الاتحاد

ثقافة

أطياف أحمد رامي

ليس بوسع المرء أن يقيم اعتباراً كبيراً لرأي الكاتب إبراهيم عبد القادر المازني الذي اتهم ترجمة الشاعر أحمد رامي لرباعيات الشاعر الفارسي عمر الخيام بأنها أقرب إلى الأوراد منها إلى الشعر، فالحقيقة أن المازني لم يستطع أن يقيم علي رأيه أية حجة سوى أنه يدافع، بصفة شخصية عن ترجمته الغليظة لبعض تلك الرباعيات نقلاً عن الترجمة الإنجليزية التي قام بها الشاعر والناقد الإنجليزي «فيتزجيرالد»، وهي ترجمة «أقصد ترجمة المازني» لم يكتب لها أي نوع من الذيوع أو الانتشار بعكس ما حدث مع ترجمة رامي التي لا تزال تمثل واحدة من أجمل الترجمات التي تلقاها القارئ العربي لشاعر ملتبس مثل عمر الخيام، وقد أصدرت دار المدي في العام 2003 كتاباً قيماً أعده وقدم له الكاتب بندر عبد الحميد يتضمن ثلاث ترجمات لـ «رباعيات الخيام» أولها لأحمد الصافي النجفي، وهي ترجمة بين أعلى وأهم ترجمات الخيام، ثم ترجمة رامي للرباعيات نفسها وهي لا تقل سحراً عن ترجمة النجفي بل ربما كانت الأكثر شهرة والأكثر حساسية، حتى ولو لم تلتزم الدقة المفرطة في نقل أفكار الخيام حسبما أشار بعض النقاد، بالإضافة إلى نص الترجمة الإنجليزية التي قدمها فيتزجيرالد كما أسلفنا.
تضمن الكتاب أكثر من مقدمة ضافية أولاها لبندر عبد الحميد، وثانيها للصافي النجفي ثم مقدمة لأديب التقي وكلمة للإمام محمد القزويني ثم تقدمة رامي لترجمته. وقد ذكر بندر عبد الحميد العديد من الترجمات التي قدمها مترجمون من مختلفي المشارب بينهم: جميل صدقي الزهاوي، محمد السباعي، محمد الهاشمي، أحمد الصراف، عبد الحق فاضل، أحمد زكي أبو شادي، عرار «مصطفي وهبي التل» ومحمد غنيمي هلال، ويصعب على المرء أن يعثر على ترجمة المازني ضمن أي إطار مؤثر في سياق ما تم ترجمته من تلك الرباعيات على مدار عشرات السنين.
وأظن أن اعتذار المازني عن الشعر الذي كتبه فيما بعد وإقراره بأنه ليس شاعراً وتراجعه مع العقاد عن خطيئتهما التي تضمنها كتاب الديوان كمحاولة أولى وأخيرة لهدم أحمد شوقي وإخراجه من حقل الشعر وتقديم عبد الرحمن شكري عليه، كل ذلك يعتبر بمثابة اعتذار غير معلن لأحمد رامي ولرباعياته الفذة. ولعلنا سنلاحظ ذلك التكريم الضمني لرباعيات رامي في كتاب بندر عبد الحميد. فرغم أن الرجل قدم ترجمة النجفي على ترجمة رامي داخل الكتاب إلا أنه صدَّرَ الكتاب برباعية من ترجمة رامي تقول: «لا توحش النفس بخوف الظنون/‏‏‏ واغنم من الحاضر أمن اليقين. فقد تساوي في الثرى راحل/‏‏‏ غدا وماض من ألوف السنين». وقد قدم كثير من النقاد تفسيرات عدة لهذا الاستشفاف الذي جاءت عليه ترجمة رامي، وكلها أجمعت على أن موهبة رامي الكبيرة هي الجذر الحقيقي لاقتناص تلك الشعرية الخيامية الباهرة. ربما كانت الإشارة المختلفة نسبيا تلك التي وردت في كلمة للدكتورة نعمات أحمد فؤاد التي رأت «أنه مهما تباعدت الآراء أو تلاقت فإن الرباعيات فيها نفحة من روح الخيام، وظلاً من طول معاشرة رامي له». وهو ربما الرأي الذي يقارب بين التباس حياة الخيام ورامي على ذات الوتيرة. فالخيام عالم الفلك والرياضيات الصامت قليل الكلام والزاهد في المناصب العليا يراه البعض مارقاً كما وصفه الرازي في كتابه «مرصد العباد» حيث قال عنه «إنه الدهري التائه في ميدان الضلال»، كما أشار القفطي في «أخبار الحكماء» إلى أن بعض متأخري الصوفية نقلوا ظواهر شعره إلى طريقتهم ونقاشوه واعتبروه أفاعي سامة، وعندما تألبوا عليه كف عن الكلام وذهب إلى الحج. أما أغرب أوصافه فقد وردت على لسان باحثين محدثين، حيث اعتبروه رجل علم وتقى وأن تلك الرباعيات مدسوسة عليه.
أما رامي الممسوس بالخيام فلم يكن هو الآخر إلا ذلك الزاهد المتصوف الذي عاشر متصوفة مسجد الحنفي لعشرات السنين في شبابه وصباه، ثم تعزز موقفه التنسكي بقراءة تراث الصوفية ضمن قراءاته العميقة في التراث القديم، ولعل هذا التنسك سبب في أنه لم يتقاض من أم كلثوم أي أجر عن كل الأغاني والقصائد التي كتبها من أجلها.

