صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

العلوم.. والعيد المتنقل


هكذا هي العلوم مثل باريس في قصة الروائي همنغواي: «إذا واتاك الحظ بما يكفي للعيش في باريس، وأنت شاب فذكراها ستظل معك أينما ذهبت طوال عمرك، لأن باريس وليمة متنقله». وأنا محظوظ بولائم العلوم المتنقلة. في يوليو عام 1996 كنتُ و500 وزير وخبير في الاتصالات والإعلام من بلدان عربية وأوروبية في قاعدة الفضاء الأوروبية «كورو» في «غويانا» الفرنسية على ساحل المحيط الأطلسي، شمال شرق أميركا الجنوبية، ننتظر ليومين، وبفارغ الصبر، إطلاق الصاروخ الأوروبي «إريان» حاملاً قمري «عربسات» العربي و«تركسات» التركي. وتعالت هتافات بالفرنسية، والعربية، والتركية في صالة المراقبة لحظة الانطلاق، فيما دَوّى صوت المهندس السوداني محمد عبدالغفار ممثل «عربسات» يهتف: «إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً».
والعيد حيث علوم الرياضيات التي يقول عنها إنشتاين «منذ غزا علماء الرياضيات نظريتي في النسبية لم أعد أفهمها قطّ». عرفتُ مرح الرياضيات عندما استهللت عملي بحديث عام 1989 مع أبرز علمائها في العالم، وهو مايكل عطية اللبناني الأصل، الذي نال جميع جوائز الرياضيات المعادلة لـ«نوبل»، وشرع في بحث ما يسمى «النظرية التي تفسر كل شيء»، والتي يستمر البحث عنها حتى الآن. فالرياضيات تتكون من معادلات وبراهين وخيال. وما توقعتُ أن أجد هذا المزيج المرح في مؤتمر «الجمعية السعودية لعلوم الرياضيات» بالرياض، والذي عُقد في أبريل عام 1994، وشاركتْ فيه لأول مرة سعوديات دكتورات في الرياضيات، هن فاطمة العبودي، وخالدة عناية نور وسمية الباني. وقد تراوحت مواضيع البحوث المقدمة خلال المؤتمر ما بين «الرياضيات المشوشة» المعتمدة في بناء المكائن «الذكية»، و«الطوبولوجيا» التي تُستخدم في توصيف تركيب المكان الزمان الكوني، و«الرياضيات الكسرية» التي تدرس الأنظمة العشوائية مثل الاقتصاد العالمي، وتقلبات المناخ. والمرح وفير في جلسة مشاكل تعليم الرياضيات، حيث رَوَى أستاذ رياضيات نكتة عن طالب ادّعى في الامتحان أنه نسي معادلة تفسير كل شيء في الكون، فقال المدرس متحسراً: «لا أحد يعرف هذه المعادلة سوى الله سبحانه وتعالى.. وها أنت نسيتها!».
وأكثر مباهج الأعياد إثارة في الطفولة كان تأجير حصان ودخول «الفضل» حيَنا الشعبي في بغداد دخول الفاتحين. استعدتُ هذه الإثارة عندما أقلعتُ عام 1991 بطائرة «بوينغ 777» من مطار مدينة سياتل، في ولاية واشنطن. و«بوينغ 777» كومبيوتر طائر وارتكبتُ في قيادتها أخطاء قاتلة عندما انعطفتُ فجأة بالطائرة إلى اليسار فوق منطقة البحيرات، وكدتُ أسبب كارثة وأحطم الطائرة التي يبلغ سعرها 150 مليون دولار، لولا أن الطائرة كانت جهاز محاكاة للتدريب، قائماً على رافعات هيدروليكية تحاكي جميع تفاصيل الطيران، بما في ذلك اختراق طبقات الغيوم، والتحليق فوق ذرى الجبال، ورؤية وميض السيارات في الطرق، وحتى الشعور بالدوران، الذي أصابني عندما انحدرتُ بالطائرة نحو أرض مطار سياتل. ويُحتسبُ الطيران بجهاز المحاكاة كالطيران الحقيقي، وتُسجّل ساعات العمل فيه للمدربين.
تفاءلوا بالعلوم تجدوها حتى في قضايا تغير المناخ وتلوث البيئة التي أخذتني حول الكرة الأرضية، من الكويت، حيث صدر عام 1989 في 500 صفحة الكتاب الذي ترجمته، وعنونه «مستقبلنا المشترك»، والذي تضمن تقرير «اللجنة العالمية للبيئة والتنمية»، وعبر مؤتمرات المناخ التي غطيتها في جنيف، وفيينا، وكوبنهاغن، وباسادينا، وحتى ريودي جانيرو في البرازيل، حيث غطيتُ عام 1992 «قمة الأرض» وفيها وقّعَ زعماء العالم على أول اتفاقية حول تغير المناخ العالمي. وقد أدهشني، الشهر الماضي، تقرير في المجلة العلمية «نيوساينتست» عن «الصين التي تخطّت منذ تسع سنوات التزامها خفض إطلاق غازات الدفيئة، وفق اتفاقية باريس، وهذه الخطوة الهائلة تعد أهم إجراء لتجنب الاحترار العالمي الخطير».
وبعد عمر من أعياد العلوم، أفهم الحكيم الصيني كونفشيوس، الذي يقول: «العمر المتقدم، صدِّقني أمر جيد ولطيف. صحيح أنك ستكون خارج المسرح لكنك ستُعطى كمتفرج مقعداً أمامياً مريحاً».

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