الاتحاد

ثقافة

استراتيجية أبوظبي الخمسية «2019 - 2024».. رؤية ثقافية تصنع المستقبل

يقدم الإعلان عن الاستراتيجية الثقافية الخمسية في العاصمة أبوظبي، الرؤية الواضحة للأولويات التي تستند إليها دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، والتي تقدم للمجتمع بوصلة نوعية، لإدراك شكل التحرك عبر المسارات العلمية والبحثية والتوثيقية، للوعي بالدور المشترك بين المؤسسة الثقافية، والقطاعات الخاصة، والفرد، باعتباره يتحمل مسؤولية المشاركة في تفعيل الرؤية بالتجربة المعرفية، والمساهمة بالإمكانات والقدرات عبر إضفاء قوة الموارد البشرية، القائمة على تبني أشكال جديدة تطور المعنى الثقافي من دور «الاستراتيجية» في كونها تركز على حفظ تراث أبوظبي الثقافي واستدامته، ضمن عملية متكاملة لبناء وتنمية المكون الثقافي، على المستوى المحلي، يقودها الوعي بمكامن القوة للإمارة من خلال البحوث المتصلة بالاتجاهات العالمية، ما أنتج تصورات أساسية لأبرز 5 قطاعات وضعتها إمارة أبوظبي، خلال الفترة ما بين «2019 - 2024» كركيزة وهي: «التراث»، «العمارة والتصميم»، «الفنون البصرية»، «الوسائط المتعددة والألعاب» و«الموسيقى». والسؤال الرئيس حول الاستراتيجية الثقافية الخمسية في أبوظبي، يتشكل بصورة أولية حول تأثيرها في المتغير «الاجتماعي» من ناحية أسلوب الحياة اليومية، خاصةً أن الثقافة وبنية التراث مرتبطة بتطور المجتمع المعاصر وقيمه، والمتغير «الاقتصادي» في تأسيسه لبنى الصناعات الإبداعية بمفاهيم جديدة على المنطقة والمرتبطة بثقافة الاستثمار الثقافي.

«البنى التحتية للقطاع الثقافي»، هو الفضاء الأساسي الذي تتحرك فيه الأهداف الـ 5 التي رسختها الاستراتيجية الثقافية، ممثلةً «البنية الفكرية» لماهية عوالم الثقافة بأبوظبي، أو ما يمكن تسميته بالطريقة التي رسم فيها مسار التأثير والتحول في مجالات التراث والفنون والصناعة الإبداعية، منطلقة في أهدافها أولاً: بمبدأ حماية تراث أبوظبي وصونه، ثانياً: تعزيز الوعي بالتراث والفنون وزيادة مشاركة المجتمع المحلي والزوار في أنشطتها، ثالثاً: تحفيز الإبداع، باعتباره محركاً للتعليم والتغير الاجتماعي، رابعاً: تمكين الكوادر البشرية الوطنية في القطاع الثقافي بأبوظبي، خامساً: المساهمة في النمو والتنويع الاقتصادي.
الأهداف بطبيعتها تهدينا نظرة عامة نحو مستقبل الأشياء، إلا أنها في نفس الوقت، تتيح للمتابعين في الحراك الثقافي والباحثين المتخصصين، والمبدعين أنفسهم، تقديم قراءات تفصيلية من شأنها أن تضفي رؤى تُدعم رؤية الاستراتيجية الثقافية، وتُسهم في توسيع نطاق تناول الثقافة، بوصفها تحمل بعداً أصيلاً يُشكل هوية المجتمع وذاكرته، من بينها «متحف زايد الوطني»، باعتباره أبرز المشروعات الرئيسة ضمن الاستراتيجية الثقافية، الذي يشهد في الوقت الحالي مرحلة الأعمال الإنشائية، ويسلط الضوء على تاريخ الإمارات والمنطقة وعلاقاتها الثقافية مع البلدان في جميع أنحاء العالم، مجسداً رؤية وقيم المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ويعرض تاريخ أرض الإمارات العريق منذ أقدم المستوطنات البشرية وقصة قيام الاتحاد.