رامي وأم كلثوم والهاجس القومي
ربما كان تقديم أم كلثوم لمختارات من رباعيات الخيام بترجمة رامي وألحان رياض السنباطي نقلا معنى الزهد والتوحد إلى مدارات أخرى أكثر فهما. وسيجد مستمع تلك الرباعيات الصدى المتحرق لترجيعات زكي الأرسوزي عن فكرة الأمة الواحدة، وهي الفكرة التي حاول الغرب ولا يزال أن يصمها بأنها أحد أخطر الأفكار العنصرية في قوميات عالمنا الحديث. ولا يمكن لمستمع تلك الأغنية التي شدت بها ثومة في عدة دول عربية أشهرها المغرب وسوريا أن يصدق تآلف قلوب على هذه الكثرة، دون أن تكون لغة الجموع إلا إعلاء من قيمة التمايزات الجغرافيا والفكرية والعقائدية.
ولعل ما كانت تنقله الصحف العربية والعالمية وتتابعه بعض أجهزة المعلومات من التفاف الشعوب العربية في أول كل شهر حول حفل أم كلثوم الذي تبثه الإذاعة المصرية لم يكن فقط تعبيرا عن تنامي القوة الناعمة المصرية بشكل أزعج كل القوى ذات التاريخ الاستعماري بل ربما كان تعبيراً أكثر دقة عن أن أخطر ما يمكن لقوة ناعمة أن تفعله هو توحيد محيطها اللغوي حول قيمة أسمى مثلتها في هذا التوقيت فكرة الاستقلال بكل شعاراته الوطنية التي لم يقتصر صداها فحسب على العالم الناطق بالعربية بل امتد ليشمل قارات أخرى خارج محيط الفكر والتصور العربيين. فالرباعيات وغيرها من أغنيات رامي لم تكن مجرد تنهدات لقلوب عطشى للحب، لأن الإجماع الذي لقيته تلك القصائد هو نفسه الإجماع الذي لقيه الخطاب السياسي القوموي الذي دشنته الثورة المصرية آنذاك. لقد عملت كل الأصوات على مؤازرة الصوت الجهوري لساسة ذلك العصر بنفس المنطق الذي انسحبت به أصوات الزمن الماضي الذي كان أسوأ تمثيلا ت الأبوية والباترياركية. ربما لهذه الأسباب اعتبرت أم كلثوم ورامي معها أن ثورة يوليو كانت طوق نجاة لهما في مواجهة من كانوا يعتبرونها محظية من محظيات القصور، وأنها مجرد فلاحة يصطحبها منشد مجدور الوجه. وقد أفرد «سليم تركية» في كتابه المهم «كان طيفاً من خيال» فصلاً كاملاً لقراءة هذا التصور السياسي في جوهره لعلاقة رامي وثومة بالسياسة وبثورة يوليو على نحو خاص.

