الاتحاد

ثقافة

3 ألمان غيّروا وجه الفكر العالمي

والتر بنجمان ولودفيك ويتغنشتاين ومارتن هايدغر

والتر بنجمان ولودفيك ويتغنشتاين ومارتن هايدغر

صدر كتاب مهم بعنوان «زمن السحرة» لولفرام ايلينبرجر (عن دار البان ميشال في باريس)، وهذا يقارب أربعة فلاسفة ما بين العشرينيات وحتى السبعينيات، «غيّروا وجه الفلسفة»: ولتر بنجمان، مارتن هايدغر، ارست كاسيرس ولودفيغ ويغنشتين. وقد توقفنا عند ثلاثة من أهمهم.
إن ما جمع هؤلاء الفلاسفة هو المعيش، والطبيعة، والحضارة التقنية، والمدنية بأبنيتها وشوارعها، لينطلقوا من «الفضاء المكاني» الملموس، وأشيائه وبيئته الطبيعية: كأنهم فلاسفة المكان والتفاصيل والأشياء بعلاقاتها ودلالاتها، متمرّدين على كل الفلسفة الكلاسيكية من هيغل، إلى كانط، فإلى بعض الفلاسفة اليونان كأفلاطون.
وهؤلاء الثلاثة أثّر كلٌّ منهم باتجاه جديد ومغاير في مفكّري القرن العشرين: من كامو، إلى جان بول سارتر، وسيمون دي بونوار، وميشيل فوكو، ورولان بارت... كالوجودية، وبول ريكور، (علماً أنهم تأثروا بطريقة أو بأخرى بنتشه...).
نقلوا الفلسفة التجريدية والميتافيزيقية والغيبية، إلى المحسوس، والحياة، والمعاناة وأدوات الحداثة. ونظن أنهم، بعد الحرب العالمية الأولى، التي سقطت فيه فكرة «التقدم، والتنوير، والإرث النهضوي» كأنهم صعدوا على ركامها.

والتر بنجمان (1892 - 1940):
فيلسوف ألماني أبرز أعماله «باريس عاصمة القرن التاسع عشر». حلّل ممرات باريس، وكذلك الأنماط الجديدة للتنقل والاتصالات، كعلاقات حداثة تحوّل بشكل جماعي الأفراد. وهو من خرّيجي مدرسة فرانكفورت التي طلع منها فلاسفة كبار، والتي تأسست حول تيودور ادورنو، وماكس هور كهايمر، وانتقاداتهم لمجتمع الاستهلاك.
يمكن القول إن فكرته تأسست في باريس، حيث أقام مرات عديدة في نهاية عام 1920. لم يسكن سوى في غرف صغيرة «ضيّقة»، وهذا ما كان يقوده إلى تغيير مسكنه كثيراً. لكن مشاكله المالية لم تسمح له بالاستفادة من باريس، ولم تسمح له أيضاً من باختراق الدوائر الأدبية والثقافية، حيث كان يجتمع كبار فنّاني وكتّاب وفلاسفة تلك المرحلة أمثال اندره بروتون والسينمائي الإسباني لويس بونويل، وبابلو بيكاسو، وفيتزيرالد... وهذا ما دفعه إلى التركيز على عمله: صباحاً يترجم (ومن ترجماته رواية مارسيل بروست) «بحثاً عن الزمن الضائع»... وبعد الظُّهر يتسكّع في الشوارع.
لكنه كيف استفاد من باريس، عاصمة الحداثة والفن والآداب في تلك المرحلة؟
لقد أكدت له الغاليريات التجارية الفاخرة التي بُنيت في بداية القرن التاسع عشر والتي كان يعمل عليها، لكسب عيشه، حدساً راح يشتغل عليه عدة سنوات: الأشياء، البضائع، ويستمد منها فكرة أنها علامات علينا أن نفكّكها بشيفراتها، لنفهم الطريقة، التي تكيّفنا بها الحداثة.
في الشوارع والممرات التي تصطف فيها محال النوفوتيه التجارية، والابتكارات التقنية، والمظلات، والعصي المعروضة كبنية من الأكمام الملوّنة، وكذلك الدور، حيث تقدّم عارضات الأزياء والدمى... كل ذلك تأكد له أن للأشياء والعالم والمبتكرات معنىً، وقد تعززت هذه الرؤية، وهذه الفلسفة.. فهو يأخذ مثلاً «الدعاية» حيث كل قطعة تحميل، هي علامة قابلة للتفسير، بل يقول إن تاريخ العالم كلّه يمكن أن يكون سلعة أو قطعة واحدة... مفتوحة للدلالات. هذه الملاحظات التحليلية التي لم تنشر في حياته «تتكثف في الأشياء». (وتأثّر المفكر رولان بارت بجوهر فكرة هذا الفيلسوف، وكذلك سارتر.
برغم كل ذلك فإن بنجمان بيريه لم يتبنَّ أي نظام فكري... ولم يمتلك في حياته أي منزل.

