الاتحاد

ثقافة

كاتبات يرسمن الماضي.. الطفولة المستعادة في 3 روايات إماراتية

الطفولة المستعادة في 3 روايات إماراتية

الطفولة المستعادة في 3 روايات إماراتية

نبيل سليمان

تبدلت أحوال الطفولة تبديلاً، وبسرعة ضوئية، في الإمارات العربية المتحدة، فأشرقت أيما إشراق على أي مستوى شئت. وبذلك، تلاشى ما كان من قسوة عيش، ولم يبق من ذلك حتى في الذاكرة المسنّة وحكايات العجائز إلا ما ندر، فبدا كأن معرفة ذلك الماضي والمعاناة خلاله، باتت رهن ما يبدع الكتّاب والكاتبات من الروايات، سواء ما تعلق من الماضي بالطفولة، أم بأيٍ من أجناب المجتمع والأفراد.
ولأن نصيب الطفلة من قسوة الماضي كان بعض الأحيان أكبر بما لا يقاس من نصيب الطفل، فقد جاء الحضور الروائي للطفلة أكبر، ولكن في الرواية النسائية الإماراتية. وربما ينبغي التشديد مسبقاً على أن انفراد أو تسيّد ضمير المتكلم (أنا) في بعض الروايات، لا يعني بالضرورة أن الكاتبة هي هذه الطفلة التي تتحدث في الرواية عن قسوة الماضي عليها. ومعلوم كم يغري ضمير المتكلم بالمطابقة بين الكاتب أو الكاتبة والشخصية الروائية المحورية، فهذا الضمير يدفع بالقراءة في منزلق المطابقة من جهة، وإلى التلصص من جهة ثانية، وبالتالي يدفع إلى النظر إلى الرواية على أنها سيرة ذاتية، وبخاصة الرواية التي تكتبها الكاتبة.

فاطمة المزروعي.. زاوية حادة:
ليس في عالم الطفولة في هذه الرواية ما يبهج، فالبيت أشبه بالسجن، والأب الذي يفضل الابن الذكر أشبه بالسجان، وهو يكره البنات، وليست الأم أقلّ قسوة، لكأنها تباري الأب في الضرب بلا حساب. وتصف الراوية أمها بالشريرة القاسية، كما تصف أباها بالطاغية. وقد كان للأم أفانين في العقاب، كأن تجبر الطفلة على الوقوف تحت الشمس اللاهبة، أو تلّف جسدها بحبل وتنهال بالعصا الثقيلة على الظهر والوجه، أو كأن تحرم الطفلة من الطعام لأنها لا تريد أن تتعلم الطبخ، بل تريد أن تستعد للامتحان، فتسحب الأم (الحنون) الكراسة من يدي البنت، وتدوسها، وتأمر البنت بالعناية بأخوتها، وتردد قولتها: مكان المرأة هو المنزل فلماذا الدرس والمدرسة إذن؟
بين ذكور الأسرة الكبيرة أصناء أشداء للأب. فالخال الثري المزواج، يطلق آخر زوجاته – وهي لصغرها تبدو طفلة – إذ وقعت عليها شبهة الخيانة. وجدّ الراوية لأمها يقسو على النساء، وتروي الأم عنه أنه كان يستمتع بضربها، ومثله كان أخوتها الذكور. لكن الجد أيضاً كان يحضن الراوية الطفلة ويقبلها. ويبلغ الكلح ذروته حين تعد الأم بالذهاب إلى مكان جميل، فتفرح الطفلة ذات السنوات التسع. لكن المكان الموعود هو بيت خشبي محتشد بأمهات وبطفلات يتربص الختان بهن.
ليس عجباً في مثل هذه النشأة أن تغافل الطفلة صاحب البقالة، وتسرق الحلوى التي توزعها على أخواتها. ومعهن يصير باب الحديقة الصغيرة سبورة، وبالطباشير الملونة المسروقة من المدرسة تمتلئ السبورة بالورود، ومعهن تتلصص الطفلة من ثقب الكراج على العالم، سوى أن أخواتها يتلصصن خائفات، بينما تستمع هي بما يجود به الثقب.
من قصة تلو قصة تنتسج رواية (زاوية حادة) وذلك عبر تمحورها حول الراوية التي تروي الماضي من موقع الحاضر. وفي هذا البناء الروائي الكالح، ثمة بارقة تتمثل في الجدة التي كانت تتلقف حفيدتها العائدة من المدرسة، وترسم لها عالماً طاهراً بحكاياتها التي تحكيها الطفلة بدورها لصديقاتها، فيصغين والعجب يأخذهن من عالم الحكايات الذي سكن دخيلة الراوية. ومن الصديقات من كن يحسدنها على براعتها في الحكي، وهي التي كانت تقلد الجدة، والجدة تحفزها. وقد تحدثت فاطمة المزروعي في حوار لها مع محمد الحمامصي، عن جدتها لأمها التي اشتهرت في الحي، إذ كان المنزل يجمع بنات الجيران ليستمعن إلى الخراريف، وقد ورثت الجدة ملكة القص عن والدتها، فجدة الجدة، وهو إذن النسب الشهرزادي لفاطمة المزروعي.