البحث الفكري والتاريخي
المبادرات التي أطلقتها دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي، ضمن محور «صون التراث المعنوي والبيئة التاريخية لإمارة أبوظبي»، جاءت بمشاريع عدة، اعتمدت على التكنولوجيا الحديثة، وتحديداً فيما يتعلق بمجال التقنيات الرقمية، ووضعت «التراث» مجدداً على طاولة النقاش المجتمعي، من خلال أن تحفظ استمرارية فرصة تجربة ممارسة الموروث الثقافي، وجعله متداولاً لتعميق البحث الفكري والتاريخي. وهذا ما يجعلنا نركز على مبحث «التراث الثقافي»، والذي يعتبره الباحث الدكتور جمال عليّان عبر كتابه «الحفاظ على التراث الثقافي» بأنه مرادف لـ«المعلم الثقافي» و«المصدر الثقافي»، معتبراً أن هناك ميلاً اليوم إلى فهم المصادر التراثية بشكلها الواسع على أنها علامات توثيق النشاط الإنساني وإنجازاته عبر التاريخ، موضحاً أهم مصطلحات المدرسة الأميركية حول «إدارة المصادر الثقافية»: «هي مجال المهارات الهادفة إلى الفهم والحفاظ، لتحقيق المتعة بتلك المصادر الثقافية. وهذا يحتوي على البحث حول التراث الثقافي، والتخطيط لأعمال تقديرية لها ومراقبتها في نظام نسيجها العام، وهي أيضاً متضمنة عملية دعم تقديرها وتحضيرها للاستخدام الثقافي المتوافق».
والانطلاق بهذا الفهم، يجعلنا نُدرك أهمية مبادرة دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي في مجال «ترميم وحفظ المواقع». ففي عام 2011 أدرجت «مواقع العين الثقافية»، ضمن قائمة اليونسكو، كأول موقع إماراتي على لائحة التراث العالمي. وتذكر الدائرة 13 موقعاً تم الحفاظ عليها وعرضها للجمهور، وجميعها تحميها لوائح التطوير والمبادئ التوجيهية، إلى جانب 60 موقعا تم الحفاظ عليها ضمن برنامج الحفظ الطارئ، و13 موقعا تم الحفاظ عليها ضمن برنامج الحفظ الشامل. ومن بين مواقع العين التاريخية على قائمة «اليونسكو»: جبل حفيت وهيلي وبدع بنت سعود. إضافة إلى أن 100% من التراث المسجل في أبوظبي محمي بتدابير الحماية الوقائية والعلاجية. وبالنظر إلى مبادرة «المواقع الأثرية والمباني التاريخية والمناظر الطبيعية الثقافية»، ستعمل دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي على 6 مشاريع بحثية، ضمن الاستراتيجية الثقافية الخمسية، وسينمو من خلالها معدل الممسوحات وعمليات التنقيب من 22 إلى 25 عملية في مجال التنقيب والأبحاث. كما تتواصل أعمال الحفريات والتنقيب والتوثيق وحماية المواقع الأثرية المهمة في أبوظبي، بما في ذلك «جزيرة مروّح» التي تضم أقدم قرية معروفة استوطنها الإنسان في إمارة أبوظبي قبل حوالي 8000 عام، وجزيرة صير بني ياس التي اكتشف فيها كنيسة ودير صير بني ياس، ممثلاً أول موقع مسيحي في الدولة، ومواقع بينونة الاحفورية.
