صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

عندما تغيّر العالم


إذا كنت في عمر السبعين فما فوق، وتعيش في بلد غربي متقدم كبريطانيا، فاقرأ على نفسك السلام، لأن اليمين المحافظ الذي يحكم البلد كرّس جهوده سنوات طويلة لتفكيك نظام الخدمة الصحية العامة. ويُقرّ الآن رئيس الحكومة البريطانية بوريس جونسن بعدم توفر وسائل صحية تحمي المسنين، ولا حتى إرشادات سوى «ابقَ في البيت». كرّر هذه العبارة ثلاث مرات في خطابه الاثنين الماضي، حيث شدّد على حجر المسنين في منازلهم، ومنع أي تجمهر في مكان عام. واعترف جونسن بانعدام الوسائل الكافية لخدمة السكان، لكنه وعد بدفع 80% من مرتبات العاملين في القطاع الخاص، ويصعب تصور ذلك. وحتى لو كانت لندن تملك الأموال الكافية، فإنها تفتقر لآليات التدقيق والمحاسبة، وهي من مقومات الأنظمة الاشتراكية.
ولا إرشادات عملية تقدمها لندن للسكان، سوى غسل اليدين بالماء والصابون مرات عدة في اليوم. ومثل واشنطن، تقتفي لندن استراتيجية الصين في تسطيح ذروة الوباء التي تطيل أمده، إلاّ أنها تقضي عليه، وتقلل عدد الضحايا. وقبل شهرين كانت الصين التي اندلع فيها الوباء، موضوع سخرية أميركية، وما يزال «بومبيو» وزير خارجية واشنطن، يطلق على الفيروس اسم مدينة «ووهان»، فيما تحظى الصين بالإعجاب العالمي، وتتطلع إليها البلدان المنكوبة، طلباً للعون والخبرة، وقد سارعت بإرسال خبراء والمساعدات الصحية إلى إيطاليا، وكذلك فعلت روسيا وكوبا، إذ أرسلت موسكو تسع طائرات شحن «إليوشن» إلى إيطاليا محملة بالتجهيزات الطبية، ومنظومات تعقيم وسائل النقل والأماكن العامة، ومئة طبيب عسكري وأخصائي في علم الأوبئة، يملكون خبرة التعامل مع الطاعون الأفريقي والجمرة الخبيثة، فيما تواصل واشنطن، حتى في هذا الظرف الحرج، حربها التجارية ضد روسيا، وضد الصين خصوصاً.
ومبالغة الإعلام الأميركي في تصوير نظام الاستخبارات الصينية صحيحة، لكنها قاصرة. ندرك ذلك عندما نقرأ مقالة «روتشير شارما»، الخبير الأميركي في استراتيجيات الاستثمارات العالمية. تضعنا المقالة الشيقة، وعنوانها «كيف أنقذت التكنولوجيا اقتصاد الصين»، في حومة الثورة التكنولوجية وسط مدينة شانغهاي، حيث يُفحص جواز السفر أتوماتيكياً، وتُسجل العناوين التي يقصدها المسافر بلغة حامل الجواز، ويتقاضى الأجور رقمياً، ويتعرف الفندق الذي يقصده على وجهه، ويفتح له الأبواب دون استخدام مفاتيح، ويهيئ له روبوتٌ مشروباته المفضلة، ووجبة الطعام، وغيرها من خدمات الغرف، وتأخذه طيارة دون طيار إلى مدينة «شينشينغ».
وإعلان الرئيس ترامب ولايتي واشنطن ونيويورك موقعي كارثة عامة، وتأييده طلب محافظ كاليفورنيا اعتبارهما منطقتي وباء، تعني أن جائحة فيروس كورونا أصابت المحركات الرئيسية للاقتصاد، شرق وغرب الولايات المتحدة. وفيما أعلنت واشنطن تخفيف الحجر المفروض على البلاد مع أعياد الفصح المقبلة، نشرت الصحف العالمية صورة ضباط الشرطة في مدينة ووهان، يؤدون التحية للعاملين الطبيين وهم يغادرون المدينة، ويهز القلب اصطفاف العسكريين، وممرضة منحنية الرأس تمشي الهوينا وبيدها راية صينية صغيرة.
والآن، نعرف أن فيروس كورونا واحد من 6828 فيروساً مُسمى، ويوجد مئات الآلاف من أنواع الفيروسات المعروفة غير المسماة، وتريليونات يُنتظر اكتشافها. وإذا صحّت توقعات الأكاديميين الصينيين بتجاوز عدد إصابات الفيروس في الولايات المتحدة، الشهر المقبل، عددهم في الصين، فعلى واشنطن أن تأخذ بأقصى الجد دعوات حكماء الصين والعرب، بتغليب التضامن الإنساني على الدواعي الجيوسياسية، وأن تلتزم بقول الجنرال الصيني «صون تزو» مؤلف «كتاب الحرب»، قبل أكثر من ألفي عام: «هناك طرق لا ينبغي أن تُطرق، وجيوش لا ينبغي أن تُهاجم، ومدن لا ينبغي أن تُحاصَرَ، ومواقع لا ينبغي التنازع عليها، وأوامر عليا لا ينبغي أن تُطاع».

*مستشار في العلوم والتكنولوجيا

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