• الأحد 11 رمضان 1439هـ - 27 مايو 2018م

اكتشاف جديد للباحث الفرنسي إدي بروي يهزّ الوسط الثقافي الفرنسي

رامبو ليس كاتب «إشراقات» الوحيد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 16 مايو 2018

أنطوان جوكي

تاريخ الأدب يعجّ بالأخطاء والتصحيحات التي تأخذ أحياناً وقتاً طويلاً قبل أن يتمّ تقبّلها. لكن ماذا لو أن واحداً من هذه الأخطاء يتعلّق بأحد أشهر وأهم الكتب في تاريخ الشعر، ونقصد ديوان الشاعر الفرنسي أرتور رامبو (1854 ـ 1891) «إشراقات»؟ خطأ سعى إلى كشفه الباحث الفرنسي إدي بروي في كتاب صدر منذ فترة قصيرة عن دار «أونوري شامبيون» بعنوان «جديدٌ لدى رامبو»، ودافع فيه عن فرضية مزلزِلة مفادها بأن صاحب «فصلٌ في الجحيم» ليس الكاتب الوحيد لقصائد «إشراقات»، مقدّماً لإثبات فرضيته براهين وتحليلات مبلبِلة أقنعت بعض النقّاد في فرنسا وأثارت حفيظة بعض آخر منهم.

تجدر الإشارة، بدايةً، إلى أن اعتبار «إشراقات» أحد أعمق الدواوين الشعرية يعود إلى أسباب عدة، أبرزها الغموض الذي يلفّ طريقة جمع نصوصه وترتيبها. لكن ما نعرفه اليوم هو أن هذا الديوان لم يشكّله صاحبه بل ناشرون متوالون جمعوا فيه قصائد متفرّقة، وبالتالي يختلف مضمونه وترتيب قصائده من ناشر إلى آخر. ما نعرفه أيضاً هو أن معظم هذه النصوص، التي تتراوح بين قصائد نثرية وأخرى عمودية، تنقّلت بين أيادٍ مختلفة قبل أن يتم نشرها في كتاب عام 1886. وفي الطبعة النقدية لـ «إشراقات» التي وضعها الباحث هنري دو بويان دو لاكوست وصدرت عام 1949، لاحظ هذا الأخير، بعد تفحّصه مخطوطة الديوان، أنها لم تُكتَب بخطٍّ واحد، وأن «لا علاقة تربط القصائد في ما بينها، وبالتالي لا أهمية للنظام المتَّبع لترتيبها». وبما أن هذه الملاحظة أصبحت حقيقة لا نقاش فيها اليوم، أليس مشروعاً التشكيك في المسلَّمة التي تقول بأن هذه النصوص تشكّل ديواناً، خصوصاً وأن هذه «المسلَّمة» لا ترتكز على أي برهان أو شهادة، بما في ذلك شهادة صديق رامبو، الشاعر بول فرلين؟ وهل يعقل أن تكون مخطوطة ديوان شاعر بحجم رامبو متباينة وغير متجانسة إلى هذا الحد، وعلى مستويات عدّة (خط اليد، التأريخ، الحبر، قياسات الورق...)؟

بلا توقيع

أوراق مخطوطة «إشراقات» خطّها الشاعران رامبو وجيرمان نوفو (1851 ـ 1920) ولا تحمل أي توقيع. والباحثون في ما بعد هم الذين اعتبروا أن رامبو هو كاتبها ونوفو مجرّد ناسخ لبعضها. لماذا؟ هل لأن العبقري رامبو لا يمكن أن يكون قد اضطلع بدور الناسخ، في نظرهم؟ وماذا لو أن العكس صحيح، خصوصاً وأننا نعرف منذ فترة قصيرة أنه اضطلع بمثل هذه المهمة آنذاك؟ لماذا أهمل الباحثون فرضية أن يكون نوفو مؤلّف «إشراقات»، أو على الأقل عدد من نصوصه، علماً بأن في الأوراق التي خطّها رامبو بيده ثمة علامات واضحة تدلّ على أنه أدّى دور الناسخ لنصوصها، كمميزات التبييض الواضحة فيها وبعض أخطاء القراءة التي لا يقع فيها سوى مَن ينقل نصّاً هو ليس كاتبه؟ وعلى أي إثبات أو شهادة ارتكز الباحثون كي ينسبوا الديوان إليه؟ الشهادة الوحيدة المتوافرة هي شهادة فرلين الذي سلّمه رامبو أوراق «إشراقات» لدى خروج الأول من السجن، وطلب منه تسليمها إلى نوفو الذي لم يكن فرلين يعرفه. لماذا هذا الطلب المثير للفضول؟ ولماذا لم يتناول فرلين هذه الأوراق في أي تصريح أو نص نقدي، بخلاف ما فعله ـ بإفراط ـ مع سائر قصائد صديقه؟ هل لأنه كان يُدرِك بأنها ليست لرامبو؟ ما نعرفه هو أن اللقاء الأخير الذي جمعهما كان عاصفاً، بالتالي لم تسنح الفرصة لهما خلاله للتحدّث بشأن هذه الأوراق. التوضيح الوحيد الذي يتفوّه فرلين به حولها هو أن قصائدها كُتِبت بين عامَي 1873 و1875. لكن أين كان هذا الشاعر خلال تلك المدّة؟ في السجن. وبالتالي، التاريخان اللذان يتقدّم بهما مجرّد افتراض لا يمكن التسليم بدقّته، وغيابه أثناء كتابة هذه النصوص لا يُثبِت سوى جهله ظروف كتابتها. من هنا ربما صمته بشأنها.

افتراقات ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا