عندما تفكك الاتحاد السوفييتي في 1991 احتدم الجدل بين المحللين والخبراء حول مستقبل قيادة النظام العالمي، فقد ظلت قمة هذا النظام لأكثر من ثلاثة عقود ثنائية القطبية تتنازع القيادة فيها قوتان عظميان متوازنتان، ولو على الصعيد العسكري، وبانتهاء التجربة السوفييتية برز اتجاهان رئيسيان، يرى أولهما أن نموذج القطبية الأحادية الذي ترتب على اختفاء أحد العملاقين قد وُلِد ليبقى كنتيجة طبيعية لانتصار المعسكر الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة. واتسق هذا الاتجاه مع أفكار «نهاية التاريخ» التي روج لها فوكوياما. وبالمقابل أكد اتجاه آخر أن ما حدث مؤقت، لأنه لا يتسق مع دروس الخبرة التاريخية ولا مع حقائق الواقع التي تكشف عن وجود قوى دولية صاعدة، كالاتحاد الأوروبي والصين وغيرهما، سرعان ما تستكمل صعودها إلى قمة النظام. وعندما قررت الولايات المتحدة غزو العراق في 2003 ووقفت القوى الكبرى كلها باستثناء بريطانيا ضد هذا القرار، بدا أن أنصار الاتجاه الأول هم الفائزون، إذ نفذت الولايات المتحدة إرادتها المعاكسة لإرادة المجتمع الدولي دون اكتراث.
غير أن التطورات جرت بعد ذلك بوتيرة مغايرة، فقد أدت تداعيات غزو العراق، ومن قبله أفغانستان، إلى مشاكل أربكت السياسة الأميركية كثيراً، والأهم من ذلك أن روسيا بدأت تستعيد توازنها وتعيد بناء قوتها إلى المستوى الذي يؤهلها لاستعادة مكانتها في ظل قيادة بوتين، كما أن الصين واصلت تقدمها بثبات نحو القمة، ليس فقط بالمعيار الاقتصادي، وإنما بالمعايير العسكرية أيضاً. وكذلك واصل الاتحاد الأوروبي بلورة تجربته التكاملية، وإن كان قد واجه أزمة اعتباراً من 2016 (البريكزيت)، بالإضافة إلى صعود تيارات اليمين المتطرف في بعض الدول الأوروبية على نحو يهدد تماسك الاتحاد، فإن سياسات ترامب تكفلت ببروز تيار استقلالي عن السياسة الأميركية داخل الاتحاد، وذلك على ضوء مواقفه الناقدة للمشاركة الأوروبية في حلف الأطلسي وأسلوبه الحمائي في العلاقات التجارية. وكانت جملة هذه التطورات تشير إلى أن سمة التعددية في قيادة النظام العالمي ماضية في طريقها إلى التبلور، وفي الأيام الأخيرة تحديداً بدت هذه السمة شديدة الوضوح.
فقد عُقِدَت الأسبوع الماضي في بكين قمة منتدى الحزام والطريق، التي حضرتها حوالي أربعين دولة مُثل معظمها على مستوى رفيع، وترجع أهمية الحدث إلى أن مبادرة الحزام والطريق، والتي بدأت في تسعينيات القرن الماضي، قد اكتسبت زخماً قوياً منذ 2013 عقب تولي الرئيس الصيني الحالي مهام القيادة في بلاده. وتجسد المبادرة المشروع الصيني للقيام بدور قيادي، إن لم يكن بالدور القيادي في النظام العالمي. ومع أن هذا المشروع يحقق المصالح الصينية الوطنية بداهة، فإنه بُني على مقاربة مغايرة للمقاربات التقليدية المعروفة والقائمة على الهيمنة والنفوذ والعقوبات أو التهديد بها لفرض إرادة قوة عظمى ما على باقي الأسرة الدولية. وفي هذا الإطار تحاول الصين أن تؤكد أن نهج المبادرة يقوم على أساس تحقيق الأرباح والمكاسب لأطرافها كافة، وليس كما في مشاريع الهيمنة التقليدية. ومن المؤكد أن للمبادرة خصومها، لكن من المؤكد أيضاً أنها تحقق نجاحات متزايدة، بدليل أن نطاقها قد امتد من أوروبا وآسيا ليشمل أفريقيا وأميركا اللاتينية. وقبل انعقاد المؤتمر الأخير كان أكثر من مائة دولة قد وقعت اتفاقيات تعاون مع الصين في إطار المبادرة، وبلغت قيمة التعاقدات التي تمت في المؤتمر أربعة وستين مليار دولار، وكلها مؤشرات على استمرار صعود الصين كقوة قيادية موازنة في قمة النظام العالمي، غير أن هذا ليس المؤشر الوحيد بهذا الشأن؛ ذلك أن روسيا رغم ما تواجهه من صعوبات ما زالت بدورها تمارس دوراً عالمياً قيادياً مؤثراً كما اتضح من دورها في الصراع على سوريا، وتدخلها الأخير في المسألة الكورية الشمالية حيث فشلت السياسة الأميركية، وكذلك تحديها لسياسة واشنطن في فنزويلا، وكلها مؤشرات تُنبئ باستمرار الاتجاه نحو التعددية في قمة النظام العالمي ورسوخه، وهو ما يتعين علينا متابعته وفهمه وبحث سبل الاستفادة منه في حركتنا الدولية. وقد أظهرت كل من الإمارات ومصر وعياً فائقاً بهذه المسألة فشاركتا في قمة الحزام والطريق على أعلى مستوى.