صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

وداع رائد الفضاء الفنان

«سحرتني النجوم، كانت في كل مكان، فوقي، وتحتي، وعن يساري، ويميني، وأستطيع أن أسمع حتى الآن أنفاسي، ونبض قلبي في ذلك الصمت». قال ذلك رائد الفضاء الروسي «ألِكسي ليونوف»، أول إنسان مشى قبل 54 عاماً في الفضاء المفتوح. وشارك الفضاءُ الأرض في تأبين وفاته يوم الجمعة الماضي، حيث قطعت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» عملية مغادرة رواد فضاء أميركيين خارج المركبة، وأعلنت ذلك «تكريماً لذكرى ليونوف». ونشر الإعلام العالمي تفاصيل مجهولة عن مأثرة مغادرته مركبة «فوسخود 2» عائماً في الفضاء، لا يربطه بالمركبة سوى سلك طوله نحو أربعة أمتار، وأطال البقاء في الفضاء فترة 12 دقيقة، كان من الممكن أن تستمر إلى الأبد، عندما انتفخت بدلته الفضائية، وتصلّب نسيجها بشكل خطر، وأفلتت يداه من قفازيه، وانفّك قدماه عن الجزمة، وعجز عن الدخول في مركبته المقفلة هوائياً. وزاد الأمر سوءاً اندفاع المركبة في اتجاه ظل الأرض، وأدرك «ليونوف» أنه قد يهوي خلال خمس دقائق في ظلام دامس، ودون أن يضيع وقتاً في استشارة قيادة الرحلة في مركز الفضاء على الأرض، غامَرَ بثقب بدلته الفضائية لتفريغ بعض الأوكسجين المنتفخ داخلها، واستطاع بالكاد أن يحشر نفسه داخل المركبة، ليس كما خرج بقدميه أولاً بل برأسه. وكان عليه أن يلتف بجسده، ليحشر نفسه داخل الحيز الضيق، قبل أن يقرر زميله في الرحلة، رائد الفضاء «بافل بيلاييف»، فتح باب الحجرة الداخلية للمركبة. وساعد «ليونوف» تدريبه كرائد في القوات الجوية، على التصرف في اللحظات الحرجة، واتخاذ قرار خطير آخر عند عطل جهاز تسيير المركبة، فهبط بها اضطرارياً في غابة في جبال الأورال، وكان على الرائدين انتظار الإنقاذ ثلاثة أيام.
ولم يُعلن عن هذه المعلومات إلا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وكشف أخيراً برنامج تلفزيوني في فضائية «روسيا 24» التفاصيل المجهولة، وعرض لقطات وثائقية حولها، ومشاهد من حياة «ليونوف» الشخصية، بعضها وهو في مرسمه يرسم لوحات بالزيت والأقلام الملونة. وعرض متحف مدينته «كالينينغراد» لوحته الزيتية «منظر بحري» و«ألبوم رسوم مناظر الفضاء والأرض». وكان يمكن أن يصبح فناناً لولا حاجته المالية التي اضطرته إلى دخول القوة الجوية. واشتهر «ليونوف» برسومه، ومن بينها «اللوحة في الجاذبية صفر» التي رسمها خلال تحليقه الملحمي خارج مركبة «فوسخود 2».
وساهم «ليونوف» في عام 1975 بمأثرة فضائية ثانية عندما وصل بين مركبتي «سويوز 19» الروسية، و«أبولو» الأميركية، واستمّرَ الوصل 50 ساعة، تبادل خلالها الرواد الروس والأميركيون الهدايا، وأثمنها فتح الآفاق لسلسلة إنجازات فضائية، بينها إصلاح عطب التلسكوب الفضائي «هابل»، وبناء «محطة الفضاء الدولية» التي تستضيف حتى الآن رواد فضاء من مختلف بلدان العالم، بينهم رائد الفضاء الإماراتي هزاع المنصوري.
وعرفتُ لحظتين مثيرتين مع «ليونوف»، الأولى عندما التقيته عام 1969، وكنت موفداً إلى موسكو مع رؤساء تحرير صحف عراقية. واحتلت صورة لقائنا غلاف مجلة «ألف باء» البغدادية، التي تواصل الصدور حتى الآن، واللحظة المثيرة الثانية كانت في عام 1992 عندما كنت أغطي اجتماع «الجمعية العالمية لرواد الفضاء» في مختبر «وكالة الفضاء الأوروبية» بمدينة «نووردويك» جنوب هولندا. وشاهدت كيف خفّف «ليونوف» توتر اللقاء، وربما ضاعفه عندما تبّسَطَ بحديث مرح عن استعداده للكشف عما يرغب فيه الحاضرون من أسرار «وكالة الفضاء السوفييتية»، أو الروسية التي خلفتها وأصبح مديراً فيها. و«ليونوف» من الجيل الروسي الذي عاش أعظم وأسوأ أوضاع بلده، ويصعب القول في أيهما تحبه أكثر. وتلك هي روسيا التي يقول عنها رئيسها الحالي فلاديمير بوتين، خريج جامعة «بطرسبرغ»: «روسيا ليست موجودة بين الشرق والغرب، بل الشرق والغرب موجودان إلى يسار ويمين روسيا».
*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