الاتحاد

ثقافة

الآثار الكويتية.. روائع تروي التاريخ

تُعدّ اللقى والمقتنيات الأثريّة وجهاً حقيقيّاً وحضاريّاً للدول والأمم والشعوب، في ثناياها يقرأ المرء تاريخه ويفتح أبواباً مع جغرافيّة إنسانيّة تراثيّة، مرّت عليها حقب وحضارات، وتركت على متنها ما يدلّ عليها، أو يذكّر بما انطوت عليه هذه الأرض أو تلك، لتترك لنا نقوشها وعملاتها ومستلزماتها تذكاراً يشكّل لنا تلفزيوناً ملوّناً بالتواريخ والأزمنة والأحداث وأوجه الحكم وأساليب الحياة في التعاطي الإنسانيّ أو التبادل التجاري أو الريادة الأدبيّة، أو حصيلة التأمّل الإبداعيّ في التشكيل والنحت والتجسيم، وسوى ذلك، مما يحيلنا إلى حياة كانت ضاجّةً، ونستعيدها نحن من خلال ما تفتّقت عنه الذهنيّة الثقافيّة اليوم، بما يعرف بالتبادل الثقافي بين الدول، وتحديداً المعارض المُتْحفيّة التي تحرص الإمارات على أن تكون حاضنةً قويّةً لها، مُضافةً أو مُستضيفةً، ولنا أن نقرأ قيمة المجموعات النادرة من المقتنيات الأثرية الكويتيّة التي تستضيفها هيئة الشارقة للمتاحف خلال الفترة من 16 أكتوبر الجاري حتى 16 أبريل عام 2020، تحت بعنوان «روائع الآثار في دولة الكويت»، كمعرض يندرج تحت باب التبادل المُتحفي الذي نشطت فيه الشارقة، وهي تعيد الحضور إلى ما يقارب 7 آلاف عام، من خلال التنسيق مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت.
وعلاوةً على ما تمدّنا به المعارض التراثيّة، والمتحفيّة في حالتنا هذه، من تأكيدات بحثيّة، وفرص عمليّة لعلماء الآثار والباحثين من المؤرخين، يمكننا القول إنّ الحفاظ على المنطقة العربيّة، وتحديداً الخليجيّة، في انسجامها الجيولوجي وتنوّعها أيضاً، وفي عراقتها وأصالتها وقبولها لكلّ الأمم والحضارات والحقب التاريخيّة التي مرّت عليها.. هو أمرٌ في غاية الأهميّة، لتأكيد السند التاريخي على عظمة هذه الأرض وتكاملها الإنسانيّ مع الجوار، لتشكيل خريطة تكتنز بالإبداعات والمقتنيات والآثار التي هي الخيط الأوّل للذاكرة في تاريخ الأمم والشعوب.
في المعرض، الذي انتخب روائعه وحاز حضوراً مثقفاً ومتخصصاً أيضاً، يلفتنا أمران، الأوّل: هو اهتمام المواطن العادي بالأثر الدّال وسؤاله عنه لتكوين خريطة ذهنيّة خاصّة به عن موقع منطقة الخليج الاستراتيجي وإسهام هذا الموقع الفاعل في طريق الحضارات، وهو اهتمامٌ علينا أن ننميه باستقطاب المدارس والجامعات والجهات ذات العلاقة للتجوال والتعرّف على مقتنيات المعرض، وخصوصاً أنّ وقت المعرض يمتد إلى فترة كافية تسمح بالتفاعل بين الحضور والأثر التاريخي، لقراءة الملمح الثقافي لمنطقتنا الغنيّة كمسرح للتجارة والفكر والأدب والعملات التي تحملنا إلى عصور زاهية لتاريخ شبه الجزيرة العربية وامتدادها التفاعلي والتبادلي بين مناطقها من دول الخليج العربي، وبينها وبين المنطقة العربية الشقيقة، والإنسانيّة الصديقة على وجه العموم.
أمّا الأمر الآخر، فيصبّ في خدمة الرؤى السياسيّة لمنطقة الخليج العربيّ، وحمل الفهم السياسي للقادة في ضرورة تكوين أرشيف آثاري يضع المقتنيات على المقتنيات ويراكم الخبرات البحثيّة لحماية الحق السياسي أو السيادة السياسيّة التي تردّ على الأطماع الخارجيّة والإقليميّة بهذا التكامل الرائع عن طريق المسكوكة النقديّة ومقتنيات الأختام والعملات، التي اشتمل عليها المعرض في توفيره مصنوعات فخاريّة قديمة ونصوص من الكتابات الآراميّة والتماثيل والصور والمعابد والمدافن، ونعتقد بوجاهة عقد دورات بالتبادل بين متاحف دول مجلس التعاون الخليجي، نحو أرشيف متكامل، وأيضاً لرفد المؤسسات العاملة في هذا المجال بالخبرات الضرورية للجمع والتصنيف وقراءة الوجه السياسي والتاريخي والاجتماعي وأساليب الحياة والعمل والتجارة والنظر إلى الكون عن طريق هذه المقتنيات.

