ما معنى أن نقرأ عملاً فنّياً ما: لوحة أو رواية أو قصيدة؟ إنجازاً معمارياً أو عملاً أدائيّاً أو مسرحية أو فيلماً؟
يبدو أنّ هذا السؤال الكبير هو بمثابة الراية التي تجمع بين كلّ المشتغلين على مجال الفنون: القرّاء بمختلف أسمائهم الرسمية، سواء تعلّق الأمر بالمنظّرين للفن أو بمؤرّخيه أو بنقّاده أو بالفلاسفة الذين جعلوا الفنّ مجالاً لاختراع أنماط جديدة من التفلسف. لكن أيّ المعاني الممكنة للقراءة حينئذ؟ يعرّف رولان بارط مفهوم القراءة والقارئ في أفق جماليات اللذة، أو ما يسميه بلذة النص، كما يلي: «إنّ فعل قرأ إذا أُخِذ بمعنى استهلك، فإنّه لن يعني لعباً مع النصّ. فالفعل لعب هنا، يجب أن يُؤخذ بكل تعددية المعنى للكلمة. فالنص نفسه يلعب.. وكذلك فإنّ القارئ يلعب، هو أيضاًً، مرّتين: إنّه يلعب مع النصّ.. ويبحث عن ممارسة تعيد إنتاجه مرّة ثانية».
نحن إذن أمام مفهوم دقيق للقراءة هو اللعب الذي يعيد فيه القارئ أداء العمل الفني من جديد، فهو يتبنّاه ويجدّده ويكون بذلك شريكاًً في التجربة الفنية. فالقارئ بهذا المعنى ليس المتقبّل السلبي للأثر الفنّي ذاك الذي يكتفي بأن يكون مجرّد متفرّج يطلب متعة شخصيّة أو ترفيهاً عابراً أو قضاء وقت فراغ. إنّ فعل القراءة الخاص بمجال الفنون ينفتح إذاً على دلالة مغايرة لمجرّد القراءة الاستهلاكية.

لكن كيف يمكن إعادة إنتاج العمل الفنّي بدلاً عن مجرّد استهلاكه وتحويله إلى مجرّد ترفيه كسول؟ للإجابة عن هذا السؤال جدير بنا أن نمرّ عبر مفهوم التأويل بوصفه الدلالة الأساسية للقراءة النشطة التي أنجزها براديغم الفلسفة التأويلية مع الفيلسوف الألماني المعاصر هانس جورج غادامير. بحيث يتعلّق الأمر باكتشاف اللغة بوصفها المجال الكبير لفنّ الفهم للتجارب الفنية بما هي الخيط الناظم للحقيقة نفسها ضمن حقل الشأن البشري بعامة. فنحن كائنات لغوية متناهية لا نملك غير اللغة مساحة لاحتضان كل تجارب المعنى الخاصة بوجودنا. وفي هذا الأفق التأويلي يتنزّل مفهوم قراءة الأعمال الفنّية؛ أي بلغة غادامير تأويلها؛ أي إنجاز فنّ الفهم الخاصّ بمعانيها. وهنا لا يكون التأويل كفنّ للقراءة مجرّد منهج لفهم تقنيات العمل الفني بوصفه نصّاً، حتى وإن تعلق الأمر باللوحة أو المعمار أو الفيلم، إنّما تأويل العمل الفني هو بمثابة البنية الأنطولوجية لكينونتنا في العالم بوصفنا كائنات لغوية. حيث يصير مفهوم القراءة هو التأويل، أي منح العمل الفني معنى جديداً ينزّله ضمن أفق الانتظار المناسب لعصر ما، واختراع ضرب من «المعاصرة الجمالية» مع الأثر المقروء. وفي هذا السياق تكتسي القراءة دلالة طريفة: فالقراءة تأويل في معنى «اللعب» بوصفه هو نمط كينونة الفنّ نفسها. إنّ الفنّ بما هو حرية وعفوية ولعب حرّ للمخيّلة لا يخضع لقواعد نهائية ولا ينتج حقائق كلّية بالمعنى العلمي للكلمة، لذلك تحتاج الآثار الفنية إلى القراءة؛ أي إلى التأويل، على عكس الظواهر العلمية التي تحتاج إلى التفسير والقوانين العلمية الدقيقة. هكذا وٌلد مفهوم القراءة من هذا الفرق بين مجال الحقيقة العلمية وحقل التجربة الفنية. وفي هذا المعنى تتحوّل الأعمال الفنّية إلى تجارب للمعنى فريدة من نوعها. بحيث ترتقي هذه التجارب الفنية إلى نوع من الخيط الاستكشافي أو الفكرة الناظمة لجملة التجربة البشرية في كلّ أبعادها.