مارتن هايدغر (1889 - 1976)
أهم أعماله «الكائن والزمن». يمكن الإشارة إلى أن هايدغر يتّجه في فكرته عكس والتر بنجمان، فهو دان الحداثة ورفضها كانتصار للأصالة. لكن كليهما انطلق من المكان، الأول: المدينة والثاني من الطبيعة.
وقد بنى هايدغر نقد الحداثة بصفتها خيانة للكائن، من خلال جعله العالم الذي يحيط بنا أمراً قابلاً للاستغلال، لأن الثقافة تفقدنا الاحتكاك بمعاني بيئتنا. فالعالم هنا يُقدّم نفسه، لكننا: «لم نعد نراه فقد نراه كما لو أن زجاجاً قذراً يغطي رؤيتنا».
من هنا ينطلق كل مسار هايدغر، أي ضرورة التجذّر العضوي والأصيل في البيئة... وهذا يعود إلى أن هايدغر (عكس بنجمان)، عاش في مناطق نائية، تكثر فيها الأشجار، والمياه ومنها استمد فلسفته وحتى اختياره السياسي: فهو يطالب بما يسمى «مسقط رأس»، بمشاهد الأرض وباللغة التي ترن بها. أي هذه الرغبة في الأصالة، وفي الإخلاص للبيئة، وهذا بالذات ما دفعه إلى أخذ بطاقة انتساب إلى الحزب النازي وقد بقي أليف النازية (التي تبشّر بالعودة إلى أصالة الآرية أو القومية الآرية) أي العودة إلى الجذور الآريّة التي تشابه إلى العودة إلى أصالة الطبيعة. وهذا بالذات ما جعله جزءاً أساسياً من الفكرة النازية، وهذا ما تأكد بعد نشر «أوراقه السود» مؤخراً في باريس.
لكنه اشتغل على «التفسيرات الفينيمولوجية» أي (الظاهراتية)، عند أرسطو، وحاول إيجاد مقاربة جديدة للمشروع الفلسفي: «هدف البحث الفلسفي هو الكائن»، وهي المرة الأولى التي يظهر فيها المفهوم المركزي للكائن. ويشير في ذلك إلى طراز حصري واستثنائي بالكائن «وهو الكائن الإنساني» والذي يُفترض دائماً أن يكون مستحضراً في العالم، و«إيجاد معنىً له»، مقابل الأشياء التي لا تتمتع بوعي وجودها، وهكذا يمكن الكائن العودة إلى ذاته، ويضيء المستقبل «مما يجعله يواجه القلق من موته».
وفي منزله الريفي، المحاط بالطبيعة، يحس هايدغر أنه قريب من الأرض والعناصر والريح والعواصف والصواعق«، لكنه يحس أيضاً بالعدم... وبالموت. ويُروى أن هايدغر عندما كان في منزله الريفي دوّت عاصفة، عندما كان يناقش أحد أصدقائه، فرأى صديقُه الرعبَ في عيني الفيلسوف... فكرة الكائن والعدم والوجود تأثّر بها جان بول سارتر (تأثر أيضاً بهوسرل وميرلي بونتي) خصوصاً في كتابه الشهير»الكائن والعدم. كما تأثرت به سيمون دو بوفوار في فلسفتها الوجودية النسائية، الجنس الثاني، وكذلك ألبير كامو...