إعادة الحياة للماضي
اللافت في المعرض أنّه لم يكتفِ بالعرض الجاف أو التجوال العابر، بل لقد صنع منه القائمون عليه حركةً دائبةً فقربوا الأثر التاريخي وصنعوا على جنباته ورشات تبثّ الحياة في الماضي وتعيده إلينا حيّاً مضيئاً، تماماً كتعريف الحضور بأهم وأحدث المكتشفات الأثريّة في دولة الكويت من خلال محاضرة حملت الاسم ذاته، وعن طريق جذب العائلة بكلّ أفرادها لتشارك في صناعة الزجاجات المضيئة، كمسمى لورشة تهدف أيضاً إلى التعريف بتقنية الترخيم لتزيين الأواني الفخاريّة، والنحت على الفخّار، وصناعة القوارب التجارية، فهي فعاليات تقرب إلى الأذهان جماليّة المقتنى التاريخي وأنّه لا يزال يؤدّي وظيفته ويحمل قيمته الجماليّة في الآن ذاته، وعلى هذا فإنّ تجربة المعرض الآثاري الكويتي من المهمّ أن تُستنسخ لكلّ أقطار منطقة الخليج المتكاملة والمتفاهمة على ضرورة العمل لهذه الأرض والبيئة الخليجيّة التي تمتلئ بالجمال والإبداع الذي خطّته يد الإنسان من أوّل الدهر حتى هذا اليوم.
وفي هذا السياق، فإنّ التجربة الكويتية في مجال حفظ المقتنيات والآثار التاريخية، تغدو تجربةً ثريّةً، تقابلها تجربة إماراتيّة ثريّة أيضاً ومتخصصة في الشارقة، ومن يتصفّح الأثر التاريخي الكويتي من واقع مقتنيات المعرض، يجد أنّ للفترة التاريخيّة عمقاً ضارباً في التاريخ، إذ ضمّ المعرض مجموعةً نادرةً تفتح شهيّة الباحثين والدارسين على تتبعها، خصوصاً وهي تعود بهم إلى فترة ممتدّة بين الألف السادس قبل الميلاد حتى نهاية القرن الأول الميلادي، وهي فترة قويّة يزيدها قوّة ما اشتمل عليه المعرض من تقنيات قديمة، كالحجر الذي خُطّت عليه كتابات يونانيّة تعود بنا إلى القرن الرابع قبل الميلاد، فلم تعد الفترة التاريخية أو الأثر القديم محوطاً بالأسطورة والتكهّن أو المخيال الشعبيّ، على أهميّة المخيلة الشعبيّة في صناعة الحياة والتعريف بالمعتقد وتفسيره، فهذه المرّة نحن مع كتابة يمكن قراءتها واستنباط معانيها بالطريقة المنهجية العمليّة، إذ تكشف البحوث المتعلقة بهذا الحجر أنّ كتاباته اليونانيّة «نذريّة»، وأنّها تضعنا بصورة المواطن الأثيني سوتيلس والجنود الذين قدّموا هذا الحجر إلى زيوس سوتر المخلّص وإلى بوسيدون وآرتيمس المخلّصة.
فكم نحتاج إلى قراءة منهجيّة وعلميّة نستفيد منها، حتى في الأعمال الدراميّة التوثيقيّة أو التي تستعيد تاريخ المنطقة على هيئة العلاقات بين الدول والشعوب ومعتقدات الأمم في أوقات بعيدة، وهذا بالطبع غيضٌ من فيض لجملة المستكشفات الكويتيّة التي حملها لنا القائمون على المعرض، من خلال المدافن ودور العبادة وغيرها من مستوطنات الجنس البشري، بتحليل المادة الأثريّة التي ترسم العلاقة التاريخية لأهل الكويت بسواحل شبه الجزيرة العربية وداخلها، وبلاد الرافدين أيضاً، وبلاد الشّام بطبيعة الحال، وأرض السند كذلك، وهو ما أسهم بطبيعة التكوين السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ للمجتمعات المحليّة.