القراءة ومفهوم القارئ
هنا علينا أن نميّز جيّداً بين مفهوم القراءة حينما يتعلّق الأمر بتاريخ الفنّ، والقراءة في معنى التأويل الفلسفي والجمالي للتجارب الفنية. فمؤرّخ الفنّ يشتغل تحديداً على أعمال فنية بعينها ضمن مدرسة أو حقبة ما ويقدّم قراءته، انطلاقاً من وصف للعمل وتعريف بمؤلّفه وجمع لكلّ ما له علاقة بشكله ومضامينه الممكنة صلب مدرسة أو تيار أو أسلوب. وهو في ذلك يشتغل بمفهوم القراءة في معنى تقنيّ دقيق في حدود حقل تاريخ الفنّ. لكنّ المشتغل بفلسفة الفنّ يراهن على أفق أوسع لتأويل التجربة الفنية في أفق إعادة الألفة بيننا وبين العالم واختراع معانٍ جديدة للإبداع والتخيل.
لكن كيف نستعيد ألفتنا بالعالم عبر تأويل التجارب الفنّية؟ يتعلق الأمر بانفتاح تجربة القراءة بما هي تأويل على حضور الآخرين. ذلك أنّ العملية التأويلية إنما تقوم دوماً على تبليغ الآخر معنى ما؛ أي أنّ فنّ القراءة هو فنّ الفهم والتفاهم والعيش المشترك. في هذا السياق تنفتح دلالة القراءة في معنى التأويل على نوع من إتيقا الفهم التي تجعل الحياة المشتركة بين الناس ممكنة.
وهنا ترتقي دلالة القراءة إلى مرتبة يوطوبيا اجتماعية يعرّفها رولان بارط في علاقتها بلذة قراءة النصّ قائلاً: «النصّ مرتبط بالمتعة، أي اللذة من غير انفصال. والنص بما أنّه نظام من الدوال، فإنّه يساهم على طريقته في اليوطوبيا الاجتماعية». إنّ القراءة فهم وتأويل منفتح على العيش المشترك في ضرب من تقاسم باحة المعنى التي يخترعها الفن في كل مرّة. لكن اكتشاف المعاني الثاوية في الأعمال الفنية، إنما هي مهمّة القارئ. من هو القارئ تحديداً؟ وما طبيعة اللقاء بالأعمال الفنّية بما هي جميعاً نصوص قابلة للقراءة؟ يجيبنا رولان بارط:«النصّ مصنوع من كتابات مضاعفة، نتيجة لثقافات متعددة تدخل كلّها بعضها مع بعض في حوار.. ولكن ثمّة مكان تجتمع فيه هذه التعدّدية. وهذا المكان ليس الكاتب بل القارئ».
وفي الحقيقة يولد مفهوم القارئ ضمن كتاب جماليات التلقي (1978) للناقد الأدبي والمفكّر الألماني المعاصر هانس روبرت ياوس. بحيث توقّع هذه الجماليات دلالة جديدة للقارئ تقوم على الأطروحة التالية: أنّ تاريخ الأدب قد كُتِب إلى حدّ الآن من وجهة نظر المؤلّف والأعمال الفنّية، ولقد آن الأوان لأن يُكتب من وجهة نظر القارئ والجمهور الذي إليه يُكتب الكتاب وإليه يتوجّه. إنّ القارئ ههنا يتحرر من مجرّد التلقي السلبي للتجربة الفنّية ويصير قارئاً مؤوّلاً يمنح النصّ معنى يساهم به في إنجاز قيم جمالية تجدّد الحياة الإبداعية لشعب ما. بحيث تفترض هذه القراءة للتجربة الجمالية أنّ كل عمل فنّي يتضمن معنى إيجابياً بوسع القارئ أن يدركه. وهذا المعنى يتمثّل في قدرة الفنّ على منحنا الشعور باللذة الجمالية. وفي هذا المعنى يكتب هانس روبرت ياوس ما يلي: «إنّ حالة اللذّة التي يفرض الفنّ إمكانيّتها ويثيرها معاً هي الأساس للتجربة الجمالية، وإنّه محال علينا التجرّد منها، بل ينبغي على الضدّ من ذلك استئنافها بوصفها موضوع تفكّر نظري».
نحن إذن أمام قارئ سعيد يلتقط كل وعد بالسعادة داخل العمل الفني الذي هو بإزائه. فكل فنّ لا يعد بأيّ متعة، ولا يضفي أي شعور حيوي، ولا يتضمّن أيّ ضرب من إيتقا التواصل بين الناس، هو فنّ بائس عدمي وتعيس.
إنّ القراءة فنّ مثلما اعتبرها الكاتب ألبرتو منغويل الذي يعتبر في كتاب له عن فنّ القراءة أنّ «كلّ نصّ، في جوهره، هو نصّ تفاعلي، يتغيّر تبعا لقارئ معيّن، في ساعة معيّنة وفي مكان معيّن.. كلّ نصّ مسجّل، كلّ كتاب، أيّا كان شكله، ينطوي على مقصد جمالي، خفية أو جهاراً». لكنّ ينبغي أيضاً الإشارة هنا إلى أنّ مفهوم القراءة قد تغيّر اليوم في عصر الرقمنة، بحيث أصبحنا نتحدّث عن الكتابة الرقمية والفنون الرقمية التي يغيّر فيها القارئ أيضاً من مهامّه ومن شكل لقائه بالأعمال الفنّية.

نماذج جمالية
كيف نقرأ لوحة فنية من قبيل لوحة أحذية فان غوغ مثلاً؟ من أجل الإجابة عن هذا السؤال يدعونا الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا إلى وليمة من الأسئلة هي مفتاح معنى القراءة عنده بوصفها تفكيكاً: لِمن تلك الأحذية التي رسمها فان غوغ: لفلّاحة تقضي يومها تجوب الحقول لكسب قوت يومها أم لفان غوغ نفسه؟ أهو الرسّام يرسم أحذيته بدلاً من رسم وجهه؟ هذه الأسئلة هي ثنايا القراءات المتعددة التي وُلدت من رحم لوحة أحذية فان غوغ التي كانت مناسبة سعيدة لولادة قراءات ومعانٍ تعد جميعها بالحقيقة. يتعلق الأمر بحقيقة فنّ الرسم التي لا يدركها غير القرّاء المجهّزين بأسئلة لاستنطاق اللوحة. هكذا عرّف دريدا مفهوم القراءة التفكيكية للوحة: بما هي وعد بالحقيقة. لكنّ الحقيقة ههنا ليست ملكاً لأحد، إنما هي ملك للوحة نفسها..تلك هي قراءة دريدا الذي يعيد الأحذية إلى اللوحة وينصفها من معارك الأصل والهوية التي تخاصم حولها من جهة هيدغر الذي يمنح الأحذية إلى الفلاحة أي إلى نداء الأرض والأصل، ومن جهة ثانية، شابيرو الناقد الفني المختص في فان غوغ، الذي يقرأ اللوحة بما هي نوع من الأوتوبورتريه يرسم فيها الرسام أحذيته بدلاً من رسم وجهه.
من اللوحة إلى الأدب، بحيث نلتقي بنموذج آخر من القراءة للعمل الفني لدى جاك رنسيار الفيلسوف الفرنسي المعاصر الذي نزّل الفنون ضمن أفق جديد من المعنى، هو معنى تقاسم التجارب الحسية والإبداعية المتاحة للجميع، في نوع من العلاقة بين الأدب والديمقراطية. فالأدب من خلال انفتاحه على القراءة للجميع هو تمرين رمزي عميق على الاشتراك في المحسوس دون تراتبية اجتماعية أو تمييزات عرقية أو دينية أو جندرية. فالأدب، بما هو موقع للقراءة بامتياز، يبدع شعباً من القرّاء قادراً على بناء علاقة جديدة بين «فعل الكلام والعالم الذي يصوّره وقدرات أولئك الذين يسكنون هذا العالم». وهو ما يعبّر عنه رنسيار أيضاً كما يلي: «هنا تكمن ديمقراطية الكتابة، فصمتها الثرثار يلغي التمييز بين أصحاب الكلام الفاعل وأصحاب الصوت المعذّب والصاخب، أي بين من يفعلون ومن يكتفون بالعيش». لقد ولد الأدب الحديث مع روايات بلزاك وفلوبير بوصفه نظاماً جديداً من العلاقة بين الكاتب والقارئ يكون فيها «الكاتب أيّاً كان والقارئ أيضاً». وهي علاقة جسّدتها رواية إيما بوفاري لفلوبير التي يكتب عنها رنسيار قائلاً: «تُعدّ إيما بوفاري، في نظر قرّاء فلوبير، تجسيداً مرعباً لتلك الشهوة الديمقراطية».

