صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

أميركا وعنف المسدسات


إن الولايات المتحدة هي أكثر الدول استثنائية في العالم حين يتعلق الأمر بملكية المسدسات والوفيات المتعلقة بها. والإحصاءات تتحدث عن نفسها. فهناك مسدسات في المنازل الأميركية أكثر من الأشخاص في البلاد. وهذا يعني أن في الولايات المتحدة أكثر من 329 مليون مسدس. ومقارنة بالدول الأخرى، فإن كل 100 شخص في الولايات المتحدة يمتلكون 120.5 مسدس. وتأتي جزر الفوكلاند في المرتبة التالية حيث كل 100 شخص هناك يمتلكون 62.1 مسدس، بينما كل 100 شخص في ألمانيا يمتلكون 19.6 مسدس فقط.
وفيما يتعلق بالقتل بالمسدسات لكل مليون، نجد أن أستراليا يموت فيها 1.4 شخص من كل مليون بالمسدسات، والنسبة لكندا تبلغ النسبة 5.5 شخص، لكنها في الولايات المتحدة تصل 29.7 شخص. ومنذ عملية إطلاق النار الجماعي في مدرسة ساندهوك يوم 14 ديسمبر عام 2014 بمدينة نيوتون بولاية كونتيكت، وقعت 2000 عملية إطلاق نار جماعي في أميركا. ويُعرف إطلاق النار الجماعي غالباً بأنه إطلاق نار يتسبب في مقتل أربعة أشخاص أو أكثر. وأحدث الحالات وقعت بمدينة الباسو بولاية تكساس، ثم في دايتون بولاية أوهايو يومي الثالث والرابع على التوالي من شهر أغسطس الجاري. وهذا يعني أن هناك افتراضياً إطلاق نار جماعيا في أميركا كل يوم.
ورغم حجج المدافعين عن امتلاك المسدسات، فالواقع أن الولايات التي بها أكبر عدد من المسدسات، تشهد عدداً أكبر من الوفيات الناتجة عن المسدسات. والولايات التي بها عدد أقل من المسدسات تقع فيها وفيات أقل بسبب المسدسات. والاتجاه نفسه ينطبق على دول متقدمة أخرى رغم أن الأعداد الصافية أقل بكثير. والدول التي بها عدد من المسدسات أكبر من جيرانها، مثل سويسرا، لديها عدد أكبر من الوفيات التي سببها المسدسات.
وفيما يتعلق بأنماط القتل، فالمسدسات تستخدم في أغلب الأحوال في الانتحار والقتل، وأحياناً ما تقع حوادث القتل غير المقصود نتيجة وجود مسدسات. والولايات التي بها عدد أكبر من المسدسات تقع فيها عمليات انتحار باستخدام المسدسات أكثر من الولايات الأخرى. وأكثر الوسائل شيوعاً في الانتحار هي قطع الشرايين أو السم أو استخدام المسدسات. ونسبة النجاح في الانتحار باستخدام قطع الشرايين تبلع 5.1%، وفي حالة تعاطي السم تبلغ 7.4% أما في حالة استخدام المسدسات فتبلغ 96.5%. وملكية المسدسات في أميركا مقتصرة على أقلية من المواطنين. فقد أشار معهد بيو البحثي إلى أن أربعة فقط من كل عشرة راشدين أميركيين يعيشون في منازل بها مسدسات. وهذا يعني أن 57% من الأميركيين يعيشون في منازل بلا مسدسات. ويضاف إلى هذه الإحصاءات أن غالبية مالكي المسدسات، بواقع 66%، يمتلكون أكثر من مسدس. ومعظم مالكي المسدسات يجادلون بأنهم يمتلكون المسدسات لحماية أنفسهم وأسرهم. وأربعة من كل عشرة من ملاك المسدسات ذكروا أن هناك على الدوام مسدساً محشواً بالذخيرة في متناول اليد في المنزل.
ولتفسير انشغال الأميركيين بالمسدسات هناك عوامل تاريخية مهمة، فقد جاء مهاجرون بيض إلى أميركا من أوروبا بأعداد متزايدة منذ بداية القرن السابع عشر، وواجهوا بيئة قاسية ومعادية. وكانت الأسلحة النارية أساسية للحصول على الطعام والحماية من عدوان الأميركيين الأصليين الذين شاهدوا أراضيهم ومعايشهم يغتصبها الوافدون الجدد. وحين حلت الثورة الأميركية والحرب ضد بريطانيا في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، كان امتلاك الأسلحة النارية يعتبر ضرورة لحماية المواطنين، ليس فقط من العنف العشوائي في الداخل، ولكن أيضاً من العنف المنظم من دولة أجنبية في الخارج. وما أن حققت الولايات المتحدة استقلالها وظهر الدستور الجديد وتضمن التعديل الثاني الذي نص على أن «الميليشيا المنظمة جيداً ضرورية لأمن دولة حرة، ولذا يجب ألا يُنتهك حق الأشخاص في امتلاك وحمل الأسلحة». وهذه العبارة القصيرة المقتضبة خضعت لعدة تفسيرات عبر السنين. وفي السنوات القليلة الماضية، سمحت بعض الولايات للسكان ليس فقط بشراء البنادق القتالية بل أيضاً بحملها علناً، وهناك عدد يتزايد من الولايات لديها قوانين تمكن المرء من حمل عدد صغير من الأسلحة إلى كل مكان في نطاق الولاية. وأكثر الناس دفاعاً عن حرية امتلاك الأسلحة لا يؤمنون بعمليات فحص الخلفيات والبيانات للأشخاص قبل الشراء إلا في الحالات المتطرفة، ويريدون عدم تقييد أنواع أو أرقام الأسلحة التي يمكن شراؤها بما في ذلك البنادق عسكرية الطراز ذات الخزائن العملاقة.
والصراع السياسي الحالي في الولايات المتحدة بشأن المسدسات لن ينتهي، وسيكون نقطة محورية في الانتخابات الرئاسية العام المقبل، مع تزايد عدد «الديمقراطيين» الذين يقيمون الحجج بشأن ضرورة سن قوانين جديدة في قضايا الرعاية الصحية وعنف المسدسات. والقضية تثير حالياً ما يكفي من الشقاق، ويمكن مقارنتها بالانقسامات المريرة التي سبقت الحرب الأهلية وقضية العبودية. وربما تكون هذه مقارنة مبالغ فيها، لكن التأثير التراكمي لإطلاق النار الجماعي كان له تأثير كبير على توجهات التصويت المحتمل للمواطنين الأصغر سناً والأقليات الذين استهدفهم عدد كبير من إطلاق النار.


*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشيونال إنترست» -واشنطن

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