نوادر العملات
ولأنّ التنقيب والحفريات والبحوث دائماً ما تمدّنا بالمفرح والأصيل الذي يرفد مضمار الفهم التاريخي ويوسّعه، فإنّ المعرض كان أداةً قويّة للتعريف بطبيعة الحياة الهلنستية، من خلال مصنوعات فخّاريّة تعود بنا إلى حقبة سبقت الميلاد بثلاثة قرون، يزيد هذا توهّجاً ما وفّره المعرض من نوادر العملات لمنطقة شرق الجزيرة العربيّة، فضلاً عن الأختام والنصوص الكتابيّة والتماثيل والمستوطنات والمعابد. كيف لزائر غير مهتم بالحفريات التاريخيّة أن يفهم أو يرسم في دماغه عصور المنطقة الخليجية من واقع معرض الروائع أو المنتخبات الآثارية لدولة الكويت؟!.. في الواقع يمكنه ذلك إذا وجد ما يستثير لديه الماضي ويضعه بصورة غير ثقيلة على شاشة ناطقة بالماضي البعيد، فبمجرّد أن نقول للحضور إنّ عصوراً سحيقة كانت على هذه الأرض، كالعصر البرونزي، والعصر الحجريّ أيضاً بكلّ طزاجته الزمنية، سنكتشف كيف هو الترويج المدروس لعلم الآثار، ففي المعرض بدت مجموعة من أدوات الصيد وأجزاء من الأواني الفخاريّة دلّت بالفعل على العصر الحجري الذي نطوّف به في لهفة واضحة نحو المقارنة بين الأمس البعيد جداً واليوم، لنعرف كم هي عظيمةٌ إرادة الإنسان من أوّل الزمان حتى آخر الزمان. 80 قطعة أثريّة نادرة للعصر الحجريّ والبرونزيّ والحديدي، هي كنز عظيم يعطينا فكرة كافية عن مدى جديّة العمل المتحفي في الكويت وحجم الاشتغالات المتخصصة والترويج الكبير والمدروس الذي يقوم به كلٌّ من هيئة الشارقة للمتاحف والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت ومتحف الكويت الوطني، لإبراز قصص النجاح الكثيرة التي تحققت على هذه الأرض، ونقرؤها بعين البحث والتأمل واستعادة الذكرى اليوم.

أسرار تاريخ الكويت القديم
يشرح خالد حسين، منسق عام البحوث بمتحف الشارقة للآثار، محطات الرحلة التي تطل على أسرار تاريخ الكويت القديم، مشيراً إلى أن المعرض ينتقل بين عدة عصور، وجدت آثارها في مواقع عدة بدولة الكويت، بداية من الاستيطان المبكر على أرض الكويت، مروراً بالحياة اليومية في العصر الحجري القديم، والاستيطان في العصر البرونزي، والكويت في فترات الحضارة الهيلنستية، وقرون ما قبل الإسلام وبعده.
ويُوضح حسين، أن المعرض يتناول أهم المكتشفات الأثرية، التي تؤكد العمق الحضاري والتاريخي لدولة الكويت منذ أقدم العصور، مضيفاً أن هذه المجموعة المعروضة الفريدة والمميزة، اكتشفتها فرق التنقيب المختلفة خلال العقود الخمسة الماضية.
وأضاف، أن المعروضات تشمل مجموعةً من أدوات الصيد الحجرية، وأجزاءً من فخار العبيد تعود للعصر الحجري الحديث، وكذلك بعض الأسلحة، وعدداً من الأختام ترجع إلى العصر البرونزي، بالإضافة إلى كمية من المصنوعات الفخارية المميزة والتماثيل والعملات، التي ترجع إلى الفترة الهيلينستية، التي سبقت الميلاد بثلاثة قرون.
ويشير منسق عام البحوث بمتحف الشارقة للآثار، إلى أن المعرض يُقدم للجمهور، على مدار 6 أشهر، مجموعة نادرة من عملات شرق الجزيرة العربية، والأختام، ونماذج للنصوص الكتابية الآرامية وبخط المسند، وتماثيل وصور ومجسمات للمعابد والمستوطنات والمدافن، التي تعود جميعها إلى هذه الفترات التاريخية الثلاث المهمة، والتي تحكي تاريخ الكويت على مدى خمسة آلاف عام.
واختتم خالد حسين، أن هذه القطع التي تزين متحف الشارقة للآثار، تؤكد قدم الحضارة الإنسانية الموجودة في الكويت، وتكشف عن عدة مهن أهمها الصيد والغوص على اللؤلؤ، لافتاً النظر إلى التشابه الكبير بين معروضات روائع الآثار الكويتية مع معروضات متحف الشارقة، وهو ما يؤكد عمق العلاقات التاريخية الأصيلة بين الإمارات والكويت، والبُعد الحضاري بينهما.

اقرأ أيضا

جائزة الشيخ زايد للكتاب تكشف عن القائمة الطويلة لفرع «الترجمة»