صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

خصم في ثياب الحليف


بصرف النظر عن الدور المعقد الذي لعبه البيت الأبيض في تعقيد الموقف، وبعد الاتفاق الأميركي التركي على وقف العملية العسكرية في شمال شرق سوريا، فإن التدخل العسكري التركي الحالي في شمال شرق سوريا، أدى إلى حالة من الغضب في واشنطن لن يتبدد قريباً. والرئيس دونالد ترامب، بعد أن أدرك الاستياء الشائع وسط المشرعين، فرض عقوبات على وزارتي الدفاع والطاقة التركيتين، وأيضاً على مسؤولين أتراك رفيعي المستوى. لكن الإجراءات العقابية ليست كافية. والتصعيد التركي جعل أعضاء من مجلسي الشيوخ والنواب يفكرون في مشروعات قوانين تستهدف الأصول المالية الأميركية للرئيس التركي وتعلق الدعم العسكري الأميركي للدولة الشريك في حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وضمن هذا الإطار، وصف السيناتور «الديمقراطي» كريس فان هولين الذي يتزعم مساعي فرض العقوبات في الكونجرس إلى جانب السيناتور «الجمهوري» ليندسي جراهام التحركات المبدئية لترامب التي تتضمن فرض رسوم جمركية أعلى على الصُلب التركي المستورد بأنه «رد بائس» على الغزو التركي. وكتب «فان هولين» في تغريدة على «تويتر» يقول فيها إن «صادرات الصلب إلى الولايات المتحدة لا تمثل إلا أربعة أعشار من 1% من صادرات تركيا. وبينما يتحدث ترامب عن فرض عقوبات على مسؤولين أتراك، مازال يعتزم الاجتماع مع أردوغان الشهر المقبل. يتعين على الكونجرس يمضي قدما في طريقه وأن يفرض عقوبات مشددة تؤثر على السلوك التركي».
وأشار ديفيد إغناطيوس، الكاتب في صحيفة «واشنطن بوست»، إلى أن إذعان ترامب المبدئي لأردوغان وقراره بسحب القوات الأميركية بالكامل من شمال شرق سوريا-وهي القوات التي ساعدت في حماية دولة كردية سورية مستقلة بحكم واقع الحال- أثار غضب طائفة من المسؤولين الأميركيين في الجيش وفي السلكين الدبلوماسي والاستخباراتي ممن يعلمون جيدا بموت آلاف الأكراد في الحملة التي قادتها الولايات المتحدة ضد داعش. وصرح مسؤول بارز سابق من وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية لإغناطيوس قائلا «إنها طعنة خنجر في القلب أن نتخلى عن الناس الذين أراقوا دماءهم من أجلنا».
ولا يقتصر هذا الشعور على واشنطن فحسب. فقد أعلنت وزارة الخارجية الكندية أنها علقت يوم الثلاثاء الماضي مؤقتاً على الأقل مبيعات أسلحة جديدة لتركيا. وحذرت أتاوا في بيان من أن تصرف أنقرة من جانب واحد «يغامر بتقويض الاستقرار في منطقة هشة بالفعل ويفاقم الوضع الإنساني ويعصف بالتقدم» الذي حققه التحالف المناهض لداعش. ويوم الاثنين، تعهدت دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي بأن توقف صادرات الأسلحة إلى تركيا رغم أنها لم تفرض حظرا رسميا لكل التكتل. وهذه الدول هي ألمانيا وفرنسا وفنلندا والسويد ثم تبعتهم بريطانيا، وأردوغان لا يتمتع بشعبية في الغرب حيث تعتبر حكومات كثيرة أن حكمه الذي يتزايد سلطوية يضر بالديمقراطية التركية. والفصيل السوري الكردي المحاصر الذي تعتبره تركيا جماعة «إرهابية» لعب دورا حيويا في تحقيق المصالح الاستراتيجية للغرب في سوريا. وأوروبا تنظر إلى أردوغان باعتباره ديماغوجي خطير يقف على أعتاب أوروبا. ويُنظر إليه على أنه خصم في ثياب الحليف.

وصرح سونر جاغابتاي مؤلف كتاب «إمبراطورية أردوغان: تركيا والسياسة في الشرق الأوسط» لواشنطن بوست بأن «الهوس بأردوغان شوه دوما سياسة تركيا في واشنطن». وكان أردوغان في السنوات الأولى من حكمه محل احتفاء في العواصم الغربية باعتباره ليبراليا يدشن عصرا جديدا وأحدث تغييرا في الدولة التركية التي كان جيشها متغطرسا وفيها بيروقراطية خانقة يهيمنان عليها.

لكن صورة أردوغان أصبحت سيئة حاليا خاصة وسط مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية. ويرى جاغابتاي أن واشنطن لا ترى في تركيا إلا المستبد المحتمل في أنقرة متجاهلة المخاوف واسعة النطاق التي يشترك فيها كثيرون من خصوم أردوغان المحليين بشأن ظهور دولة كردية سورية على حدود تركيا. والغزو التركي جعل العلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة محور حديث في واشنطن. وذكرت تقارير أن مايك بنس نائب الرئيس ومايك بومبيو وزير الخارجية يتوجهان إلى تركيا لإجراء محادثات بشأن وقف محتمل لإطلاق النار.

وأطلق أردوغان سهامه في مقال نشر في صحيفة وول ستريت جورنال على منتقديه في الغرب والعالم العربي مجادلا بأنه يطهر الفوضى التي تسبب آخرون فيها. وكتب الرئيس التركي يقول «أضاع المجتمع الدولي فرصته في منع الأزمة السورية من أن تسحب المنطقة برمتها إلى دوامة عدم استقرار» وأكد الرئيس التركي على أن حملة حكومته الجديدة «ستستعيد السلام والاستقرار». لكن هناك طائفة من المنتقدين تختلف مع هذا مشيرين إلى تقارير عن أعمال وحشية ونزوح آلاف المدنيين والخوف من صعود داعش مرة أخرى. لكن في هذا الجزء من العالم الذي لا تدفع فيه القوى الإقليمية إلا ثمنا زهيدا مقابل ما تخلقه من فوضى مثل هذه، فربما ينتهي الحال بمغامرة أردوغان لأن تصبح أمرا طبيعيا.
*صحفي متخصص في الشؤون الخارجية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