الاتحاد

ثقافة

الدرس الثقافي في مجتمع الإمارات

 شعاع ثقافي  في مدينة العين

شعاع ثقافي في مدينة العين

د. مريم الهاشمي

الأدائية في الأعمال الأدبية المختلفة لا يتسنى لها الظهور أو الفهم، إلا إذا تمتع القارئ أو الناقد بالقدرة والكفاءة الأدبية، وهذه الكفاءة أو القدرة الأدبية تعتمد على الدربة والتمكن، ومن الطرق الناجعة إلى جانب الأعراف والتقاليد الأدبية التي هي من مكونات الأدب الأساسية، هو الاحتكاك والتعرف عن كثب على الفكر الآخر، وإن التحولات التي تسبق تبديل الحضارات، ما هي إلا التغيرات العميقة التي تصيب أفكار الشعوب، وأمام العصر الحالي المليء بالتشوش والفوضى، يحاول المجتمع الإماراتي، بكل ما أوتي من قوة، التمسك بالنهوض وترسيخ قواعد متينة، مبنية على شخصية متزنة واضحة المعالم متوشحة بشفافية نزيهة.
إن العلم والأدب لم يكونا مسؤولين يوماً عن أي نوع من الفوضى التي تصيب النفس أو المجتمع أو السياسات، بل العكس فلو تم استعمال الفكر والعلم الاستعمال الحقيقي، لما آل حال الإنسانية في شتى أرجاء المعمورة للبُؤس الذي وصل إليه.
إن رفع قيمة الإنسانية بالفكر والأدب والعلم يكمن في الوصول إلى أصحاب هذه المساهمات الكبرى، ومد جسر التواصل مع أصحابها وأماكنها للوصول للاحتكاك الذي نريد، هذا الاحتكاك الذي يكون لنا قوة في الحضور، وشجاعة في الموقف، لأن الأديب الحق هو الذي يبحث عن التواصل مع الآخر ليعطي له أو لينهل منه، وفي كلتا الحالتين يصب ذلك في وعائه الثقافي.
وإن الإنجاز الحقيقي للبشرية هو «المنجز» وهو الذي يحدد الحقيقة للإنسان، وهو ما يمكن اعتباره قانوناً يصدق على الأفراد كما يصدق على الأمم – كما يجيز الدكتور عبدالله الغذامي - ولا ضير في الطريق المؤدي للمنجز في سبيل الوصول في النهاية إليه، وهو ما نقصده هنا من باب التثاقف والاندماج بأن نحاول أن نصل للبعيد، وأن نقربه إلينا ليتم تحقيق الهدف المرجو.

الصالونات الأدبية
مثال ذلك الصالونات الأدبية التي تحاول أن يكون لها فروع في أكثر من منطقة أو مدينة، والنماذج كثيرة في الإمارات، ومنها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الذي يوجد في كل إمارات الدولة ومدنها، وأخيراً تم مد شعاع جديد نحو مدينة النخيل «مدينة العين»، تلك المدينة التي تحتضن عدداً من الكتاب والأدباء من المواطنين والعرب، وذلك لتسهيل ممارسة الحياة الثقافية في تلك البقعة القريبة من قلوبنا، بل مساهمة كذلك في اكتشاف المواهب الأدبية الشابة الذين بهم سيستمر الحضور الواعي للثقافة. وهذا أنموذج على استقبال الثقافة وتصديرها، وهي سمة العصر الثقافي، ولكل زمن علاماته وسماته الفكرية والثقافية، وأجدر سمة يمكن أن نلقب بها عصرنا هي ثقافة الاحتكاك مع الآخر.
وهذا النوع من الفكر الذي يحاول أن يمتد ويصل، ما هو إلا أنموذج آخر من التسامح الثقافي الذي يشكل نوعية جديدة من التعايش والانفتاح الفكري والأدبي، وتأثير هذا النوع من الانتشار الثقافي ظاهرة صحية يفرضها العصر وأسلوب الحضارة، وإن الأساليب الثقافية وطريقة التعاطي يحكمها الزمان والمكان في التاريخ البشري، وهي ليست بالظاهرة الجديدة، فعلى طول التاريخ ظلت الشعوب والثقافات تمارس تأثيرها في غيرها، ناشرة نماذجها الحضارية في العالم المعروف عندئذ، ولا يمكن بحال من الأحوال أن ننكر الدور الريادي في الوقت الآني لشبكة المعلومات وللمنصات الإلكترونية، ولكنها لا تُغني بأي شكل من التقارب الروحي والكلامي والمكاني، الذي يذكي الذاكرة ويثبتها في النفس الإنسانية، وهو ما يعطيها طابع الحياة وطابع الإنسانية، فأي فكر إنساني نطمح إليه، دون ذلك التقارب الحقيقي، لا الأثيري الذي لا يحمل روحاً ولا طعماً ولا رائحة ولا ذاكرة أحياناً.

