الاتحاد

ثقافة

نهج الوحدة الإنسانية

تنتهج الإمارات أسلوب «الثقافة القيادية»، في محاولة لبناء ثقافة مجتمعية مستديمة تحت عنوان «الثقافة أسلوب حياة»، وقد نجحت في ذلك بكل امتياز بفضل تكاتف الجهود في ممارسات القيادة وتوجيهها وتطبيقها للوصول إلى إكسابها خاصية الالتزام مدى الحياة.
وانتهجت الإمارات مبدأ الأفكار المتفردة، وهو ما يسمى علمياً تاريخ الأفكار الذي يدرس نشأة الأفكار الرئيسة التي سرت في نسيج العقل الإنساني تاريخياً، وقد أكد «هويزنجا»، وهو مؤرخ هولندي، دور الأفكار السائدة التي أنتجها رجال معدودون، ولم يغفل الصلة بين هذه الأفكار والحاجات والمصالح الاجتماعية الأوسع نطاقاً، مؤكداً الدور القوي والخلاّق للفرد.
ولسنا حالمين نغرد في سرب منعزل بل متفائلون ومتيقنون بأن الجهود التي تحمل النوايا الصادقة لا تموت، ولسنا ندعي الكمال ولكن نسعى إليه، ولا ضير في الكمال!. و«يصبح القادة عظماء لقدرتهم على تمكين الآخرين وليس لما لديهم من سلطة»، وثم تأتي أرقى مستويات القيادة وهي القمة، وهي المرحلة التي يستطيع بها القادة أن تكون لهم القدرة على التأثير في الآخرين ليصبحوا قادة بأنفسهم.

كبيرة التأثير والحضور
بعد تنامي حركة التحرر في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ظهر ما ما يسمى بـ«الدول الصغيرة» في المجتمع الدولي، وكان للتطورات والمعطيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التأثير الكبير على المعايير في التصنيف الدولي، مما أدى إلى وصف دول أخرى بـ«المايكرو دول» وهي الأصغر من الدول الصغيرة، وجاءت هذه التصنيفات الأولية نسبة إلى حجم الدول وعدد سكانها، وتصنيفات أخرى ذهبت إلى اعتبار الناتج المحلي الإجمالي معياراً. وكلنا موقن بأن التغير هو حقيقة كبرى في هذا الكون، ولن تبقى التصنيفات الدولية على حالها، بل لزام عليها التغير وفق المعطيات والمواقف، ولذا وصل التصنيف الحالي أن الدولة الصغيرة لا تسمى صغيرة بناء على نظرة الدول الكبيرة لها وفق حجمها أو عدد سكانها أو ناتجها الإجمالي، وإنما هو حضورها وتأثيرها في العائلة المجتمعية الدولية، وسمعتها إما من خلال قوتها الصلبة أو الناعمة أو الذكية، فالحجم ليس ضرورة على مقياس الحضور الدولي، والنماذج كثيرة في العالم على دول كبيرة لكن لا تأثير لها ولا حضور يُذكر. ولذا فإن دولة الإمارات وإن كانت تبدو على الخريطة الجغرافية من الدول الصغيرة إلا أنها أثبتت بسياستها الداخلية والخارجية أنها كبيرة التأثير والحضور.
إن مجتمع الإمارات «الصغير» يجمع بين الحداثة والقدم، وقد يكون متفرداً في المنطقة كأنموذج حضاري نجح في التوفيق بين الغربي والتراث في أكثر من منحى من مناحي الحضارة، وهو بشكل عام يؤثر في العملية الإبداعية في كافة حقول الفن والإبداع، بل إن هذا ما يعطيه التميز والتفرد أمام نسخ كثيرة متوفرة في العالم، ولكن في الوقت ذاته يصبح التمسك بالميراث القومي الذي يشكل المأثورات الشعبية من أبرز عناصره مطلباً ملحاً للدفاع عن التراث، تلك المأثورات التي تفاعلت وتصارعت واحتكت بالثقافات المجاورة وتواترت عبر الأجيال، لتشكل كل ما صدر عن جميع فئات المجتمع وطبقاته من إبداع وشعائر وطقوس ومراسم ومعتقدات لتخلق ثقافة خاصة تمثله مثل: اللغة والموسيقى والأشعار والأهازيج والأزجال والرقص والحكايات والصناعات والحلي.. وغيرها، وإن أهم ما يعطي الإبداع الحوكمي والتفكير الابتكاري قيمته الحقيقية هي: المرونة والطلاقة والأصالة ويكاد ينعقد الإجماع على أن الأصالة هي أهمها، وهي المقدرة على إنتاج أفكار جديدة، غير شائعة. وهو ما نعتبره في الوقت الراهن ضرورة حتمية أمام التغير المتسارع والمهول للعالم في شتى مجالاته، بل وإن الإبداع الحقيقي هو الذي يرسخ المبادئ والقيم ويحافظ على دورها المتأصل للإنسانية وأهميتها الخالدة. وهذا التفرد بالحفاظ على الذات مع محاولة انتشال الآخر في سبيل إكساب الحياة أملاً وهو ما كان مع مبادرة «صُنّاع الأمل». إنه تشجيع الفكر المتزن الناضج، ولذا فالمبادرات الأدبية واجب حضورها إلى جانب الأنماط الفنية والإبداعية والإنسانية الأخرى التي تعمل يداً بيد في تشكيل الحضارة أمام التحولات الفكرية والسياسية التي شهدها العالم العربي.

