صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر -2

ناصر الظاهري

يا.. لتلك الطاولة الصغيرة المستديرة التي تشبه طاولة الملك «آرثر»، وفرسانه، كم نقلناها معنا في مدن كثيرة، وبوجوه مختلفة ومؤتلفة، لم تسلم من وجوه المتسللين والمتنصتين وكاتبي التقارير الوظيفية غير الأمينة، لأنها كانت تكتب بيد مرتجفة بالكذب، ونفس خائفة من الإثم، وحده الليل كان يوقظ نفوسهم، لا يجعلها تنام، وأنت وأحلامك تتعطران بدفء مخدة الرضا.
كانت المرأة تسد ثغرة هرط الرجال على طاولتنا، لأنها أخت رجال، وكنا نضعها على الرأس، مختلفين بوعي عن العرب الذين لا يرئسون الأنثى، ولا يؤنثون الرأس، جل النساء اللاتي احتللن زوايا من تلك الطاولة، كنّ أصدق، وأخلص، لولا تلك العاطفة الأنثوية التي تهزم الصداقة، وتلزم المرأة ارتداء تاء التأنيث، كتاج لا تسمح بنزعه:
- كانت كنورس بحر بيروت، وصفاء سمائه حين يطرح البحر كل خيراته مرة واحدة أمامك، كانت أصدق الناس مثل ظل شجرة كبيرة لا يكذب، كان القلب لها عشباً أخضر، وكانت تتمخطر، وحده العناد التاريخي الكاذب عطّل القطار من أن يصل أو يتأخر، غير أنها بقيت كطوق نجاة نشتهي من أجلها الغرق، نغوى لها التعب والسفر، وندى الينسون والعنب حين يُمسي ويتعرق.
- كانت مثل طريدة البربر، تتعب الخيول في السهول، وتتعب حُمر العيون، ربابنة البحر، حُداة الرمال الصفر، كانت كغيمة شرود، تعيي فرسان البدو والحضر، كانت مثل راهبة المعبد، بروائح اللبان وأبخرة الطيب وأعواد الزعفران والعنبر، كانت تبارك الليل إن جنّ وحضر، غير أنها في لحظة حرّكت بعض أعمدة المعبد، فأرهقتها عزائم قراءات سور الإخلاص والناس والكوثر.
- كانت امرأة تتدثر، تخاف من الخوف، وتخشى العسكر، كانت تريد أن تتطهر، لكن مرات.. ومرات كثيرة يخون الأنثى ما يسكن في الصدر وأكثر، وما تخشاه علماً، ومما تبطن أو تتفكر، كانت تَفْرَق دوماً من رجل غائب أو يتستر.
- كانت كأخت للجميع، تشع خفة، وعقلاً، وشيئاً يجعل المرأة في صف الرجال، وكان يريد أن يزفها لدارها الجميع، لكنها لم تسعد نفسها بعقلها، ولا ساعدت الجميع.
- كانت كامرأة متخيلة من سمرقند، تزنرها غلائل الحرير التي تضحك الجسد، يسبقها عطرها، وتسبق نفسها بتلك الارتجاجة الأنثوية التي ما زالت تزاغي الرأس، رغم المشيب، وحدها تحضر بزهو المدن.. برائحة المطر.
- ما أصعب المرأة التي تأتي بها سفن البحر، وتريد أن تتعالى على مدن البحر، كانت في بداية تهجّي حروف المكان، وكانت تريد أن تسابق الزمان، تركت طاولتنا، وتخلّت عن وصايانا، معتقدة أن لا ذئاب في المدينة، وأن الدنيا أمان.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء