يعتبر التحالف الاستراتيجي الإماراتي- السعودي الشامل، بما في ذلك شقه الاقتصادي، تطوراً مهماً شهدته الساحة الخليجية في السنوات القليلة الماضية، وهو أدى عملياً، من ضمن أمور عديدة، إلى إعادة توزيع موازين القوى في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، وملء الفراغ الذي ساد في العقد الأول من القرن الحالي.
هذه الحقيقة أدت بخصوم دول الخليج العربية إلى التركيز للعمل لتفريق التجمع السعودي الإماراتي الكويتي البحريني، من خلال ضربه في مركزه المتمثل في التحالف السعودي الإماراتي، متناسين أن هذا التحالف يختلف عن كل ما سبقه من تحالفات، بما فيها التجمع الخليجي ذاته، إذ أن أسسه الجديدة تعتمد- إضافة إلى جوانب أخرى- على العامل الاقتصادي، مما يعني أن هذا التحالف تتعمق جذوره من خلال ترابط المصالح الاقتصادية للقطاعين الحكومي والخاص، وهو ما يشكل أكبر ضمانة لاستمراره ومقاومته لحملات التخريب التي يقودها التحالف الإقليمي المضاد.
وإلى جانب مجلس التنسيق الإماراتي- السعودي، والذي أقر في اجتماعه الأخير تنفيذ 44 مشروعاً اقتصادياً مشتركاً، فإن حجم الاستثمارات السعودية في الإمارات بلغ 10 مليارات دولار مع وجود أكثر من 3200 ترخيص استثماري سعودي مسجل بالإمارات، مقابل توسع أنشطة شركة «أدنوك» للتوزيع وافتتاح المزيد من الفروع لبنك «الإمارات دبي الوطني» في السوق السعودية.
وقبل عام أعلن عن تأسيس مجلس التنسيق السعودي- الكويتي، أما في شهر يوليو الماضي، فقد أعلن عن تأسيس مجلس التنسيق السعودي- البحريني، بالإضافة إلى مجالس ولجان تعاون بين كل من الإمارات والبحرين والكويت والتي ستؤدي إلى إحداث نقلة نوعية في التعاون والتنسيق الاقتصادي والاستراتيجي بين الدول الأربع، سيشكل ضمانة أمنية لحماية هذه الدول واستقرارها، بل ضمانة لاستقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط وفتح مجالات جديدة للتنمية والبناء.
ربما يتخوف البعض من أن ذلك يعتبر بديلاً لمجلس التعاون، والذي ساهم التخريب القطري الإيراني في الإساءة لمكوناته وتوجهاته، إلا أن ذلك غير دقيق، فقد أشرنا في مقالة سابقة إلى أن التعاون الخليجي وصل إلى مرحلة الجمود مصطدماً بجدار من الصعوبات، مما يتطلب نقلة نوعية لم تكن متاحة في ظل عمليات التخريب القطرية، في الوقت الذي لا يمكن فيه مواجهة التحديات الخطيرة بالمستوى الذي وقف عنده التعاون الخليجي، مما تطلب ضرورة إيجاد أساليب وطرق عمل جديدة للمحافظة على المكاسب الاقتصادية التي تحققت في العقود الأربعة الماضية وحمايتها.
من هنا جاءت فكرة إنشاء مجالس للتنسيق، والتي نعتبرها مكملة للنهج السابق لمجلس التعاون، والتي سيستمر العمل بها في نطاق المجلس- باعتبارها مكاسب أيضاً - مما يعني أنه لا يوجد تضارب بين نهج التعاون ونهج التنسيق، والذي يعتبر شكلاً أرقى وأكثر تجذراً، إلا أنه تعذر الأخذ به في نطاق الدول الست مجتمعة، بسبب انتهاج سياسات تتعارض مع المصالح العامة لدول المجلس.
والحال، فإن عمليات الإساءة والتخريب لضرب التحالف الاستراتيجي الإماراتي السعودي، وضرب لجان التنسيق بين الدول الأربع، اشتدت في الآونة الأخيرة، من خلال الإعلام القطري والإيراني، على اعتبار أن آفاق هذا التعاون، بما فيها المجال الاقتصادي، سيقلب الكثير من موازين القوى في المنطقة لصالح دول التحالف، وهو ما يستجيب لمتطلبات طبيعة الصراع في العصر الراهن، والذي يرتكز على أسس اقتصادية تتمثل في الذكاء الاصطناعي وثورة المعلومات واقتصاد المعرفة، وهذا ما لم تستوعبه قطر حتى الآن، والتي تعمل بنفس الأساليب التخريبية البالية التي تجاوزها الزمن.
في هذا الجانب بالذات استثمرت الدول الأربع مئات المليارات، وهي تحقق تقدماً مشهوداً، مقابل إنفاق مليارات الدولارات من قبل إيران وقطر على التسلح وتمويل منظمات وأعمال إرهابية على حساب التنمية والتقدم الاقتصادي، مما يعني أن الفوارق التنموية بين القطبين ستشهد تفاوتاً كبيراً يسجل لصالح الدول الأربع. أما حملات التشويه ومحاولة ضرب التحالف الإماراتي- السعودي بعمقه العربي، فسوف تتبخر في الأثير مع بث قناة «الجزيرة» ومع تبخر أموال الغاز الفاسد، والتي تتوالى خسائرها من ليبيا في الغرب وحتى اليمن في الشرق، مروراً بتونس ومصر وبلدان الخليج العربي.
*مستشار وخبير اقتصادي