تلك ثوابت دينية لا يمكن تحريفها أو الخروج عليها.
والبعد الثاني لدى رضوان السيد، يكمن في مواجهة نزعات التكفير. ففي الأفكار الانشقاقية التي حملتها الشمولية الخليفية، يصبح الأفراد المسلمون كفاراً أو فساقاً إن لم يمشوا في ركابها، وتصبح المجتمعات والدول عُرضة للاقتتال والشرذمة باسم الدين. وقد تصدّى «مجلس حكماء المسلمين»، و«منتدى تعزيز السلم» لهذه المقولة المُهلكة للدين وللمجتمعات بالقرآن بالذات، وسُنّة النبي عليه الصلاة والسلام، في تحريم التشكيك بالإيمان، وتحريم مُمارسة العنف ضد الآخر أياً كان دينه أو ثقافته.
والبعد الثالث: البُعدُ العالمي في مواجهة العُنف الذي يمارسه المتطرفون تجاه العالم، ومواجهة الإسلاموفوبيا الناجمة في جزءٍ منها عن هذا السلوك العنيف. فقد عاش المسلمون في العالم ومعه، وثلثهم اليوم يعيشون في بلدانٍ أكثريتها غير إسلامية وبالعنف لا يمكن أن يستمر العيش المشترك العالمي، ولا يستطيع المسلمون التنكر لنظام العالم ومنظوماته. لقد قامت المؤسساتُ ولا تزال بنشاطاتٍ واسعةٍ في العالم في شتى الاتجاهات. وأصدرت مع الجهات الدينية والمدنية العالمية إعلاناتٍ مشتركة وأقامت صداقات وتحالفات. ومن أشهرها قوافل السلام، وإعلان مراكش، ووثيقة الأخوة الإنسانية، و«حلف الفضول الجديد»، و«إعلان الأزهر» و«مجلس حكماء المسلمين» للمواطنة والعيش معاً في علاقات المسلمين مع المسيحيين ومع العالم؛ لأننا لا نريد إخافة العالم ولا الخوف منه، بل نرمي إلى المشاركة في أمن العالم وسلامه ومستقبله.
والبعد الرابع، يتمثل، حسب السيد، في الدفاع عن الدولة الوطنية في العالمين العربي والإسلامي، فالانشقاقيون يعادون الدولة الوطنية باعتبارها تغريباً، ويريدون إحلال ما يسمونه الدولة الإسلامية محلَّها. ويشكّل ذلك محاولات تخريبية لمجتمعات المسلمين ودولهم كما هو مُشاهَدٌ في عدة بلدانٍ عربيةٍ وإسلامية. وشرعية الدولة الوطنية تقوم على المبدأ الذي أقره دستور المدينة على يد النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهو ذو نزعة مدنية وتعاقدية. كما تقوم شرعيتها على وظائفها في الأمن والاستقرار الداخلي، وأنها هي الأداة الرئيسية في تمثيل الشعوب العربية والإسلامية تجاه العالم.
ولفت السيد إلى أهمية الإصلاح الديني فمجموع هذه النشاطات يقوم على فلسفةٍ جديدةٍ هي التسامُحُ الشامل، وقد أفضى ذلك إلى إصلاحٍ في الدين، أو رؤية جديدة للعالم.

الأب رفعت بدر

مبادرة المؤسسات الدينية
ويرى السيد أنه قد جرى تسويغ التغيير الكبير أو الاجتهاد الكبير لدى المؤسسات الدينية الإماراتية بالتأصيل على الكتاب والسنة وفي تأويلٍ جديدٍ يسميه العلاّمة ابن بيَّة، استناداً إلى مصطلحٍ في أصول الفقه: وضْعاً من جهة - والإجماع على المعروف العالمي والإسلامي وعنوانه التسامح وحلف الفضول الجديد من جهةٍ أُخرى.
ويقول السيد: علينا ألا ننسى أنّ المؤسسات الدينية للمرة الأولى كانت هي الرائدة. وأنّ المفكرين والمثقفين ما شاركوا بعد على النحو المرجو، داعياً إلى العمل ضمن الرؤية الجديدة على ثلاثية: استعادة السكينة في الدين، وتجديد تجربة الدولة الوطنية، كما تجديد العلاقة بالعالم.