صفة «الزمكانية»
إننا مطالبون برفع قبعة الاحترام والامتنان لمن تشبثوا بتلك القيم الإنسانية الحقيقة التي تقرّب الأفكار وتتواصل مع الآخر، وتجمع الأرواح في سبيل ائتلافها، وتعطي الأمكنة روحاً لتعلق في الذاكرة مع ألوانها وروائحها وأصواتها وسجالاتها ومناقشاتها، ونجيز لأنفسنا إطلاق صفة «الزمكانية» عليها كذلك، وهو أحد مفاهيم «ميخائيل باختين» المعقدة التي نحاول تبسيطها حين نُسقطها على المبادرات الأدبية وتسليط النظرة إليها، وتعني حرفياً «الزمان المكان» لأنه المفهوم المركب على التوالي من المفردتين معاً، وهو مصطلح مقتبس من علم الأحياء الرياضي، حيث يصف «الشكل» الذي يجمع معاً الزمان والمكان، أوليست المنتديات الأدبية تجمعهما معاً؟ إنه المكان المرتبط بزمن محدد، ونعطيه قيمته تلك بالحركة الإنسانية فيه، وإلا فلا قيمة حقيقية له، ومحال فصل الفعل والزمن، كما تؤكد نظرية آينشتاين النسبية، فالأمكنة الفكرية تصبح مشحونة ومستجيبة لحركات الزمن والتاريخ.
وعديدة المنصات الأدبية الجادة الممارسة للدرس الثقافي في المجتمع الإماراتي، كمنصة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ونجد كذلك ذات الروح وذات النظرة الرصينة، كمنصة «استراحة سيدات» وهي إحدى مبادرات مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة والتي ارتأت أن تجمع أصحاب وطالبي الفكر والأدب ومتذوقيه في أكثر من محطة تجمعهن بين إمارات الدولة، بل وتجاوزتها إلى خارج الدولة، وكذلك «مجلس شما للفكر والمعرفة» وهي مبادرة فردية تحت رعاية الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، وكذلك «مجلس جمال بن حويرب الثقافي» الذي يهتم بمناحي الفكر والأدب والدين والفلسفة وغيرها من الشؤون الأدبية، و«نادي الفكر» التابع لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات، الذي يطرح على طاولة النقاش موضوعات فلسفية وفكرية عميقة في الدرس الثقافي الإماراتي، وغيرها من المبادرات التي نعتز بها ضمن النظرة الحيّة للمعرفة المستدامة، فالخاصية الثقافية للمجتمع لا بد أن تنطوي على التجاوز المكاني المحدود لها، لتنجو من الانغلاق وتثبت قدرتها على تقبل الإدراك والوضوح عن طريق التأثير والتأثر في فاعلية الأعمال الفكرية والأدبية.