الحفاظ على «المناظر الطبيعية الثقافية» كجزء حيّوي من التراث، يعود بنا إلى ما ذكره الكاتب أولريش بيك أستاذ علم الاجتماع في جامعة ميونيخ في كتابه بعنوان «مجتمع المخاطرة» أثناء حديثه عن ظاهرة «المخاطر المرتبطة بالتحديث». في فصل تناول «الطبيعة والمجتمع في نهاية القرن العشرين» كتب: «في إطار الحداثة المتقدمة صار مستحيلاً، فهم المجتمع وكل النظم الجزئية الاقتصاد، السياسة، الأسرة، الثقافة بمعزل عن الطبيعة، فالمسائل البيئية، لم تعد مسائل تدور في «الجوار»، بل صارت من دون مواربة -إن في تكوينها أو شكلها - مسائل اجتماعية، مسائل تتعلق بالإنسان، تتعلق بتاريخه، وشروط حياته، وبعلاقته بالعالم وبالواقع، وبتنظيمه الاقتصادي، الثقافي والسياسي. بل لا بد من الذهاب إلى حد اعتبار «الطبيعة الداخلية»، لعالم متحضر متحول بفعل التصنيع بمنزلة النموذج إلى اللا -بيئة، كما لو كان بيئة داخلية، تبدو إزاءها كل قدرات التماسف والإقصاء التي نبذلها عاجزة تماماً. مع نهاية القرن العشرين أصبح الأنموذج كما يلي: الطبيعة هي المجتمع. والمجتمع هو أيضاً (طبيعة). والاستمرار الآن في الحديث عن الطبيعة بوصفها اللا-مجتمع يعني الاستمرار باستخدام مقولات تتحدث عن عصر آخر، وهي مقولات باتت عاجزة عن إدراك واقع هو واقعنا».
إذن فالسؤال الفعلي، حول أثر المحافظة على المناظر الطبيعية الثقافية التي سنتها دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي، كمرجعية ثقافية في الوعي المجتمعي، يتطلب بشكل كبير، تحويله من المكون القانوني والتشريعي وهو الحماية الثقافية إلى ممارسته باعتباره «فكراً» في المناقشة المجتمعية، ما يستدعي متخصصين يبسطون المفهوم الثقافي للمناظر الطبيعية، وجعلها جزءا من الحضور المعرفي العام للإرث المجتمعي، أن يتجاوز موضوع الحفظ والصون إلى مرحلة إعادة الاكتشاف، كأداة للتفكير والبحث والتأمل. لا أن يكون مجرد مكان، بل يمتد في الفهم الثقافي كونه مؤثراً في تشكيل الوعي نحو البيئة التاريخية ودورها في إثراء التجربة الآنية للفرد في مجتمعه، وقد يضع البعض تصورات في إمكانية أن يحدد المنظر الطبيعي الثقافي أشكال الحياة المستقبلية.

التراث.. كائن حي
في سياق متمم، لما ذُكر مسبقاً، يرى الدكتور فردريك معتوق، في حديثه عن «سوسيولوجيا التراث» أهمية الموقف العلمي في التعامل مع التراث كونه كائناً نتعامل معه بشكل حيّ، مؤكداً بقوله: «إدخال التراث إلى دائرة المعارف الحيّة، الاختبارية والتجريبية، وعدم الخوف من إخضاعه للعقل، مع ما يعني ذلك من استثماره للعلوم الحديثة كافة في مقاربته. وربط التراث بسياق حياتنا اليومية والعملية المعاصرة»، ويمكن تطبيق ذلك أيضاً على التراث الحديث، الذي تم الاشتغال عليه من قبل دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي، عبر مبادرة «استدامة وتعزيز التراث المعاصر» وحماية التاريخ الحديث والتطور العمراني في أبوظبي وصونه والاحتفاظ به، من خلال تسجيل دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي لـ326 موقعاً مسجلاً في التراث الحديث، والمعالم التي تم حمايتها بنجاح هي: هيلتون العين، محطة حافلات أبوظبي، جامعة الإمارات العربية المتحدة، استاد مدينة زايد الرياضية، لو ميريديان، هيلتون أبوظبي. والسؤال التفاعلي اليوم، كيف يُمكن تخيل طبيعة تطوير العلاقة لهذه المعالم مع المجتمع عبر التجربة والمعرفة؟ ربما عزم الدائرة على إصدار كتاب يحتفي بتراث أبوظبي الحديث، يُعد امتداد للفعل المعرفي في هذا الجانب، الذي تتبنى فيه الاستراتيجية الثقافية الخمسية 3 مشاريع إعادة تأهيل مكتملة، إضافة إلى الاشتغال على 6 سياسات حول تسجيل وحماية وصيانة التراث الحديث. يتخلل ذلك وضع التوصيات والإرشادات والأنظمة والحوافز المالية للاحتفاء بالتاريخ الحضري الحديث وحمايته. والجدير بالذكر أن 100% من تراث أبوظبي الحديث تم جرده، و100% من مطاعم أبوظبي تم تسجيلها وحمايتها كأماكن ذات أهمية ثقافية.
