صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

ثروة الفنون التشكيلية الجميلة

اضطررتُ أخيراً لبيع لوحة من مقتنياتي من أعمال الفنان ضياء العزاوي في مزاد «بونهامس» العالمي في لندن، وفُوجئتُ بالسعر الذي يعادل دخلي السنوي من الكتابة. عنوان اللوحة «أشكال سومرية»، وهي زيتية وقياساتها 82×93 سنتمتراً، رسمها العزاوي مطلع السبعينيات، ومن أول أعماله التي تستلهم التراث العراقي القديم، وتختلف اللوحة عن أعماله الأخرى، فهي زرقاء بالكامل، مثل ليلة بغدادية في العراء دامسة الظلام غير مقمرة، والأشكال السومرية الخرافية فيها مرسومة بخطوط كثيفة زرقاء سوداء، وتتناثر حولها إضاءات خفيفة الزرقة. ومع أن الأشكال السومرية تتكرر في أعمال العزاوي الذي درس علم الآثار في جامعة بغداد، فهذه اللوحة تختلف عن أعماله التي تتميز بخطوط سوداء فاحمة وقرمزية باهرة، وملونة مشرقة، وهي سمة أعمال العزاوي، تعرفها من ألوانها.
وفوجئ مندوب دار المزاد، كما فوجئتُ، عندما رفضتُ تسليمه لوحة أخرى للعزاوي كنتُ قررتُ بيعها. ترتبط اللوحة، وموضوعها «القدس»، بذكريات فترة «ديمقراطية» من تاريخ العراق، نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، وقد زينها العزاوي بالآية القرآنية الكريمة: «السلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يُبعثُ حيا»، وبعبارة من الإنجيل: «لا تُعطوا القدس للكلاب ولا ترموا جواهركم للخنازير». وكنتُ استخدمتُ اللوحة غلافاً لمجلة «ألف باء» هرّبنا فيها مقاطع من قصيدة مظفر النواب المشهورة «القدس عروس عروبتكم» الحادة بحق بعض المسؤولين العرب. آنذاك طلب مني «النواب» ترتيب لقاء مع زميل لي في الجامعة في روسيا، أصبح مسؤولاً في السفارة السوفييتية ببغداد، لشرح وجهة نظرنا في الأوضاع القائمة. وبعد الاجتماع قال لي زميلي، وكان مسؤول المخابرات في السفارة، وتفوق سلطته سلطة السفير، إنه يتعاطف مع آرائنا إلاّ أنه لا يتوقع أن تتعاطف معها موسكو، الخاضعة لمواضعات استراتيجية كبرى.
ولا تعني تلك الذكريات لدار المزاد سوى أنها خسرت بسببها نسبة 10% التي تتقاضاها عن بيع كل عمل فني.
والعزاوي نافذة عراقية مطلة على ثروات لا مثيل لها في تاريخ الفنون التشكيلية الجميلة، العربية والعالمية، ليس فقط في أساليب الفنون ومدارسها، بل أيضاً في جغرافيتها وتجارتها وأسواقها وحضورها في حياة الأفراد والدول، وأسعار أعماله جزء من قفزات خارقة للفنون التشكيلية، حيث حققت رقماً قياسياً عربياً لوحة «الدراويش» للفنان المصري محمود سعيد، التي بيعت في مزاد «كريستيس» بمليونين ونصف المليون دولار، فيما اقتنت عائلة خليجية ثرية لوحة «لاعبي الورق» للفنان الفرنسي سيزان مقابل 250 مليون دولار.
«كيف ازدهر عالم الفن في اقتصاد عالمي؟ وماذا يعني ذلك للفنانين والتجار والقيِّمين على الفن، والجمهور؟»، يتساءل «جون زاروبيل»، الأستاذ بجامعة سان فرانسيسكو، في بحث عنوانه «الفن والاقتصاد العالمي»، ليكشف تماثلَ تعقيدات الفن والاقتصاد، حتى في الإبداع والإلهام. وإلهام العزاوي تمثل في أكبر لوحاته عن العراق، وهي «حلمي المحطم»، ارتفاعها 4 أمتار وعرضها عشرة أمتار، بالأسود والأبيض، مكتظة بخناجر وسيوف ورؤوس وأطراف مقطوعة.. ولا تضاهيها في الملحمية سوى جداريته «مجزرة صبرا وشاتيلا» التي رسمها على الورق، وقت وقوع المجزرة عام 1982 واقتناها متحف «تيت غاليري» في لندن عام 2016.
وذكر تقرير في صحيفة The National الصادرة بالإنجليزية في أبوظبي، أن مبيعات الأعمال الفنية العربية والإسلامية بلغت خلال خمس سنوات الأخيرة نحو 180 مليون دولار، اقتناها 120 زبوناً حول العالم. والقفزات الحقيقية ليست في الأسعار، بل في إنشاء فروع متاحف عالمية في دول الخليج، تضاهي الأصلية، مثل «اللوفر» و«غوغنهايم» في أبوظبي، وتنظيم معارض ومعارض استعادية فخمة في العديد من العواصم الخليجية، وانبثاق حركة نساء فنانات في الخليج، خصوصاً في إمارة الشارقة، وُصفت كـ«موجة تقدمُ وترفعُ الزوارق».
*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