صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

صندوق النقد و«القيمة المضافة»


على مدى سنوات أتيحت لنا الفرصة للالتقاء سنوياً ببعثة صندوق النقد الدولي التي تزور دول الخليج العربي لتبادل الآراء وتقييم الأوضاع الاقتصادية، حيث تتمتع هذه المؤسسة الدولية بمهنية معروفة، كما أن خبرائها ومبعوثيها يتمتعون بمستويات مهنية جيدة، إلا أن بعضهم لا يلم بصورة شاملة بالأوضاع الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي. ومع أن الآراء التي يستمعون إليها من خلال لقاءاتهم تجد مكانة في تقريرهم السنوي الذي يعدونه بعد عودتهم، إلا أنهم في الوقت نفسه يتمسكون بتوصيات جاهزة وشاملة وصالحة لكل الدول من وجهة نظرهم.
هنا تكمن أحد أهم القضايا التي لا بد من الانتباه لها لتوصيات صندوق النقد الدولي، والتي ربما لا تكون مناسبة لكافة الدول لأسباب عديدة، فما يصلح لهذا البلد ربما لا يناسب بلد آخر، فمؤخراً اقترح صندوق النقد الدولي على بعض دول الخليج مضاعفة ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 10%، وهو اقتراح بحاجة للتأني ودراسة تداعياته المحتملة من كافة الجوانب.
لقد كنا ولا زلنا من مؤيدي ضريبة القيمة المضافة، باعتبارها ضرورة اقتصادية وأداة مالية وتنموية مهمة للغاية، حيث نوهنا لتفاصيل هذه الأهمية في أكثر من مقالة هنا، إلا أن التسرع في مضاعفة قيمتها خلال فترة زمنية قصيرة جداً لا تتعدى سنتان، ربما يخلق العديد من التداعيات التي ستنعكس بصورة غير مرغوبة على نمو القطاعات الاقتصادية وعلى الأوضاع الاقتصادية بشكل عام.
صحيح أن نسبة ضريبة القيمة المضافة في الدول الأوروبية تتراوح ما بين 15-20% كما هو الحال في المملكة المتحدة، إلا أن ذلك استغرق عشرات السنين وتم بصورة تدريجية مدروسة، مما يعد مختلفاً تماماً عن الدول حديثة العهد بهذه الضريبة، وبنظام الضرائب بشكل عام، أي بمعنى أنه لا بد من إتاحة الوقت ليتمكن الاقتصاد المحلي في كل دولة من امتصاص تداعيات هذه الضريبة، والتعامل معها واستيعابها بصورة تقلل من انعكاساتها السلبية، فضريبة القيمة المضافة لها إيجابيات اقتصادية، إلا أنها تفرز ظواهر معاكسة أيضاً، إذ لا توجد ظاهرة أحادية الجانب، فهناك ظواهر سلبية اقتصادية واجتماعية ملازمة لا بد من معالجتها والتخفيف من حدتها.
لذلك، فانه قبل الأخذ بتوصية صندوق النقد الدولي لا بد من تقييم التجربة السابقة، والتي مضى عليها سنتان، وفرز الإيجابيات والسلبيات ووضع الحلول التي يمكن أن تجعل من هذا التوجه أكثر فائدة للاقتصاد وللمجتمع على حد سواء. تجدر الإشارة إلى أن فترة السنتين قصيرة جدا للخروج بنتائج صحيحة، إذ يتطلب الأمر خمس سنوات من التطبيق لنسبة 5% لتقييم التداعيات بصورة مهنية شاملة، خصوصاً وأن الأوضاع الاقتصادية والجيو-سياسية في المنطقة تعاني من تطورات خطيرة، مما يتطلب تقوية البنية الاقتصادية والمجتمعية والأمنية لتعزيز الاستقرار والتنمية.
النتائج التي يمكن التوصل إليها بعد ثلاث سنوات من الآن -أي بعد مضي خمس سنوات على الأخذ بهذه الضريبة – ستوضح الصورة من خلال التقييم المهني والذي على ضوئه يمكن اتخاذ قرار الإبقاء على نسبة 5% أو زيادتها وفقا للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة في ذلك الوقت.
وعلى افتراض أن التقييم يشير إلى إمكانية رفع نسبة «القيمة المضافة»، فإن ذلك لا يمكن أن يكون بمضاعفتها مرة واحدة إلى 10% بل بزيادتها التدريجية، كأن تكون إلى 7.5 ومن ثم 10%، علماً بأن عملية التقييم ربما تشير إلى ضرورة تخفيض نسبة الضريبة - وهذا احتمال وارد جداً - وهو ما حدث ويحدث في الكثير من البلدان، بما فيها الأوروبية، والتي رفعت الضريبة في بعض الأوقات وخفضتها في أوقات أخرى طبقاً للأوضاع الاقتصادية السائدة ومتطلبات التنمية والاستثمار ومعدلات النمو.
الاستفادة من دراسات واقتراحات المؤسسات الدولية أمر مطلوب ومهم، إلا أنه لا بد من مزجه بآراء واقتراحات الخبرات المحلية، التي تعرف واقعها ومجتمعها أكثر من غيرها، تلك الخبرات والتي تزخر بها دول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الحاضر، وذلك بفضل التقدم الذي أحرزته دول المجلس في العقود الماضية.
*مستشار وخبير اقتصادي

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