الاتحاد

ثقافة

الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير: فقدان النموذج أفرز السترات الصفراء

السياسيون والأحزاب والفيلسوف وجدوا أنفسهم عاجزين إزاء الأسئلة التي طرحتها السترات الصفراء (أرشيفية)

السياسيون والأحزاب والفيلسوف وجدوا أنفسهم عاجزين إزاء الأسئلة التي طرحتها السترات الصفراء (أرشيفية)

ترجمة - أحمد عثمان

يعيد الفيلسوف الفرنسي، الرؤيوي، ميشيل سير، في هذا الحوار الذي أجراه ليونيل لاباراد ظاهرة السترات الصفراء إلى خلل أو قطيعة بين المؤسسات الحاكمة والمجتمع، ويوضح:
جرى في بلدنا تحول كبير أنتجته أسباب نعرفها جيداً: ارتفاع الأمل في الحياة، التلاشي التدريجي للثقافة الريفية – كنا 50% من الفلاحين وأصبحنا 2%، التكنولوجيا الحديثة، عولمة الاقتصاد، مشاكل البيئة المأساوية وهو ما لم يحدث أبدا طوال تاريخنا. وبذلك دخلنا إلى مرحلة قطيعة كاملة مع ما نعرفه.
وأضاف: حدث أننا محكومون بمؤسسات أقيمت من أجل عالم لا يخص ما أصبح عليه. وهناك عدم توازن بين ما نسميه اليوم سياسة وواقعة اجتماعية. وعدم التوازن يتحقق من خلال حوادث نعرفها جيداً: البريكسيت في بريطانيا، شيء من الفوضى في إيطاليا، ثم أنظمة توتاليتارية. وفي فرنسا، تبدت – في الانتخابات الأخيرة – أحزاب يمينية ويسارية. اليوم، لا نمتلك المقدرة على قراءة العلاقة التي من الممكن وجودها بين السياسة الخائبة والواقعة الاجتماعية الجديدة كلياً. هناك حركات نستطيع فهمها مثل حركة السترات الصفراء بسبب عدم المساواة الاجتماعية والعوز الفلاحي الذي نراه جيداً في أصول أعضائها، ونفهمه، ولكن في المقابل نجهل اتجاههم.
وعن أسباب هذا الاختلال، أشار بداية إلى ضرورة توافر فكر قوي من أجل نظام جديد للحكومة، نظام جديد للمجتمع، نمط جديد للمؤسسات، وقال: ينبغي تذكر أن القرن التاسع عشر شهد كثيراً من الابتكارات المتعلقة بنماذج اجتماعية جديدة، مثل الاشتراكيات اليوتوبيّة. لكن في القرن العشرين لا يوجد شيء، هذا إذا لم تكن الفاشية أو الهتلرية. ربما كان هذا خطأ الفلاسفة، الذين أعتبر نفسي واحدا منهم، الذين لم يروا ما ستؤول إليه الأحداث اليوم. يتأتى ما يجري حاليا في فرنسا من عدم التوازن، الذي أدركته، شخصياً، بشدة منذ عشرين أو ثلاثين عاماً، بين المجتمع والمؤسسات. هناك اختلال كامل بين السياسة والمجتمع الجديد للغاية. نعاني من عدم وجود نموذج انتقالي، وأنا نفسي ضائع بسبب عدم امتلاكنا للعلاقة القائمة بين السياسة والمجتمع.
وعن كيفية التعامل مع صدمة السترات الصفراء، علق قائلاً: كل شيء من الممكن أن تحققه. القطيعة التي أصفها كبيرة. هل ترى كيف أن السياسة وجدت نفسها عاجزة إزاء الأسئلة التي طرحتها السترات الصفراء؟ الأحزاب التقليدية التي عرفناها خلال ما يقرب القرنين عاجزة عن الإجابة. ولكن هذه الأزمة السياسية عالمية؛ واليمين المتطرف، والبريكسيت، والسترات الصفراء هم حصيلتها.
وعن سبب مفاجأة العالم بأسره بما يجري، قال: شخصياً، كتبت عن التغيرات التي تجري في المجتمع، ووضّحت الأسباب، وتوقعت ما يجري. لكن الموضوع يتمثل في معرفة أي سياسة نبتكرها بشأن هذه التقلبات. ومع ذلك، لا إجابة لهذا السؤال الرئيس لدى المسؤولين الرسميين ولا لدى الفلاسفة. هذه الإجابة كانت واضحة في القرن التاسع عشر. ابتكر كثير من الفلاسفة أنظمة جديدة. ولكن في القرن العشرين، لم يلتزم الفلاسفة بالسياسة. كانوا قاطرة الأحزاب أكثر من كونهم ملهميها.
وللخروج من الأزمة، يميز علماء السياسة بين طريقين ممكنين: العودة إلى «العالم القديم»، مع إعادة النموذج يسار/‏‏‏‏‏‏‏‏ يمين أو الاتجاه إلى دولة توتاليتارية في فرنسا، لكن ميشيل سير يرى أن الحل الأول مستحيل، ولو كان ممكناً لتمت إقامته، وأن الثاني غير مرغوب، وهو الأسوأ أيضاً؛ فماكرون محاصر باليسار المتطرف واليمين المتطرف. وتاريخ القرن العشرين بين أنهما مبنيان على نوع من الرابطة السرية: الاشتراكية الوطنية لهتلر وديكتاتورية البروليتاريا.
وعن سؤال: هل تريد القول إن مجتمعنا في خطر؟، أجاب سير: لا أقول إنه في خطر، أقول إنه إذا كان ما يحدث جديدا، فإننا نعاني رؤيته على هذه الصورة. أكرر، جدَّته الاستثنائية، وعدم تطور المؤسسات والأحزاب معها. لم نبتكر نظاماً جديداً. وهذا ما ينقصنا.
وفي ما يخص السؤال عن كيفية الخروج من الأزمة؟ قال: الأحداث دوماً غير متوقعة. هل تتذكر أن من استولى على (سجن) الباستيل تكهن بالثورة الفرنسية؟ الخروج من الأزمة يتبدى في الظروف التي لا أراها ويجهلها العالم بأسره.

(*) Lionel Laparade، Entretien avec Michel Serres، La Dépêche، 04/‏‏‏‏‏‏‏‏01/‏‏‏‏‏‏‏‏2019

اقرأ أيضا

سارة العقروبي: إن لم نسأل نقع في شراك الإبداع المحدود