في جزئية «حفظ وصون التراث الثقافي غير المادي في أبوظبي»، يمكن النظر إلى سجل التراث غير المادي: قامت دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي بتوثيق ورقمنة جميع عناصر التراث الثقافي غير المادي في سجل التراث الثقافي غير المادي، يصل إلى 900 عنصر موثق من عناصر التراث الثقافي غير المادي، وتعمد الاستراتيجية الثقافية الخمسية إلى رفع عدد العناصر المسجلة إلى 1360 عنصراً موثقاً من بينها 700 عنصر مرقمن، وهو أمر يعود بنا إلى مسألة «توثيق التاريخ الشفهي»، الذي اعتمدت الدائرة توسيع نطاقات الاستفادة من زخمه من خلال نتائج المؤتمر الخليجي السنوي للتراث والتاريخ، إلى جانب دعم الحرفيين وتعريف الجمهور بالمهارات الحرفية التقليدية ومنتجاتها، عبر مهرجان الحرف والصناعات التقليدية في العين، وتتضمن الاستراتيجية الثقافية في هذا القطاع على إعداد برنامج تعليمي داعم للمناهج الدراسية لتسهيل نقل مهارات التراث الثقافي غير المادي من جيل إلى آخر، يستهدف 900 من كبار الحرفيين المدربين. ما يدعو مجدداً للتساؤل حول عملية «تعليم مهارات التراث» ودور «مهرجان التراث غير المادي» الذي سيعمد إلى إنتاج ونشر موسيقى التراث غير المادي على المنصات الرقمية، وتهدف الاستراتيجية الثقافية بالوصول إلى 100 ألف متابعة رقمية، إضافة إلى إقامة مهرجان للتراث البحري في عام 2020.
استمراراً في موضوع حفظ التراث غير المادي، تأتي مبادرة «لئلا ننسى» وهو ثمرة تعاون بين مؤسسة سلامة بنت حمدان آل نهيان والدائرة، والقائمة على استكشاف الذاكرة الشعبية، وتوثيق التراث الثقافي بدولة الإمارات عبر مشاريع أكاديمية، وبحثية وفنية، لجمع وأرشفة الصور العائلية والمقتنيات التذكارية الخاصة بأفراد المجتمع المحلي، وتسجيل وتوثيق التاريخ الشفهي، وإجراء الأبحاث والدراسات، والتنسيق الفني للمعارض، نتج عنها إصدار الكتب، والمطبوعات والأفلام، والقصص المصورة، وتصميم المنتجات ذات الصلة، وما حققه من تفاعل مجتمعي، عبر عدة مستويات، أنشأ بعداً متعلقاً بشكل مفاهيم التعاطي مع التراث، يمهد لفهم مشروع «بيت التراث» ضمن الاستراتيجية الثقافية الخمسية في صناعة مساحة لفنون الأداء التقليدية لتعلم وممارسة تقنيات ومهارات أداء التراث غير المادي، بما في ذلك: العيالة والرزفة، والتغرودة، والعازي، والنهام، والمنكوس، والردحه، والونة، والطارق، التي تم تسجيل بعض من هذه العناصر، باعتبارها تراثاً وطنياً على القائمة التمثيلية لـ «اليونسكو». وتم طلب ترشيح لـ6 عناصر إضافية للتراث الثقافي غير المادي عبر الاستراتيجية الثقافية للسنوات المقبلة بإجمالي يصل إلى 14 عنصراً.