لودفيك ويتغنشتاين (1980 - 1950)
عمله الأساسي:تراكستوس - لوجيكو فلسفي «(1921). يكتب العديد من الافتراضات يبدو فيها السياق غامضاً، يحاول أن يسبر بنية منطق اللغة، يحدد ما هو ممكن قوله وما هو غير ممكن للعالم.
إنه أحد الفلاسفة الأنغلو - ساكسونيين التحليليين، الذي يستند إلى المنطق الشكلي ويستمد منه استنتاجات إثنية ووجودية.
تمرّد على ثرائه العائلي الذي كان يمنعه من عيش حياته الفلسفية.. زهد بكل إرث عائلي بعد عودته من الحرب العالمية الأولى. كأنه انتحار مالي، قد لا يختلف عن انتحار ثلاثة من إخوته. بعد عدّة سنوات من ممارسة التعليم في الصفوف الصغيرة، يجد أن هذه المهنة لا توفر له الراحة. وإزاء خوف شقيقته من وقوعه في انهيار عصبي تجهد لإيجاد عمل جديد له: الهندسة المعمارية، وها هو ينطلق مع صديقه بول انجلمان بقوة لتحقيق مفهوم فيلا عائلته، فموهبته كما وجدها، وضع مبادئ منطقية في المعمارية. وفي نهاية 1926 وفي حي صغير في فيينا، بدا البناء وكأنه بروليتاري وتصاميم ويتغانشتين رسمها، منطقية، لا يترك فيها شيئاً للمصادفة. فكل ثقب يجب قياسه بالميلليمترات. وكأنه يرى في مشروعه هذا «فكره الخاص» في مادة منظمة منطقية تامة.
أي أن هناك رابطاً بين المعمارية والفلسفية، أي المعمارية الفكرية لبناء نظام فلسفي يمكن أن يتحقق تحت شكل من الفضاءات والأمكنة. فهذا البناء الذي رفعه هو تجسيد لهذا المفهوم صارم، متشفٍّ، بارد، بنوافذ ضيّقة توحي لدى رؤيتها من الخارج بشعور غامض وانغلاق. لكن يختلف الأمر في داخل البناء: أضواء، شفافية، اتّساع، فهو ليس تكعيبياً تماماً على طريقة بيكاسو ولا على طريقة البوهاوس، وحتى ليس لا على طريقة لوكوربوزييه. فالفيلا كما «ألتراكتوس» في الفلسفة، بين المنطقية، والوجودية، والمثالية.
ويقارب الفيلسوف اللغة من زاوية الشك اليقيني: هل يمكن اللغة وصف العالم؟ بطريقة صحيحة؟ كيف يمكن ذلك ممكناً عندما يكون التعاطي قائماً بين أمرين مختلفين ظاهرياً؟ كلمة «دوغ» بالإنجليزية، وكلمة «هاند» بالألمانية (للتسمية الكلب) ليس لهما أي علاقة بالكلب المشار إليه. فاللغة تقول شيئاً من المنطق الشكلي للعالم (وهذا ما قاله أفلاطون)، فالعالم واللغة يتقاسمان البنية الشكلية نفسها. لا تقول اللغة شيئاً لكنها تظن العالم في الوقت ذاته الذي يظن العالم بطريقة علاماتية مباشرة. «كتابي بمعنى ما، لا يقول شيئاً ذا معنى، لكنه» يظهر رؤية أخرى. كنتاج يُظهر عالماً آخر.... أكثر وضوحاً وصدقاً، وأقل تشوّهاً، بل أكثر سبراً، وأكثر معنىً». كما يقول الفيلسوف برتران راسل.

اقرأ أيضا

«بذور الشر».. تلقى قبولاً نقدياً وجماهيرياً