ما بعد الوثيقة
يتساءل السماك: الآن ماذا نفعل - بعد هذه الوثيقة، خاصة أن أهم ما فيها أنها تقدم الإسلام بصورته الحقيقية التي يعبر عنها الإمام الطيب الذي يحمل اسماً يصفه كما هو. ويؤكد السماك أن مضامين الوثيقة تقول إن هذا هو الإسلام، وليس ما تنقله الصورة التشويهية عن هذا الدين الحنيف، ويشير السماك إلى أن جاك شاهين وثّق كيف تمت صناعة صورة نمطية سلبية للإسلام، وفي جامعة جورج تاون صدر كتاب عن صناعة الإسلاموفوبيا، على النقيض، تقوم أبوظبي الآن بصناعة للأخوة والمحبة والانفتاح.

صالح المانع

مزيج متكامل
حسب عبدالمجيد، تتكامل ورقة أ. عائشة المري مع ما تتضمنه ورقة السماك، إذ تُركز على البُعد الإنساني في سياسة دولة الإمارات، انطلاقاً من أن هذا البُعد يمثل توجهاً أصيلاً لسياستها الخارجية منذ قيام الاتحاد، استناداً إلى مبدأي التضامن الإنساني والتعددية الثقافية، وقيمتي التكامل الإنساني والتضامن الإسلامي، وقيم الكرم والإيثار العربية والأصيلة، في مزيج متكامل من القيم العربية والإسلامية والعالمية ترى أنها تمثل نموذجاً مركباً يميز سياسة دولة الإمارات. ويرى عبدالمجيد أن العلاقة وثيقة بين التسامح والإصلاح الديني حتى إذا لم يُذكر هذا الإصلاح بالاسم؛ لأن الكثير مما يُطرح في مجال تعزيز التسامح يتعلق به. ولذا يقول عبدالمجيد: جاء تركيز رضوان السيد على موقع الإصلاح الديني في موضوع التسامح في محله، لأن هذا الإصلاح هو الأساس الذي ما كان متصوراً أن يعرف العالم فكرة التسامح من دونه، انطلاقاً من أوروبا.

قرن الدين
أكد السماك في ختام مداخلته، أن الإسلام يؤمن بكرامة الإنسان، بمعنى أن الإنسان مكرم في ذاته الإنسانية. وينبغي إقرار الحق في الاختلاف والتعدد، وسنبقى مختلفين ليوم الدين، الوثيقة الصادرة من أبوظبي تؤكد على كرامة الإنسان واحترام التعدد والاختلاف، وذلك التزاماً بالأخوة الإنسانية التي تجعلنا حَمَلةَ رسالة. ويلفت السماك الانتباه إلى أن إحصاءات الأمم المتحدة تقول إن 84% من سكان البشرية يؤمنون بدين ما وعقيدة ما، وهذه النسبة في ازدياد، وهناك من يرى، وفق هذه النسبة، أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الدين أو لا يكون. ويختم السماك مساهمته قائلاً: الوثيقة تنطوي على أهمية استثنائية؛ لأنها تنطلق من الإيمان بالدين إلى إقرار الأخوة الإنسانية، ما يجعلها تخدم الإسلام والإنسان في كل مكان.

«الاتحاد» من أهم المنافذ المعرفية والقِلاع التنويرية في عالمنا العربي
حل المستشار محمد عبد السلام، أمين عام اللجنة الدولية العليا لوثيقة الأخوة الإنسانية، والمستشار السابق لفضيلة الإمام الأكبر أ.د/‏‏‏ أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، ضيفاً شرفياً في المنتدى الرابع عشر لصحيفة «الاتحاد» الذي أقيم، تحت عنوان «الأخوة الإنسانية، رؤية الإمارات لعالم متسامح»، بالتزامن مع الذكرى الخمسين لتأسيسها.
وألقى عبد السلام كلمته بالجلسة الأولى للمنتدى والتي أكد فيها الدور الرائد لصحيفة «الاتحاد» في إثراء الحياةِ الأدبيَةِ والثقافيَّةِ والفكريَّةِ في دولة الإمارات، حتى أصبحت واحدة من أهم المنافذ المعرفية والقِلاعِ التنويريَّةِ في عالمنا العربي، كما أثنى على تخصيص هذا اليوم من هذا العام للاحتفاء بـ «الأُخوَّةِ الإنسانيَّة»، في ظِلِّ ما يَشهَدُه عالمنا المعاصِرُ من اضطرابات ونزاعات تؤدي إلى تصاعد خطاب الكراهية..
وثمّن أمين عام اللجنة الدولية العليا لوثيقة الأخوة الإنسانية، جهود دولة الإماراتِ العربيَّةِ المتحدة لتعزيزِ التسامُحِ ونشر ثقافة الحوار والعيش المشترك، ما جعَلَها تستحقُّ بجدارة أن تكونَ موقعاً لإعلان «وثيقةِ الأخوَّةِ الإنسانيَّةِ»، متوجهاً بالشكر والتقدير لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لرعايته الوثيقة وحرصه على تفعيل مبادئها وتوفير كل السبل لإنجاحها، وتذليل المصاعب كافة لتحقيق أهدافها.