التركيز على كيفية التفاعل مع التراث غير المادي، يمثل جزءاً مهماً من تحديث عملية تحقيق التراث، بالمرور إلى فعل التفاعل المباشر معه، في كتابه «التراث والحداثة دراسات.. ومناقشات»، أوضح الباحث الدكتور محمد عابد الجابري، حول مسألة تحقيق التراث، بقوله: «تحقيق التراث لا يمكن أن يتم إلا بإلغائه، أي بتجاوزه. والتجاوز هنا لا يعني التخطي أو القفز من فوق. بل الاحتفاظ والنفي، وبعبارة أخرى أن تحقيق التراث يتطلب عدم التقوقع فيه والوقوف عنده، بل تطويره وتطويعه بالشكل الذي يسمح بتحقيقه، على ضوء متطلبات العصر وظروفه. إنه النزول به من «ميدان العقل» إلى «ميدان الواقع»، من التصور النموذجي المثالي إلى التطور التاريخي. والخطوة الأولى في هذه الطريق هي إعادة قراءة التراث نفسه، إعادة تقييمه على ضوء الواقع الذي أنتجه، لابد إذن من التاريخ، بل لابد من إعادة بناء التاريخ، وبعبارة أخرى لابد من تصحيح وعينا بتاريخنا».
وهو ما ينقلنا إلى أشكال رفع الوعي وتشجيع المشاركة في التراث الثقافي والفنون، والذي سينتج عنه على سبيل المثال مشاريع ثقافية ستبرز في عام 2020 وهي: بيت محمد بن خليفة ومتنزه جبل حفيت الصحراوي وحصن المربعة، وما سيشكله مع التراكم الثقافي لـ «مواقع الظفرة»: صير بني ياس ومتحف دلما وحصن الظفرة وحصن ليوا، وجميعها تحتاج إلى أدوات تفسير تعليم الفن والتراث في المدارس، التي تتبناها دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي، معلنة في استراتيجيتها الخمسية بأن ترفع معدل الأدوات المستخدمة من 130 أداة إلى 200 أداة، يصل فيه عدد الطلاب المشاركين ببرنامج التراث غير المادي، من 12 ألفاً إلى 20 ألف طالب، بينما سيصل عدد معلمي الفنون إلى 2250 معلماً، إلى جانب أنه سيتلقى 618 إماراتياً تدريباً مهنياً في مجال الثقافة، وبحلول 2024 سيتم توظيف 408 إماراتيين داخل المتاحف في جميع أنحاء أبوظبي.

صون المباني التاريخية
قبل الانتقال إلى عمل دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي على تطوير المتاحف والمجموعات الفنية، وجب الإطلاع على صون الدائرة للمباني التاريخية وترميم المعالم، والمنشآت المهمة وإعادة استخدامها كمراكز ثقافية ومجتمعية من مثل: موقع الحصن الثقافي، قلعة الجاهلي في العين، مركز القطارة للفنون وقصر المويجعي، وهو أمر يُحسب للدائرة، ومنه ينتج ما يمكن تسميته بـ«المنهج» في تحويل المكان الثقافي إلى حالة ثقافية، تُسهم في إنتاج فعل ومنتج ثقافي في آن واحد، إلا أن طبيعة هذا المنهج يُمكن التعامل معه كأداة كما أوضح الباحث الدكتور محمد عابد الجابري، في دراسته لمسألة التراث والحداثة، بقوله: «إن المنهج، مهما كان، هو أداة، والأداة لا تبرز فعاليتها إلا عند استعمالها، إلا بمقدار مطاوعتها وقدرتها على التكيف مع المعطيات التي تعالجها. يقال عادة إن الموضوع هو الذي يحدد نوعية المنهج، وهذا صحيح، ولكن يجب أن يضاف إلى ذلك أن المنهج، أي منهج، يؤثر بدوره في طبيعة الموضوع، بل يصنعها ويقدمها على صيغة أو صيغ من دون أخرى. فليست هناك طبيعة جاهزة خاصة بأي موضوع، بل هناك «طبيعة» أو «طبائع» تصنع، هي عبارة عن الفهم الذي نكونه لأنفسنا عن الموضوع. لقد عولج تراثنا، ويعالج، بمناهج مختلفة، وبالتالي انطلاقاً من رؤى معينة صريحة أو ضمنية. ولكننا رغم تعدد المناهج والرؤى ما زلنا نحس بالحاجة تتزايد لقراءة تراثنا قراءة جديدة». وأضاف: «فعندما نتحدث عن الماضي أو الحاضر أو المستقبل يجب أن نصدر في ذلك عن رؤية واضحة واعية: إن الماضي والمستقبل، هما كالحاضر، ليسا واقعين جامدين ولا شبحين ملفوفين في كتلة من الضباب، بل هما صيرورة وحركة ونتيجة صيرورة وحركة».