العلم والتاريخ
يحضرنا قول المغفور له الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه: «إن العلم والتاريخ يسيران جنباً إلى جنب، فبالعلم يستطيع الإنسان أن يسطر تاريخه ويدونه ويحفظه للأجيال....»، ومن هذه الرؤية تأتي كل المبادرات ضمن خطة محكمة في التوجه نحو استخدام القوة الذكية الاستخدام الأنسب والتي تعمل جنباً إلى جنب مع القوة الناعمة لتثبت للإنسانية بأنه يمكن لدولة صغيرة جغرافياً أن يكون لها تأثير دول تفوقها مساحةً وسكّاناً، إلا أنه الكيف والجودة وليس الكم هو ما تطمح له القيادة الرشيدة. ولذا تأتي المبادرات ضمن خطة عشرية إلى حلول العام 2025، من أجل محو مثلث الضعف: (الجهل، المرض، الفقر) كتحدي القراءة العربي الذي استطاع أن يستقطب أكثر من 10 ملايين مشارك، إضافة إلى تشجيع الأدب الروائي من خلال الجوائز المتاحة لكل النتاجات العربية، ومبادرة المبرمج العربي، وغيرها من المبادرات التشجيعية من المؤسسات العليا إلى المؤسسات على مستوى الأفراد في الدولة أو الحكومات المحلية التي أخذت على عاتقها ذات النهج في ممارسة تلك القوة الذكية، إضافة أن هذه الجوائز الأدبية والعلمية والثقافية والفنية والسينمائية والطبية، جاءت لتخاطب العالم العربي أجمع بل ومن يتعاطى باللغة العربية كذلك إنه حراك إنساني من الدرجة الراقية، ذلك الحراك الذي يساهم في حياة أجمل وفكر أفضل ورؤيا أشمل.
إن دولة الإمارات التي كانت ولم تزل تدعو للوحدة، تطلق تلك المبادرات الإنسانية والثقافية والعلمية والأدبية والابتكارية في سبيل نشر المعرفة ومحاربة الفقر والمرض وتمكين المجتمع والريادة. وعلى الرغم من الإحباطات السياسية في الوطن العربي، الذي نئن لأنينه، ونألم لألمه ونرجو زواله، تشرئب كل تلك المبادرات إثباتاً لما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «سيقولون بعد زمن طويل، هنا كانوا، هنا عملوا، هنا أنجزوا، هنا ولدوا، وهنا تربوا، هنا أحبوا وأحبهم الناس».