المستشار محمد عبدالسلام يلقي كلمة في المنتدى
وأشار المستشار السابق لشيخ الأزهر إلى قدرة الإعلام على خلق وتشكيل صور إيجابية أو سلبية عن الآخر، ودلل على ذلك بذكر بعض من الصور النمطية عن العرب والمسلمين، مستشهداً بكتابات وأبحاث الدكتور «جاك شاهين» الذي كرس حياته وكتاباته للبحث في الصور النمطية للعرب في الإعلام الأميركي والتي كشف خلالها أن العرب والمسلمين كانوا ولا يزالون ضحية صور نمطية سلبية متعمدة، وقفت سداً منيعاً لقبولهم إخوة في الإنسانية لكثير من إخوانهم في الغرب.
واختتم عبد السلام كلمته مدللاً على أهمية صياغة مرحلة ما بعد الوثيقة بالإشارة إلى الجملة التي وجهها قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، لفضيلة الإمام الأكبر أ.د/‏‏‏ أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، بعد توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية، حينما قال «الآن تحقق المستحيل»، تلك الجملة التي لخصت جهود سنوات من العمل المخلص الدؤوب بين الأزهر والفاتيكان، الممثلين لجموع المسلمين والمسيحيين حول العالم، والتي حملت بين طياتها رسالة صريحة للجميع عامة وللإعلاميين والمفكرين خاصة، بضرورة تبني مبادئ وثيقة الأخوة الإنسانية والعمل على تحقيقها، وبذل الغالي والنفيس في سبيل ترجمتها إلى واقع ملموس في حياة الجميع لصياغة مرحلة جديدة نحو تحقيق الإخاء الإنساني.
ويأتي اختيار عبد السلام ضيفاً شرفياً للمنتدى الرابع عشر لصحيفة «الاتحاد»؛ تقديراً لجهوده في الحوار بين الأديان والإعداد لـ«وثيقة الأخوة الإنسانية» التي صاغها ووقعها فضيلة الإمام الأكبر أ.د/‏‏‏ أحمد الطيب شيخ الأزهر وقداسة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان، والتي تعد أهم وثيقة إنسانية في العصر الحديث، كما تم تقليده في أكتوبر الجاري وسام «قائد مع نجمة» الذي يعد أرفع تكريم يُمنح من بابا الفاتيكان، ليصبح أول عربي مسلم يتوج بهذا التكريم.