الأنظمة المتحفية، تُعد من أبرز المقومات الأساسية لمنظومة القطاع الثقافي في دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي، بعد محور «التراث» الذي يُشكل عمق العملية التنظيمية في القطاع الثقافي للإمارة، حيث أعارت مجموعة أبوظبي الفنية 138 قطعة لمتاحف ومؤسسات ثقافية عالمية، وتعتبر الأعمال الفنية المسجلة نحو 40205، وسيرتفع العدد ضمن الاستراتيجية الثقافية إلى 96000 عمل مسجل، وبالنسبة للأعمال الفنية المرممة، فإنها تقدر بـ822 عملاً، وسيتم العمل على زيادتها إلى نحو 3000 عمل مرمم، خلال السنوات المقبلة من عمر الاستراتيجية الثقافية للإمارة، وسيعمل القائمون على تطوير المتاحف والمجموعات الفنية، على توسيع حيز مخازن الأعمال الفنية من 5 مخازن إلى 8 مخازن، بالمقابل فإن أعمال الترميم التي تتم في مركزين، ستنال اهتماماً أكبر من خلال تضمين الاستراتيجية الثقافية بإنشائها نحو 4 مراكز إضافية بإجمالي 6 مراكز.
تضم مجموعة أبوظبي أعمالاً عبر العصور في المجالات التالية وهي: العصر الطباشيري والعصر الميوسيني والعصر الحجري القديم والعصر الحجري الجديد والعصر البرونزي والعصر الحديدي والعصر ما قبل الإسلام، والعصر الإسلامي والعصر الحالي، وتتناول مجالات علم الآثار وعلم الحفريات المتمركزة على جانبي «الفن» من خلال التصوير والنحت والفيديو والوسائط الرقمية والأعمال التركيبية وفنون الرسم، و«التاريخ الاجتماعي» عبر الموسيقى والتراث غير المادي والزراعة والأدوات والأسلحة والمخطوطات والكتب النادرة. وتأتي ضمن الاستراتيجية الثقافية محور الاهتمام بالزوار من الطلاب للمتاحف، واستهداف زيادة عددهم من 100 ألف إلى 315 ألف طالب، والمرتبط كذلك بمسألة عدد المشاركين بالأنشطة التربويه ورفع عددهم إلى 1.6 مليون مشارك، وهو بطبيعته يؤثر على هدف الاسترتيجية الثقافي في تشجيع الإبداع كمحفز للتعليم والتغير الاجتماعي من خلال أنها تعمد إلى زيادة عدد البرامج من 750 برنامجا إلى 1200 برنامج، متوقع فيه نسبة حضور تصل إلى 8 ملايين.

الوعي بـ «التراث»
العمل في مجال الوعي بـ«التراث» و«الأنظمة المتحفية» استدعى «بناء القدرات وتمكينها في قطاع أبوظبي الثقافي»، وفق الاستراتيجية الثقافية فإن إجمالي السياسات الثقافية لبناء قدرات القطاع الثقافي في الفترة ما بين 2019 إلى 2024 ستصل إلى 85 سياسة تغطي المجالات التالية: المتاحف الخاصة، صالات العرض، البيئة التاريخية، التراث غير المادي، سياسات الملكية الفكرية، استيراد وتصدير الممتلكات الثقافية، مقتنيات السجل الثقافي الوطني، يتضمنها «برنامج الإحصاءات الثقافية في أبوظبي» وهو أول برنامج إحصائي ثقافي شامل من نوعة، في المنطقة. يقدم البرنامج بيانات دقيقة ومتطورة، علمياً لتقييم أداء القطاع وتحديد آثاره الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، تسعى الدائرة عبر الاستراتيجية الثقافية إلى أن يصل عدد مستخدمي النظام خلال السنوات القادمة من عمر الاستراتيجية الخمسية إلى 10 آلاف مستخدم. عبر إنشاء 20 شراكة استراتيجية مع الأكاديميات والجامعات.
سعت دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي، بهذا الصدد، إلى إعداد برامج علمية تدعم بناء القدرات من خلال منحة سلامة بنت حمدان للفنانين الناشئين وهو برنامج متخصص في مجال تعليم الفنون يمتد لـ10 أشهر، ويستهدف الفنانين الواعدين من دولة الإمارات، وتشرف مؤسسة سلامة بنت حمدان آل نهيان على إدارته بالشراكة مع كلية رود آيلاند للتصميم. تتضمن المنحة، تحفيز الطلبة على انتهاج المسار الأكاديمي للفنون واكتساب مهارات احترافية، وتطوير قدراتهم على التحليل والتقييم ومناقشة أعمالهم. إضافة إلى ذلك صممت دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي «منصات التعليم» يتضمن «متحف الأطفال في اللوفر أبوظبي»، «مركز الأطفال للفنون، » «المرسم الحر»، «بيت الخط» «مكتبة أبوظبي للأطفال«، «ستوديو التصوير»، «ستوديو الفنون في منارة السعديات»، «مركز القطارة للفنون»، و«بيت العود». واستكمالاً لمحور التعليم، تُقدم الدائرة برنامج تنمية المواهب «موهبتي»، يهدف برنامج موهبتي إلى تحديد وتعزيز المهارات الفنية للطلبة الموهوبين، ورفدهم بمنصة لتحقيق النجاح الأكاديمي في الفنون، عدد الطلاب الذين شاركوا بالبرنامج وصل إلى 508 طلاب، والمتوقع أن يصل الطلبة المشاركون إلى 3000 طالب، ويتم العمل لوصول نحو 700 مشارك في برنامج الجمهور الخاص.

الصناعات الثقافية والإبداعية
من بين أهم الأهداف الرئيسة في الاستراتيجية الثقافية الخمسية لإمارة أبوظبي هي «المساهمة في النمو والتنوع الاقتصادي» تندرج على رأس هذه القائمة «الصناعات الثقافية والإبداعية»، التوقف عند هذا المفهوم مهم جداً، لأنه تفكير جديد، في البيئة الناشئة في القطاعات الإبداعية الشبابية، ويعتبر محركا ضروريا، شكل في وقت سابق معضلة رئيسة في المنطقة المحلية. وبالنسبة لدائرة الثقافة والسياحة أبوظبي، فإنهم يرون بأن قطاع الثقافة والصناعات الإبداعية، يشهد وتيرة نمو كبيرة بمعدل ثلاث مرات أكثر مقارنة مع الاقتصاد العالمي، وهو القطاع الأسرع نمواً في الشرق الأوسط كما أنه يشكل أيضاً أحد أكبر جهات التوظيف التي تستقطب أشخاصاً تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة. ومنه يكون السعي لتحقيق النمو في الأعمال، وتعزيز الاقتصاد. وتتطلع إمارة أبوظبي، إلى أن تصبح مركزاً معروفاً على المستوى العالمي، للمواهب المبدعة ومنتجاً ومصدراً إقليمياً رائداً للمحتوى الإبداعي والثقافي.