رامي النافر من السياسة
رغم التحفظات التي أبداها الشاعر صالح جودت على تصورات الشاعر أحمد رامي للشعر، إلا أنه لم يغفل الرسالة القومية التي انطوى عليها مشروع رامي/‏‏‏ أم كلثوم، حيث كان يرى تلك العلاقة أعلى تمثيلات حقبة النضوج السياسي والاجتماعي والأدبي في عمر الدولة المصرية الحديثة. ورغم أن جودت يشير في غير مكان، مع غيره من النقاد، إلى الدهشة من النفور الذي كان يبديه رامي إزاء الحديث في السياسة، إلا أنه لم يكن في حاجة إلى إجابة سؤال لم يسأله أحد هو: لماذا، رغم هذا النفور من السياسة، كتب رامي عشرات من الأناشيد الوطنية لأم كلثوم؟ وربما كانت تقديرات بعض النقاد والمقربين من رامي دقيقة إلى حد كبير في الإجابة عن هذا السؤال.
فرامي لم يكن له أدنى اهتمامات سياسية، ولم يكن قارئاً للأفكار أو مهتماً بها، ولم يتقاطع مع العلوم الاجتماعية والفلسفية سوى عبر ما درسه في دار المعلمين العليا، فضلاً عن ذلك فقد عاش رامي داخل حلقة صوفية في حي الحنفي لسنوات طويلة من عمره، وربما كانت تلك العلاقة هي ما أخذه إلى عالم التصوف وإلى عمر الخيام. لكل ذلك ربما تبدت شخصية رامي المحافظة في العديد من المواقف.
فقد كتب ابنه توحيد ذات مرة أن رامي اعترف له بأنه كان يحب أم كلثوم، وعندما سأله الابن: ولماذا لم تتزوجها؟ قال: كان ذلك مستحيلاً، لأنني لو تزوجتها كنت سأمنعها من الغناء، لأنني رجل محافظ ولا أقبل أن تخرج زوجتي لتغني في الرجال، وقد تمثل رامي في ذلك ما كان يفعله والده الطبيب الذي كان له حياته الفنية والأدبية إذ كان يفصل بينهما فصلا تاما، حيث يفعل ما يريد خارج بيته لكنه مع أسرته شديد المحافظة. وربما كانت تلك الصورة هي ما دفع الكاتب والمترجم المعروف «دريني خشبة» إلى التساؤل في مقال له عام 1944 في مجلة الرسالة عن لماذا نستطيع أن نعرف أسرار ملهمات الشعر لدي اللورد بايرون، بودلير، ورامبو، ولا نعرف شيئا عن هواجس رامي والعقاد والحكيم وغيرهم؟ كان مقال خشبة رداً على شكوى رامي من توقفه عن الشعر إثر صدمة عاطفية، وتعبيره عن خوفه على مغادرة الشعر لحدائقه، وقد تبدى ذلك في قوله: أين وحي الخيال والوجدان/‏‏‏ يستقي منه خاطري ولساني. طال صمتي حتى خشيت على شعري/‏‏‏ يفنى وخفت وأد بياني. أسكوت والكون جم المعاني/‏‏‏ وسكون والنفس في ثوران. هذه نضرة الطبيعة تنثال/‏‏‏ جمالاً على مُحيَّا الزمان.
كل تلك الأسئلة حول مواقف رامي من الشعر والسياسة والحب لا يجب أن تثير الدهشة إزاء شاعر كبير. فمعارف رامي النظرية، شأن معظم شعراء جيله من الرومانسيين، لم تتعد نظرية الأدب القديم، رغم إتقانه للغتين الإنجليزية والفرنسية وحصوله على دبلوم الدراسات العليا من جامعة السربون في اللغات الشرقية عام 1922. فالمؤكد أن رامي عايش ثلاث مدارس شعرية كبيرة ومؤثرة هي مدرسة المحافظين وكان شوقي على رأس شعرائها، ثم مدرسة الديوان التي قادها المازني والعقاد، وبعدهما مدرسة أبولو التي انخرط فيها شعراء الرومانسية الجدد على محمود طه، إبراهيم ناجي، عبد الرحمن شكري وغيرهم. لكن المدارس الثلاث لم تشهد أي وجود لأحمد رامي بعد أن رفض الانخراط في أي منها، معللا ذلك بأن الشاعر لا يجب أن ينتمي لأي مدرسة شعرية، فمدرسة الشاعر هي الشعر وليس شيئا آخر، وهو تصور خالط كثير من الشعراء العرب المؤمنين بفكرة الموهبة إلى حد الصلف، حيث تبدو لهم الأفكار النظرية حول الشعر محض ملوثات لنصاعة الموهبة، وأظن أن التصورات المحافظة، ذات الطبيعة الإنشائية، التي يمكن أن تصادف المرء في الكثير من أحاديث رامي ليست إلا تعبيراً عن رفضه المطلق للربط بين الشعر وبين المعرفة، فضلاً عن رفضه لفكرة التجديد جملة، حيث كان يعتقد اعتقادا جازما بوحدة القافية، فلم تتغير القافية أبدا في نص من نصوصه الفصيحة وإن حدث ذلك في أغانيه لضرورات فنية، كما أنه لم ينكر الشعر الحديث فحسب، بل أنكر على الرومانسيين انتقالاتهم الإيقاعية بين مقطع شعري وآخر وبين قافية وأخرى.
ومن الملاحظات التي تعزز هذا النظر تلك الحكاية التي يرويها صالح جودت عن رامي في مقتبل حياتهما، حيث لم يلتق رامي بجودت إلا وقال له: أهلاً بالشاعر الذي لم يزجل أبداً! وكان يعني أن صالحا حتى هذا التاريخ لم يكتب الزجل قط، أي العامية الدارجة، ويبدو أن هذا التصور كان حتى هذا التاريخ جزءاً من شرف الشاعر المحافظ.

اقرأ أيضا

«بذور الشر».. تلقى قبولاً نقدياً وجماهيرياً