مريم الغفلي.. أيام الزغنبوت:
في هامشٍ من هذه الرواية تشرح أن الزغنبوت هو بسكويت مدعم بالمواد الغذائية، تم توزيعه على السكان في ساحل عُمان خلال فترة الجوع في الحرب العالمية الثانية. ويقال أيضاً إن الزغنبوت هو الذرة الحمراء التي كانت صعبة الإعداد والهضم.
لا تعود الرواية فقط إلى زمن الحرب العالمية الثانية، بل إلى ما قبله. إنه هذا الذي تخاطبه إحدى الشخصيات:«أيها الزمن المنسي، هناك في البعيد البعيد، هل أصبحت تاريخاً يُروى؟ ومن يرويك؟». وتأتي الاستعادة الروائية بعد عشرات العقود من أيام الزغنبوت، حين جمعت العمرة بين من كانتا طفلتين، وهما الآن في (الحاضر) العجوزان: أم خالد وأم عبد الرحمن.
في ذلك الزمن اختطفت الطفلتان مع كثيرين وكثيرات. وحشد الخاطفون من خطفوا في القلعة وسط الرمال، ليجري من ثم البيع. وفيما تستعيده العجوزان، تتقد صور شتى حد الاحتراق، كصورة الطفل حسن وأمه اللذين باعهما الأب، كي يمكنه أن يطعم طفليه الآخرين، أو صورة الطفلة لطيفة، أو صورة أم حنان التي ستفرد الرواية لها حيزاً خاصاً، تحكي فيه حكايتها عبر الأوراق التي تكتبها لابنتها المثقفة هيا. وتتقاطع هذه الحكاية مع حكاية العجوزين، فيتبين أنهما توأمان، وأنهما كانتا مع أم حنان في حشد المخطوفات اللواتي جرى بيعهن في سوق النخاسة.
بالحكي تقوم رواية (أيام الزغنبوت):«ربما كانت حكاية تكتنز مئات الحكايات، وربما كانت الحكاية الواحدة تتشظى بعدد الأرواح التي ستظل أسيرة إلى أن تطلقها هيا أو أي كاتب أو كاتبة، فيقرأها الأنباء والأحفاد والأجيال، ولكن ماذا عن الحكايات التي تقبر مع من عاشوها؟»
هذا السؤال اللائب والشاخب سيظل يترجّع، والرواية تمضي من الطفلة صيتة التي صارت أم خالد، ومن الطفلة الجوهرة التي صارت أم عبد الرحمن، أي من الطفلتين المخطوفتين إلى ابنتي الشيخ عبد اللطيف والحاجة نورة، بعدما اشتراها الشيخ الذي لم يرزق ببنين ولا ببنات. وبعد وفاة الشيخ عبد اللطيف تابعت الحاجة نورة تربية (ابنتيها) رفاهاً وعلماً. بيد أن باب السعد الذي انفتح لهما لم يشف ما أورثتهما الطفولة، وظل يكوي في الحنايا ستين عاماً انطوت، إلى أن كانت العمرة والطواف حول الكعبة والمصادفات التي جمعت الطفلتين/‏‏‏ العجوزين بمن أجّج نار الذكريات، فإذا بهما تتدفقان في منتهى الرواية: «طمست طفولتنا، تبادلتنا الأيدي، داست علينا الأقدام، اجتثت جذورنا، كانت أقل نسمة هواء تعبث بأرواحنا. في الماضي كان الخوف من الجلاد ومن المستقبل، ولكن في الحاضر أصبح الخوف من الماضي الذي ظل يطاردنا».

نورة محمد.. دم فاسد:
أنجزت هذه الرواية التي صدرت سنة 2015 بإشراف الروائية نجوى بركات، في إطار برنامج دبي الدولي للكتابة. وكانت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم قد أطلقت هذا البرنامج سنة 2013.
قدمت الطفلة الراوية هند رواية (دم فاسد) بضمير المتكلم، ما يعيدنا إلى ما تقدم بصدد رواية (زاوية حادة) من أمر هذا الضمير. وكان سمر روحي الفيصل قد رأى في رواية فاطمة المزروعي هذه، كما في روايتها (كمائن العتمة): سيرة روائية. وقد دأبتُ منذ سنين على الميز بين السيرة الذاتية وبين السيرة الروائية أو الرواية السيرية، مما يناديهما ضمير المتكلم. لكن ذلك لا يستقيم دوماً.
تنفتح رواية (دم فاسد) على ابنة العاشرة التي انتقلت من الميتم مع من تبنياها: سارة وأحمد في رأس الخيمة. وقد حملت سارة بعد يأس من الحمل، إثر التبني، بينما بدأت والدة سارة مريم معركة الدم الفاسد التي لا تنتهي إلا بطرد الطفلة المتبناة، حفاظاً على دم العائلة الصافي بعد انتفاء الحاجة إلى الغريبة التي جاءت ثمرة علاقة بين أبيها وأمها الحقيقيين، لم تتوج بالزواج الشرعي، فكان أن تركت (الأم القذرة) الوليدة أمام المنزل المهجور في الجزيرة الحمراء. وها هي الأم الثانية (سارة) ترضخ لقرار أمها مريم، فتخرج هند إلى أسرة جديدة وتبنٍّ جديد في أبوظبي. ولا تفتأ هند تتذكر معاملة (الجدة) مريم لها، عدا عن المعاملة العميمة للطفلة في المجتمع الذكوري، ومن ذلك أنه من العيب أن يلعب معها أحد، أو حتى أن يتحدث إليها، فصديقتها هي أمها (بالتبني) سارة، وصديقها هو (أخوها) عيسى الذي كان تبنّيها بشارة بقدومه.
تترجّح الرواية بين وعيين ولسانيين، أولهما لهند ابنة العاشرة، والثاني هو لسان ووعي من هي أكبر، لكأن اللسان الأول ينتمي إلى الماضي، والثاني ينتمي إلى الحاضر، ويومئ إلى سلطة الكاتبة على الشخصية الروائية، أحياناً مواربةً، وأحياناً بفجاجة.
قضت الأم الثانية سارة في حادث سير نجا منه الأب الثاني أحمد. لكن ذلك كان فرصة (الجدة) مريم التي تناقض صورة الجدة في رواية (زاوية حادة)، للتخلص من ذات الدم الفاسد، فرضخ الأب أحمد أخيراً، وأعاد هند إلى الميتم الذي أخذها منه، حتى حضر من سيتبنيانها: الأم الثالثة عائشة التي سيصعب على هند مناداتها أمي، والأب الثالث فارس. بيد أن هذه النقلة سترجّ كيان هند، وستكون ردة فعلها كمن يخرج الشرور من عبه ويرمي بها العائلة الجديدة.
تغادر هند البيت أول مرة، وتضرب في المدينة التي تجهلها حتى يلتقطها شرطي ويعيدها إلى العائلة الثالثة. وتواجه غضب فارس بصمت وهدوء ولسان حالها يعلن:«لستما عائلتي، أستطيع أن أفعل ما يحلو لي». وإثر ذلك صار كلامها مع عائشة وفارس بذيئاً، وتواصلت مع أبيها الثاني أحمد الذي وعد بأن يزورها، لكنه لم يف بوعده، ففاقم انقلاب سلوكها حتى انفجر فارس فشتمها، وإثر ذلك صارت تلطم من تصادف، حتى إن أعدت عائشة حفلاً كبيراً لتقديمها إلى الأسر الصديقة، أفسدت الحفل مدركة:«أنا شريرة». وبتكرار خروجها من البيت تعرفت إلى مفرح الذي سيتكشف عن أبوية تجعله يغمرها بما تفقده من الرعاية والحنان.
يسكن الطفلة الرعب من أن يضربها الأب الثالث، وقد فعل عندما تسببت بحريق في البيت، فاتفقت مع مفرح على أن يعيدها إلى بيت جدتها في رأس الخيمة، بعد أن علمت أن العائلة الثالثة ستعيدها إلى الميتم. وهنا تبدأ الرواية تفتقر إلى الإقناع، فهند التي تدرك أن جدتها مريم هي سبب البلاء الذي هي فيه، تقرر:«سأجعلها تموت بيدي». وهكذا تودع مفرح، وتتقدم إلى الجريمة، فتقيد العجوز النائمة بحبل إلى حدائد السرير، وتخنق هذه التي «قتلت فيّ البراءة، قطفت طفولتي». وإذ تخرج من البيت تجد بانتظارها هذا الذي كان قد قرر أن يصبح صديقها كيلا تذوق ما ذاق من مرارات: مفرح. وقبل هذا الافتقار إلى الإقناع كان قد مرّ ما هو من الخطأ، على الأقل، عندما روت هند أنهم وصلوا في جدول الضرب في المدرسة إلى العدد سبعة، فما هذه المدرسة التي لا تنهي ابنة العاشرة فيها جدول الضرب في الصف الثالث أو الرابع الابتدائي؟
والأمر كذلك تتقدم روايتا مريم الغفلي وفاطمة المزروعي على رواية نورة محمد. وعلى أية حال، أختم بالعودة إلى ما بدأت به من تلاشي كلح صورة الطفولة التي رسمتها تلك الروايات الثلاث من زمنٍ تولّى، وحلّ محلّه الزمن الجديد الذي أشرقت فيه أحوال الطفولة أيّما إشراق.

 

اقرأ أيضا

سوسن دهنيم: الفقد جعلني قصيدة