على أثر ذلك، تقوم الاستراتيجية الثقافية في أبوظبي بتوسيع نظامها لتعزيز قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية من خلال 860 مبادرة خلال السنوات القادمة، ضمن الاستراتيجية الثقافية، تحتوي على 168 مبادرة المكان، وهي أنشطة تعزز جودة الحياة في الإمارة: الرفاهية والتنوع وحيوية التعبير الثقافي، و250 مبادرة تطوير الأعمال، بمثابة أنشطة لتطوير السوق، تجذب الاستثمارات والمؤسسات وقوى العمل وتحافظ عليها. و200 مبادرة في مجال الابتكار، من خلال وضع سياسات وأنظمة تدعم النظام البيئي الإبداعي المستدام، و192 مبادرة المواهب وهي برامج التطوير التي تولد مواهب محترفة تعتمد على المعرفة. و50 مبادرة متعلقة بالحوكمة. حيث ستسهم مبادرات قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية في دعم المجتمع والاقتصاد وتوفير فرص العمل تُقدر بـ45 ألف وظيفة، والمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى 28 مليار درهم.
«الصناعات الثقافية والإبداعية» ليست قطاعاً مفصولاً عن الحراك الثقافي ككل، بل إنها تدخل في دراسة أشكال التفاعل المادي سواء موضوع التصنيع نفسه، أو تدفق الأموال لأشكال تصنيعية بعينها، ويمكن أن يطلع عليها المختصون من خلال متابعة نسبة مزاولة أنشطة معينة في المبادرات المجتمعية، بالاستناد إلى بيانات متعددة لرصده، من مثل «ترخيص التراث غير المادي»، الذي أوضحت الدائرة بأن هناك 20 فعالية ونشاطا تراثيا مرخصا، تعمد في استراتيجيتها الثقافية للوصول بها إلى نحو 60 نشاطا، بنسبة إجمالية تصل إلى 80 نشاطا وفعالية، كما أطلقت الدائرة مبادرة «صنع في أبوظبي»، وهو إطلاق خط إنتاجي جديد لمنتجات الحرف اليدوية تحت شعار «صنع في أبوظبي» بالتعاون مع مبادرة «صوغة»، ومؤسسة الغدير للحرف الإماراتية، والاتحاد النسائي العام.

تسويق المنتج التراثي
اللافت هو أن استراتيجية دائرة الثقافة والسياحة أبوظبي في منهج «تسويق المنتج التراثي»، يقوم على إبرام شراكات مع المنصات التجارية الإلكترونية العالمية، بإدراج مبيعات الحرف اليدوية في المنصات الرقمية العالمية، سعياً منها لرفع مبيعاتها من 12 مليون درهم إلى 41 مليون درهم. ويُدعم ذلك عبر تطوير خطوط إنتاجية جديدة باستخدام عناصر التراث. بالمقابل فإن الأمر استدعى إضفاء فضاءات أكثر تحتم حضور «منصات ممارسات التراث غير المادي»، والتي سترتفع من 2 إلى 9 بيوت ثقافية متخصصة بحسب الاستراتيجية الثقافية وهي: «4 بيوت للقهوة»، «بيت الحرفين في دلما»، «بيت التراث في العين»، «بيت الحرفيين في العين»، «بيت التراث في أبوظبي»، إلى جانب بطولات القهوة العربية، تهدف عبرها الاستراتيجية الثقافية لاستقطاب نحو مليوني زائر. حيث وصل عدد الحضور في المهرجانات التراثية إلى نحو 4 ملايين و162 ألف زائر، وتهدف لجذب نحو 6 ملايين زائر خلال السنوات الخمس القادمة.

اقرأ أيضا

نورة الكعبي: موروث إنساني في منطقتنا