مساندة «الأخوة الإنسانية» وتقوية الدولة الوطنية وحماية الدين من الثقافة الاحتجاجية
في مداخلته على مساهمات الجلسة الأولى، أشار الدكتور صالح المانع، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود إلى أن موضوع التسامح يستحق الاهتمام وله علاقة بالخلفيات الاجتماعية والثقافية للقيادات الدينية، فهو يرى أن موقف البابا فرنسيس يختلف عن موقف البابا يوحنا بولس الثاني، هناك فرق بين الرجلين في التعامل مع بعض القضايا، فالبابا يوحنا كان له رأي في الهجرة العربية إلى أوروبا يختلف عن موقف البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية الذي له مواقف إيجابية تجاه المهاجرين واللاجئين.
وأشار الكاتب والمفكر الدكتور حسن حنفي، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة إلى أن «الأخوة» و«التسامح» مفهومان أخلاقيان، انطلاقاً من الآية الكريمة التي تقول «إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم»، وهذا أقرب إلى الثقافة الإسلامية، التي تعتبر الأخوة جوهر الدين، كما أن التسامح يمثل جوهر المسيحية، ضمن مقولة «من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر». ويرى حنفي أن الواقع يقول إن البحث عن الأخوة الإسلامية - صعب التحقيق، خاصة في ظل توترات بين المسلمين، فالجار يغزو جاره، علماً بأن الرسول يقول «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، لا نزال في العالم الإسلامي نعاني الحروب الأهلية. ويصل حنفي إلى قناعة بأن المطلوب ليس تحليل المفهومين أخلاقياً ولا المطلوب تحليلها بالاقتصاد والاجتماع، بل في السياسة.
ورد السماك على مداخلة صالح المانع، مطالباً بضرورة البحث في الحقائق، مشيراً إلى أن البابا يوحنا بولس الثاني البولندي الأصل، دعا المسيحيين إلى مشاركة المسلمين في صيام اليوم الأول من رمضان، وعندما شاع الربط بين الإسلام والإرهاب قال بولس إنه لا يوجد دين إرهابي، بل في كل دين إرهاب. ويرى السماك أننا نحتاج إلى معرفة عميقة لمواقف المرجعيات الدينية في الغرب - هناك وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني الذي جعل الإسلام ديناً معترفاً به. وطالب الأب رفعت بدر رئيس المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن بأهمية إشراك المؤسسات الرسمية خاصة وزارتي التعليم والثقافة في نشر التسامح.
وطالب رضوان السيد بضرورة مساندة خطوة «الأخوة الإنسانية»، وتقوية الدولة الوطنية وحماية الدين من خطر الثقافة الاحتجاجية شديدة الانغلاق. ويرى د. وحيد عبدالمجيد أن لدينا فرصة تاريخية وأساس يمكن البناء عليه لتشجيع القوى المجتمعية على هذا العمل خاصة في مجال إصلاح الفكر الديني.

المساعدات الخارجية تأسيس لدور إماراتي على الصعيد الدولي ذي منحى إنساني
في مساهمتها المعنونة بـ«أدوار الإمارات الخارجية دليل على منهجيتها الواضحة في الأخوة الإنسانية والتسامح»، استنتجت الكاتبة والباحثة الإماراتية عائشة المرى أن قيمة العطاء والتسامح شكلت أساساً قامت عليه سياسة الإمارات المتمثلة في ركائز تتضمن الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الخارجية ونبذ العنف.
وحسب المري، أدركت الإمارات أهمية الدبلوماسية الإنسانية والمساعدات الإنسانية التي من خلالها توجه رسالة إيجابية للصداقة وتأسيس دور على الصعيد الدولي ذي منحى إنساني، وضمن هذا الإطار، تأتي المساعدات الخارجية ودعم الإمارات لأهداف الألفية للتنمية المستدامة. وتتنوع طبيعة المساعدات التي تقدنها الإمارات ما بين مساعدات خيرية وإنسانية وتنموية، وبلغت المساعدات الإنمائية الرسمية في عام 2017، قرابة 19 مليار درهم، كما احتلت الإمارات المركز الأول عالمياً لعام 2019 كأكبر دولة مانحة للمساعدات للشعب اليمني، وبلغ إجمالي المساعدات المقدمة لليمن خلال الفترة من 2015 إلى سبتمبر 2019 قرابة 21 مليار درهم، وأشارت المري إلى الجهات المانحة، مثل صندوق أبوظبي للتنمية والهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة خليفة بن زايد للأعمال الإنسانية، ومؤسسة «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية».
وقدم الدكتور وحيد عبدالمجيد مدير مركز الأهرام للبحوث السياسية والاستراتيجية تعقيباً على مساهمات الجلسة الأولى، أكد خلاله أن مساهمة محمد السماك ركزت على لقاء الأخوة الإنسانية في أبوظبي مطلع فبراير الماضي الذي جمع بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر، وصدرت عنه وثيقة الأخوة الإنسانية، كونه يأتي في سياق المبادرات التي أحدثت نقلة نوعية في عالمية الطابع، خاصة أن وثيقة الأخوة الإنسانية اكتسبت مرجعية دولة الإمارات، إضافة إلى مرجعيتيها الدينيتين الإسلامية والمسيحية. ويقر عبدالمجيد ما استنتجه السماك من أن لقاء الأخوة الإنسانية في أبوظبي طوى صفحات من سوء التفاهم الإسلامي - المسيحي، وفتح سجلاً جديداً، وليس مجرد صفحة جديدة للعمل المشترك من أجل خير الإنسانية كلها.

اقرأ أيضا