فلسفة الشك
اشتباك الدرس الثقافي بالاجتماعات والمنتديات الأدبية اشتباكاً ثقافياً، هو ضرورة حتمية نستمد من خلالها القدرة على الوصول للنتائج والاكتشافات، لأن الذات الباحثة في الثقافة جزء من الثقافة نفسها، والشك في الذات أو الأدب أو النقد هو بحد ذاته نستطيع أن ندرجه ضمن فلسفة أدبية يمكن إطلاق (فلسفة الشك) عليها. ووردت كلمة «شكّاك» في اليونانية على من ينظر بإمعان، ومن يفحص باهتمام، قبل أن يصدر حكماً على شيء أو قبل أن يتخذ قراراً، ولهذا نجد من يضع «الشكاك» بين الفرق الفلسفية بوصفهم الذين يواصلون البحث والتحري، في مقابل «الدوجماتيقيين» الذين هم مثل أرسطو وغيره ممن يعتقدون أنهم اكتشفوا الحقيقة، وفي مقابل رجال الأكاديمية الأفلاطونية في عصرها المتوسط، الذين يقررون أنه لا يمكن الوصول إلى الحقيقة.
وحين نتطرق إلى الفلسفة، فإننا بذلك نرى انعكاس النقد، وذلك أن النقد في القديم والحديث أخذ أصوله من الفلسفات، والتي كان لها فعالية وأثر كبير في حركة النقد، كالفلسفة الوجودية التي أنتجت أعمال «سارتر» والفلسفة الماركسية والتي جاءت منها الواقعية، ومؤلفات «باشلارد» التي تأثرت بمدرسة التحليل النفسي، وغيرها.
لكن هنا نلتفت إلى الفلسفة المبنية على الشك التام، ونحاول أن نجد لها الانعكاس الذي يوافقها في عملية النقد.
وأول مذهب فلسفي بني على الشك هو مذهب «فورون» (365-275 ق.م)، إلا أن كل مدارس الفلسفة تتفق في غاية واحدة، هي أن يجعل الإنسان قصده من الفلسفة أن تكون مؤدية إلى أن يحيا المرء حياة سعيدة، فكما أن الأرسطيين اتجهوا في فلسفتهم إلى الأخلاق وإلى الناحية العملية منها، كذلك اتجه الشكاك إلى الناحية العملية من الفلسفة كذلك، وكل ما هناك من خلاف بين الطرفين، أو بين الأطراف جميعاً، هو في الوسيلة المؤدية إلى تحقيق هذه السعادة المنشودة من الأخلاق، وظن أغلبهم أن تحصيل هذه السعادة يكون بالإيمان اليقيني ببعض المبادئ الميتافيزيقية الطبيعية الأصلية، أي بتوكيد إمكان المعرفة وبناء الأخلاق على أساس ما يعتقده المرء مما تؤكده له معرفته، بينما نجد «الشكاك» يقول: إنه لكي يصل الإنسان إلى السعادة يجب عليه أن يرفض كل إمكان للمعرفة، وبهذا يصل إلى حالة الطمأنينة السلبية التي ينشدها.
وفيما يتعلق بمسألة طبائع الأشياء من حيث إمكان معرفتها، فإننا نجد «فورون» ومدرسته ينكرون أن يكون للمعرفة الحسية أو للمعرفة العقلية أدنى قيمة في إيصالنا لمعرفة حقائق الأشياء.
وبذلك فنحن لا ندرك من الأشياء في الواقع إلا ما يبدو لنا، وكأن كل شيء في الخارج هو بالنسبة للذات المدركة مظهر فحسب، أما طبيعة الشيء في ذاته، فلا سبيل للوصول إلى معرفة كنهها.
وعليه إذا كان كل شيء ظاهرياً فحسب، وأنا لا ندرك من الأشياء إلا مظهرها الخارجي دون أن نعلم شيئاً عن طبيعتها وحقيقتها الخاصة، لم يكن أمامنا غير «الاحتمال» أو بتعبير أدق «الظن الذاتي»، ويدل على أن كل المسائل هي حالة ذاتية، والغاية من هذه الفلسفة هي أن يظل المرء مطمئن النفس، لا يمكن إذن إلا أن يرجع الإنسان إلى نفسه وينحصر في داخلها.
إلا أن مدرسة فورن كانت قصيرة العمر، ولم يكن مؤسسوها من ذوي العقول الفلسفية المفكرة، وإنما كانوا أقرب ما يكونون إلى الحكماء.
ونجد أن فلسفة «فورون» تتقاطع مع غيره من الفلاسفة، على مختلف الأزمنة التاريخية، ومنهم «جيمس وليم» العالم النفساني والفيلسوف البرجماتي، الذي ولد في نيويورك عام 1842، ومن فلسفته أن فكرة الفائدة، أو المنفعة العملية، إن كانت تقدم لنفوسنا الطمأنينة والسعادة والسلام، فينبغي أن نعدها صحيحة.
وتأتي الدروس الثقافية كي تأخذنا بعيداً عن ذلك الاطمئنان السلبي، وتثير فينا التساؤل المستمر، فحضورها الحتمي والضروري يساعدنا على نحو ما، للوصول إلى الأدب الفاحص أو الشكاك الذي به نستمد الشجاعة في طرح أسئلة نحاول بها مقاربة الحقيقة.

اقرأ أيضا

سوسن دهنيم: الفقد جعلني قصيدة