سلسلة تاريخية ثقافية
ولم تكن هذه الحركة الحضارية على هذه الأرض وليدة الأرض بل جاءت ضمن سلسلة تاريخية ثقافية بدأت إرهاصاتها قبل قيام الدولة بزمن بعد محاولات فردية كثيرة، ثم بدأ الحضور المؤسسي عن طريق الصحافة، حين صدرت صحيفة «الاتحاد» في عام 1969 في أبوظبي ثم مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر في دبي، وصحيفة الخليج بالشارقة 1970 وجلف نيوز عام 1979 وصحيفة خليج تايمز اليومية عام 1987 وزهرة الخليج وكل الأسرة وغلف توداي الإنجليزية في عام 1996 وصحيفة الوحدة 1973 عن دار الوحدة للصحافة وغيرها من المجلات والدوريات الرسمية والمهنية والرياضية والعلمية والثقافية والتراثية. إلى جانب مراكز بحوث من أبرزها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبوظبي في العام 1994، لنشر بحوث ودراسات وكتب ومحاضرات سياسية واقتصادية واجتماعية عن الإمارات والخليج العربي والدول الإقليمية والقضايا العالمية، إضافة إلى مركز الخليج للأبحاث في دبي ودائرة الإعلام بالشارقة، ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث والذي يضم كماً هائلاً من أهم وأندر المخطوطات على مستوى الوطن العربي.
والمبادرات التي سبق ذكرها في أول المقال جاءت متممة للمبادرات الداخلية التي أخذت الهيئات والحكومات والمؤسسات على عاتقها النشر المعرفي والثقافي والفني والمجتمعي التي هي أساس الحضارة. ولزام أن نذكر بعضاً من المبادرات الداخلية والتي بدأت منذ الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي كالمجمع الثقافي، والنادي الثقافي العربي في الشارقة والذي تأسس عام 1981 واحتضان مهرجانات الطفولة السنوية والمسرح العربي ومسرح الطفل ومعارض الكتاب والأمسيات والكثير من المعارض المستمرة إلى وقتنا الحالي، والتي لا يمر شهر إلا وينشغل الإبداع بما أتيح له فيها من فضاءات وآفاق، لتأتي المبادرات الإقليمية إكمالاً للرؤية الواسعة والشاملة. وهذا الاحتكاك هو من أهم ما يثير ويستفز الإبداع بشتى أنواعه، فلا يولد الإبداع إلا في بيئة مشحونة بالتحدي.
إن كل المحاولات السياسية والفكرية والثقافية والعلمية تأتي كردة فعل على الفكر السائد بأن النموذج الحضاري الغربي هو المهيمن، ولذا نرفض الوقوف دون حراك أمام المتغيرات في العالم، ولابد من النظر إليها من منظور ماكروسيسيولوجي لفهم الطريق الأنسب في استيعابها، ودولة الإمارات تتبع محاولة الازدهار الذاتي الإقليمي ولا زلنا نرى كل تلك الإنجازات «مرحلة جنينية» طامحة للوصول لمرحلة الولادة التاريخية في محاولة الانفتاح الحقيقي على النوافذ الثقافية والأدبية والعلمية للمّ شتات الشعوب. ولا ادعاء هنا بأن المهمة يسيرة ولكن لابد من المحاولة والعمل «فالذين يبحثون عن الذهب يحفرون الأرض كثيراً..». وسوف تستمر الجهود الصادقة والمحاولات الجادة منا لترك الأثر الطيب ونسعى لأن يذكرنا التاريخ ونوسم بأننا أثرنا ونشرنا روح المعرفة وقيم التبصير والتنوير في العالم واستطعنا أن نتفرد في حضورنا.
ونختم بمقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «لا تحتاج للكثير من المال كي تحدث تأثيراً، تحتاج فقط إلى قلب حيّ يتلمس مواضع الخلل، ويعمل بإخلاص، كي تستأنف هذه المنطقة حضارتها، لو أن كل واحد منا أعطى عُشر ما يأخذه ما بقي بيننا فقير أو مريض أو جاهل».

اقرأ أيضا

«المكتبة الإلكترونية» مشروع يعزز القراءة في الشارقة