صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

طفرة في العلاقات الهندية السعودية



تشهد العلاقات بين المملكة العربية السعودية والهند نمواً سريعاً. ومن المؤكد أن زيارة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي إلى السعودية، الأسبوع الماضي، قد ساعدت البلدين على توسيع نطاق العلاقات، وأظهرت بوضوح الأهمية التي توليها الدولتان لبعضهما البعض ولتعزيز علاقاتهما الاستراتيجية. وقد كان «مودي» في العاصمة السعودية الرياض لإلقاء خطاب رئيسي في قمة مبادرة الاستثمار في المستقبل، والتي عقدت تحت عنوان «دافوس الصحراء». وتأتي هذه القمة بمبادرة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والذي تشمل خططه المستقبلية أيضاً تنويع الاقتصاد السعودي وتقليل اعتماد اقتصاد المملكة على المنتجات البترولية، في إطار رؤيته الطموحة 2030.
وفي محادثاته مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان، أكد رئيس الوزراء الهندي مجدداً، التزام الهند التام والثابت بمواصلة توجيه العلاقات الاستراتيجية بين البلدين في مسار صاعد. وعقب المحادثات، اتفق البلدان على إنشاء «مجلس شراكة استراتيجية» للتنسيق بشأن القضايا المهمة. وتهدف هذه الآلية رفيعة المستوى إلى عقد اجتماعات قمة مرة كل عامين وحوار على المستوى الوزاري سنوياً. وسيرأس الاجتماعات على المستوى الوزاري وزراء خارجية البلدين، أما بالنسبة للدفاع فستكون هناك مجموعة فرعية تحت هذه المظلة. ويهدف المجلس بشكل رئيسي إلى مراقبة التنسيق السلس لتنفيذ الاتفاقيات الموقعة بين البلدين.
وعقب المحادثات، تم توقيع 12 مذكرة تفاهم حول التعاون في عدد من المجالات، من بينها الصناعة العسكرية والأمن والطاقة المتجددة والطيران المدني. كما تم توقيع مذكرة تفاهم لطرح بطاقة «روباي» (RuPay) في السعودية، ما يجعل المملكة ثالث دولة في الخليج العربي، بعد الإمارات العربية المتحدة والبحرين، تقدم نظام الدفع الرقمي في الهند. وتم توقيع اتفاقية أخرى مهمة بين شركة الاحتياطات البترولية الاستراتيجية في الهند وشركة أرامكو السعودية، والتي ستؤدي إلى قيام السعودية بإنشاء مرفق ثانٍ لاحتياطي الوقود بولاية كارناتاكا الجنوبية في الهند.
لقد تم تعزيز العلاقات بين الهند والسعودية منذ سنوات وحتى الآن. وبعد تدشين علاقات دبلوماسية بين البلدين في عام 1947، بعد فترة وجيزة من حصول الهند على الاستقلال، تبادل الجانبان الزيارات رفيعة المستوى. وأدت الزيارة التاريخية لعاهل السعودية الراحل الملك عبد الله بن عبدالعزيز للهند في عام 2006، في إطار سياسته تجاه الشرق، إلى إرساء أسس العلاقات الاستراتيجية مع التوقيع على «إعلان دلهي» الذي أعطى زخماً جديداً للعلاقات الثنائية. أما زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى السعودية، بعد فترة وجيزة من توليه السلطة في عام 2014، فقد ركزت بشكل خاص على علاقات الهند بدول الخليج العربي، لا سيما مع دولة الإمارات والسعودية. وخلال زيارته إلى السعودية عام 2016، اتفق البلدان على مواصلة التعاون بشكل أعمق في مجال الأمن وتبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب.
ومن ناحية أخرى، عرّفت السعودية الهند، وهي واحدة من أسرع اقتصادات العالم نمواً، كقوة ناشئة ليس فقط في شبه القارة الهندية، بل أيضاً في منطقة جنوب وجنوب شرق آسيا بالكامل. واختارت السعودية نيودلهي من بين الشركاء الاستراتيجيين الثمانية الذين قررت الرياض تعميق الشراكة معهم في مختلف المجالات السياسية والأمنية والتجارية والاستثمارية والثقافية. والدولتان تربطهما علاقات قوية، خاصة في ظل وجود 2.7 مليون هندي يعملون ويعيشون في السعودية وحجم التجارة الثنائية التي بلغ حجمها العام الماضي 27.5 مليار دولار، حيث تعد السعودية رابع أكبر شريك تجاري للهند. كما تعد السعودية مصدراً رئيسياً للطاقة، حيث تستورد الهند حوالي 18% من احتياجاتها النفطية من المملكة. وفي عامي 2018-2019، زاد حجم التجارة الثنائية بين الهند والسعودية بنسبة 23.83% ليقترب من 34.03 مليار دولار. وبينما لا تزال الطاقة جزءاً أساسياً من العلاقة التجارية، هناك الآن محاولة لتجاوز علاقة البائع والمشتري.
من الواضح أن زيارة «مودي» كانت استمراراً لجهوده المتجددة للانخراط مع دول الخليج العربي. لقد زار دول الخليج أكثر من أي رئيس وزراء سابق، وأقام في الوقت نفسه روابط وثيقة مع قطاع عريض من القادة في العالم العربي. وقد ثبت أنه من المفيد للغاية بالنسبة لكل من الهند والعالم العربي، تعزيز التعاون في عدد من المجالات تتراوح من الطاقة إلى الدفاع إلى الفضاء والأمن الإقليمي. وبينما تحتاج الهند إلى السعودية من أجل أمنها في مجال الطاقة وأيضاً الاستقرار في جوارها المباشر، تحتاج السعودية أيضاً، في إطار نموها الاقتصادي، إلى شركاء مثل الهند، التي تبرز كعملاق آسيوي في مجال الاقتصاد وكذلك في قوتها العسكرية.
وفي الواقع، شهد هذا العام واحداً من أكبر الاستثمارات. فقد أدى قرار شركة «ريلاينس إنداستريز» بتخصيص حصة نسبتها 20% من نفطها للعمل في مجال المواد الكيميائية مع شركة أرامكو السعودية بقيمة 75 مليار دولار، إلى جعلها واحدة من أكبر الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ومن ناحية أخرى، هناك استثمارات سعودية حالية بقيمة 100 مليار دولار تقريباً في مجالات الطاقة والتكرير والبنية التحتية والزراعة. ومع حدوث تغييرات في النظام العالمي وفي التحالفات، من الواضح أن العلاقات بين السعودية والهند في وضع مستقر، وستكون إحدى دعائم تعزيز الاستقرار في المنطقة.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