صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

كورونا وهلع الغذاء

 





ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة التي يحل فيها الذعر والخوف من اختفاء المواد الغذائية من المتاجر لأسباب متعددة، منها الأوبئة والحروب والكوارث الطبيعية والكساد التجاري، حيث تتعامل الدول مع هذه الظواهر، كل وفق إمكاناته وقدراته في توفير الغذاء لمواطنيه وللمقيمين على أرضه. لا يلام الناس على ذلك، خصوصاً إذا غابات المعلومات الصحيحة، فالإنسان منذ القدم، إحدى أهم أولوياته توفير قوت يومه، لكن فهم الأمور بصورة صحيحة يُغيّر هذه الصورة وهذا الهلع بشكل جذري، وهنا يأتي دور القادة والحكومات التي تملك المعلومات والبيانات الموثقة.
لنأخذ تجربة دول مجلس التعاون الخليجي، والتي شملها «هلع الأغذية» مؤخراً، للأسف ما لا تعرفه الأغلبية الساحقة من الناس، هو أن هذه الدول تملك احتياطيات من المواد الغذائية الرئيسة لمدة ستة أشهر، أي أنه يُمكنها توفير الغذاء للسكان طوال هذه الأشهر دون واردات، فهي تملك برامج قديمة للأمن الغذائي، إذ من المفيد هنا التذكير بالغزو العراقي للكويت قبل ثلاثين عاماً، حيث لم تعان الكويت من نقص في المواد التموينية الرئيسة طوال فترة الغزو التي امتدت أكثر من ستة أشهر.
ففي الإمارات جاء حديث صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ليختصر الاطمئنان والثقة في كلمتين معبرتين قائلاً «لا تشلون هم»، ما يعبر عن دور القيادة في توضيح الحقائق وطمأنة الناس، وهو ما ترك أثراً كبيراً في المجتمع، وإنهاء حالة الرعب من إمكانية نقص المواد الغذائية.
لقد كنت ألاحظ هذا الرعب وعربات الغذاء المكدس وطوابير المتسوقين الطويلة قبل ذلك، حيث تعمدت دراسة الوضع بعد يومين من حديث سموه، من خلال زيارة عدد من مراكز التسوق الكبيرة في الدولة، بما فيها الجمعيات التعاونية التي يرتادها المواطنون عادة، فوجدت غياباً تاماً لحالة التكالب على شراء الأغذية، وعادت عربات التسوق إلى حالتها الطبيعية تحمل ما يحتاجه المتسوق بالفعل بعيداً عن الخوف والتهويل. وهذا النهج المطمئن جاءت به كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وكذلك حكومتا البحرين والكويت، حيث ينطبق ذلك على الأدوية والسلع الضرورية إلى جانب الأغذية والمشروبات.
وزيادة في الاطمئنان يمكن الإشارة إلى أنه منذ أن تمكنت الكويت أثناء الغزو من تأمين احتياجاتها كاملة حدث تقدم كبير في الأمن الغذائي الخليجي، فقبل ثلاثين عاما كانت دول المجلس تستورد كافة احتياجاتها الغذائية تقريباً، حيث اختلف الوضع حالياً، فالإنتاج الزراعي وصناعة الألبان ومزارع الدواجن تطورت بصورة كبيرة، بحيث تحولت بعض دول المجلس إلى مُصدّر لهذه المنتجات في تطور لافت لم يكن متصوراً قبل ثلاثة عقود، فقساوة المناخ لا تسمح بمثل هذا التحول، لكن التقدم التقني، بما فيه الزراعة المحمية التي يتم الاهتمام بها من منطلق الأمن الغذائي أحدثت تحولاً جذرياً في هذا الجانب، كما أن الحديث يتداول الآن حول استخدام المياه المالحة في الري، مما يعني أن هناك تحولاً آخر سيؤدي إلى المزيد من التقدم في الإنتاج الزراعي الخليجي.
بالتأكيد هناك من عمل على بث حالة الذعر من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار بعض أنواع السلع والأدوية، إلا أن اهتمام القادة وتطمين الحكومات الخليجية أعاد الأمور إلى نصابها تقريبا، وهو دور مهم ستتأكد صحته ونتائجه بعد انقشاع جائحة كورونا وهدوء الأنفس البشرية، وعودة الأنشطة الاقتصادية إلى سابق عهدها، وهو ما نتمنى أن يتم بسرعة لتجاوز هذه الأزمة التي عصفت بالاقتصاد العالمي.
خبير ومستشار اقتصادي

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