الفنون الأدائية
حينما نتحوّل من مجال النصّ إلى سطح الركح، تمنحنا الفنون الأدائية من قبيل المسرح خاصة نمطاً مغايراً من القراءة للعمل الفني. وهنا جدير بنا التوقف عند المسرح ما بعد الدرامي بخاصة، بوصفه قد اخترع مفهوماً جديداً للقارئ، أي للجمهور وللتلقي الجمالي معاً. وهو ما نظّر له بخاصة هانس ثيس لهمان، بحيث يقع تحرير المسرح من السرد والمسرح النفسي القائم على قصة من أجل اختراع نمط جديد من المسرح، الذي تتداخل فيه جملة من الفنون الركحية مثل الموسيقا والرقص والسينوغرافيا والكوريغرافيا والفنّ الأدائي.. ولقد غيّر هذا المسرح الجديد عميقاً من مفهوم الجمهور وأحدث تحولات رمزية في طريقة قراءة وتلقي وتمثل العمل المسرحي. هذا المسرح قد وقّع «فنّ اختراع الجمهور» على حدّ عبارة رشيقة لبراشت، حيث ينبغي علينا أن ننظر معاً، نحن جمهور القرّاء، وبمعية أشخاص آخرين وأن نخترع بوجودنا صلب الفضاء المسرحي ضرباً من الحياة الإبداعية المشتركة.
حين نمرّ من الركح إلى مساحة الفيلم سنجد أنفسنا أمام الصورة السينمائية، حيث يغيّر القارئ المتلقّي من موقعه. وهنا نستحضر قراءة لفيلم ماتريكس الذي أنجزه الأخوان واشاوسكي سنة 1999. وهو الفيلم العالمي الشهير الذي أثار جدل القرّاء وذهول العالم. وهي ثلاثية في جنس الخيال العلمي تعرض علينا فكرة مستقبل ديستوبي للإنسانية يكون فيها البشر محاكاة افتراضية. ولقد قدّم الفيلسوف الفرنسي باديو قراءة لهذا الفيلم مع ثلّة من المفكّرين، بحيث اعتبر هذا الفيلم بمثابة «مكنة فلسفية». ولقد اعتبر باديو أنّ هذا الفيلم هو عبارة عن «ثورة روحية» أنجز فيها الأخوة واشاوسكي أسطورة جديدة محورها السؤال «كيف ندرك أنّ هذا الواقع ليس سوى وهما». لقد نجح هذا الفيلم، وفقاً لهذه القراءة، في إنتاج مفاعيل افتراضية تشهد على قدرة البشر على التأقلم مع عالم الآلات. وهو بذلك قد صٌنّف بوصفه ضرباً من التخييل الفلسفي، أو هو الفلسفة وقد تجسّدت في شكل فيلم.

خاتمة:
يفتحنا مفهوم القراءة في مجال الفنون على معانٍ عدّة، يمكننا تجميعها في الأفكار التالية:
1) تفتحنا تجربة القراءة على مسار تأويلي للمعاني المتردّمة تحت الحجب، كما لو كنّا مدعوين دوماً إلى لقاء بالحقيقة، الحقيقة بوصفها بهجة كبرى.
2) أن نقرأ عملاً فنّياً لا يعني فقط وصفه وتقديمه وتحليله من جهة الشكل والمضمون والأسلوب الفنّي الخاص به، إنّما تقتضي القراءة إنتاج تأويلية تلتقط الآفاق والمعاني والقيم الجمالية التي يقترحها العمل الفنّي. بحيث أنّ التأويل الجمالي هو مساحة لإبداع أفكار جديدة وإثراء المخيّلة الخاصة بشعب ما.
3) القراءة بما هي تأويل، هي أيضاً إنصات إلى نداء اللغة بوصفها الحديقة التي تحتضن الجميع.. فالقراءة ليست مجرّد إطلاع كسول على ما يكتب، بل هي تجربة لقاء مع كل الآخرين الذين يشاركوننا أفق المعنى الخاص بثقافة ما. تفتحنا كلّ قراءة لكتاب أو لمسرحية أو لفيلم أو للوحة على إمكانيات غير متوقّعة من الحريّة: حريّتنا بما نحن المواطنين – القرّاء، نحن الذين نصنع المعاني أيضاً ونتدرّب على تبليغها وتقاسمها معاً. وذلك بوصفنا ذواتاً وأشكالاً من محبّة الحياة وحريات في آن.
4) إنّ تجربة قراءة الأعمال الفنيّة تساهم في بناء ألفة جمالية بيننا وبين العالم: عالم اليوم عالمنا الغارق في ثقافة السوق حيث تحوّل كل شيء فيه إلى سلعة. وهذا ما أدّى إلى هاوية بيننا وبين العالم وقد انحدر إلى قحط البضاعة وتفقير الحياة الروحية والرمزية. لنا الفنّ كي يحمينا من السقوط في هذه العدمية المعمّمة.
5) القراءة تمرين تربوي يساهم في تنشئة أبنائنا على الحسّ النقدي في أفق تربية فنية وجمالية تمكّنهم من تخيّل مستقبل أجمل على الدوام. القراءة بهذا المعنى هي مشروع يوطوبيا جماعية وإتيقا مستقبلية للتفاهم والتعايش والمواطنة الكونية.