أغلب الدراسات التي تتعلق بالسعادة، أجريت في بيئات مسالمة.. على طلبة جامعة أو أفراد في مجتمعات مستقرة.. لكن، ماذا عن الذين يعيشون في ظروف قاسية؟
تطالعنا نشرات الأخبار يوميا بمشاهد اللاجئين والمهجّرين من مدنهم بسبب الحروب، والذين تم إجلاؤهم بسبب الكوارث.. فهل يشعر هؤلاء بقدر من الارتياح النفسي لمجرد الابتعاد عن مصدر التهديد؟ هل يريحهم أنهم -على الأقل- أصبحوا أكثر أمنا وسلاما؟
يبدو أن الإجابة هي لا.. لأن هناك عوامل نفسية أخرى أكثر تعقيدا، ينبغي أن تؤخذ في الحسبان حين نتحدث عن ظاهرة نفسية معقدة مثل سعادة الإنسان.

تسريب نووي
في دراسة حول هذا الموضوع، قام باحثون يابانيون بفحص الحالة النفسية للأشخاص الذين تم إجلاؤهم إثر كارثة فوكوشيما، هذه المدينة التي شهدت في 2011 زلزالا مدمرا ألحق تسريبا نوويا خطيرا بمفاعل المدينة.. مؤخرا، قام العلماء بالتواصل مع 680 من سكانها الذين نزحوا أو تم إبعادهم، لتقييم حالتهم النفسية بعد مرور كل هذه السنوات وتتبع خياراتهم اللاحقة في الحياة.
وجدوا في هذه الدراسة المنشورة في (إنترناشونال جورنال أوف ديزاستر رسك ريداكشن) أن بعضهم قرر لاحقاً العودة للديار (وقد فاقت رغبة العودة خطر احتمال وجود بقايا للتسريب الإشعاعي!).. ووجدوا أن البعض قرر عدم العودة نهائيا، وواصلوا حياتهم على هذا الأساس.. بينما البعض الآخر لم يقرر أصلا ما إذا كانوا سيعودون أم لا.. لم يكن لديهم قرار نهائي تجاه هذا الأمر..
فأي من أفراد هذه المجموعات كانوا أكثر سعادة في حياتهم؟

قرار العودة
قد لا تتوافق نتيجة الدراسة مع توقعاتك.. فقد وجدوا أن الذين قرروا العودة كانوا أسعد حيث كانت لديهم مشاعر إيجابية أكثر، والذين قرروا عدم العودة كان لديهم رضا أكبر عن الحياة.. وكل من أفراد هاتين المجموعتين كانوا أكثر سعادة -نسبيا- من هؤلاء الذين لم يعرفوا ما إذا كانوا سيعودون أم لا.
يتفاوت الناس في قدرتهم على تحمل الغموض.. إلا أن الضبابية التامة وعدم اليقين الكامل تجاه المستقبل الشخصي (لدرجة عدم معرفة مكان العيش..) أمر مؤلم ويقوض الاستقرار النفسي للإنسان ويقلل شعوره بالسعادة.. حيث يحتاج المرء للحد الأدنى من المعرفة كي يكون صورة ذهنية ما عن الغد ويستطيع التخطيط لحياته والمضي في تطلعات مستقبلية.. هل هذا هو منزلي، أن أنني سأعود لمنزلي الحقيقي في وقت محدد؟ لو لم يكن يعرف أين سيعيش، كيف سيخطط لحياته وحياة أسرته؟
الشعور بقدر من الاستقرار النسبي أمر ضروري لكثير من الناس، لدرجة أن الشعور بالأمان الناتج عن لابتعاد عن مصدر خطر محدق -ككارثة نووية- ليس كافياً وحده للشعور بالسعادة على المدى الطويل!
لذلك تنصح الدراسة باتخاذ قرار واضح تجاه العودة أو عدمها.. أو على الأقل تحديد موعد لها.. لأن تعليق هذا القرار يسبب قدراً كبيراً من عدم الراحة.. إذ توصي الدراسة الحكومات في مثل هذه الحالات أن تحدد موعدا لانتهاء أوامر الإجلاء.. ما إذا كانت مؤقتة أم دائمة.. وتوضح التوقيت المحتمل للعودة أو عدمها.. لمراعاة الصحة النفسية للأشخاص الذين تم إجلاؤهم.

تقدير قيمة حياتك
الحديث عن هذا الموضوع يستدعي ضرورة التفكير في التفاصيل التي ننعم بها في حياتنا اليومية دون أن نلاحظ أهميتها.. لو كان لك منزل وتعيش حياة مستقرة رغم ما فيها من مشاكل، فهذه حياة يتمناها من يعيشون في ظروف ليست بعيدة عنا ونراها يومياً على الشاشات.. حيث يواجهون خيارات قاسية التي لا يمكن مقارنتها بأي حال من الأحوال بمشاكل حياتنا اليومية المستقرة.