كثيراً ما تواجهنا هذه المشكلة: نحدد هدفاً نريد الوصول إليه، ونحلم به ونتطلع إليه، لكن حين يأتي وقد التنفيذ الفعلي نفقد حماسنا سريعاً ولا نلتزم بالخطوات اللازمة لتحقيقه.. ونلجأ للتسويف والتأجيل وإلهاء أنفسنا بأمور أخرى، بعد أن فتر حماسنا الذي كان متقداً.. فما السبب؟

والسؤال الأهم: ماذا نفعل حيال ذلك؟
لفهم هذه الظاهرة، قام علماء بريطانيون من جامعة كوين ماري في لندن بإجراء تجربة، رصدوا فيها تصرفات الناس وسعيهم لتحقيق أهداف مختلفة الصعوبة، للحصول على مكافآت متفاوتة القيمة.. بهدف معرفة ما يحفزهم ويجعلهم يبذلون مجهوداً أكبر.. فوجدوا في هذه الدراسة المنشورة مؤخراً في الدورية العلمية «بيهافيورال برين ريسيرش»، أن الأشخاص الذين أقبلوا على المهمة وهم يركزون في قيمة المكافأة المرجوة فقط -أي الهدف النهائي الذي يسعون إليه- توقفوا عن المحاولة وأصابهم اليأس عندما جاء وقت التنفيذ الفعلي وأدركوا صعوبة المهمة.. في حين أن الأشخاص الذين صوبوا تركيزهم منذ البداية على الجهد المتوقع منهم أن يبذلوه، كانوا أكثر مبادرة وصبراً وسعياً عندما جاء وقت التنفيذ الفعلي..
قد يجد كثيرون نتيجة هذه التجربة غريبة لأنها عكس الاعتقاد السائد، بأن المكافآت النهائية هي أكثر المحفزات فعالية.. لذا تواصلنا مع الباحثة من الفريق الذي قام بالدراسة، الدكتورة ماجدة عثمان، للتعرف على التفاصيل..

- لماذا يعتبر التركيز في الجهد أفضل من التفكير في الهدف؟
دعنا نتخيل أننا نخطط للقيام بشيء ندرك جيداً مدى صعوبة تحقيقه.. تشير نتائج تجاربنا إلى أن إدراكنا لمستوى الصعوبة في حد ذاته، يجعلنا نتوقع الجهد المطلوب، فنخطط ونستعد ونتهيأ له نفسياً بشكل أفضل.. في حين أن الأشخاص الذين يركزون فقط في الهدف النهائي ويمنون أنفسهم بالمكافأة المتوقعة، يتجاهلون التركيز في المجهود المتوقع، فيصطدمون بصعوبة المهمة التي عليهم إنجازها حين يأتي وقت التنفيذ.. يجدونها أكثر صعوبة وتتطلب بذل جهد أكبر مما كانوا يتوقعون..

 - ما التطبيق العملي لهذه النتيجة في حياتنا اليومية؟
نحتاج إلى تغيير طريقة تفكيرنا بأن نكون أكثر صدقاً مع أنفسنا، وأكثر واقعية عند التفكير في أهدافنا.. فحين نكون على وشك التخطيط لمجموعة من المهام الصعبة، لا ينبغي التركيز فقط على العوامل المحفزة للغاية التي هي المكافآت الكبيرة التي من المحتمل أن نصل إليها النهاية، بل بالعكس، نحتاج إلى التركيز على الجهد المطلوب منا بذله، وتفكيك المهام والإجراءات الشاقة التي يجب تنفيذها إلى خطوات أصغر.. أي التركيز على التفاصيل المتعلقة بالعمل المطلوب لتحقيق الهدف.. التفكير بهذه الطريقة هو الأكثر فعالية وتحفيزاً في هذه المرحلة.

- هل معنى هذا أن التفكير في الأهداف النهائية ليس حافزاً قوياً؟
بالعكس.. التفكير في الأهداف مطلوب في مرحلة لاحقة.. فنحن نتحدث هنا عن مرحلة صنع القرار والتخطيط للمهمة المطلوبة، قبل أن نبدأ في الخطوات العملية.. لكن عندما نكون في منتصف الطريق وقد بدأنا في التنفيذ الفعلي، فإن التفكير في المكافآت النهائية يعتبر من المحفزات الرئيسية في هذا الوقت. أي أن علينا باختصار، التركيز في الجهد المتوقع ونحن نستعد لأداء المهمة، والتركيز في الهدف النهائي أثناء التنفيذ للحفاظ على حماسنا ونحن في الطريق إليه. (انتهى الحوار)

يبدو هذا الكلام مهماً وقابلاً للتطبيق بالفعل..
فصديقنا الذي يريد الالتزام بالتدريبات الرياضية، لن يستطيع فعل ذلك بمجرد التفكير في الجسد المثالي الذي يصبو إليه.. بل إن عليه في البداية التركيز في الخطوات المطلوبة، والمجهود المتوقع، كي يستعد لذلك نفسياً وعملياً ويضعه في جدوله يومه بشكل فعال.. ولا يمني نفسه بالهدف النهائي إلا ليحفز نفسه أثناء استغراقه في التدريب الشاق!
وكما يقال: من المهم أن يحلم الإنسان بإخلاص، لكن الأهم أن يعمل لتحقيق الحلم بإخلاص أكبر!