أسماء الحسيني (القاهرة)

حذر الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة السوداني من مؤامرات يحيكها ضد التغيير في السودان من اسماهم بـ«فلول النظام البائد»، مشيراً إلى أنهم ما زالوا يملكون السلاح والمال إلى جانب وجودهم في أجهزة الدولة. ووجه الصادق المهدي، في حوار مع «الاتحاد»، الشكر إلى دولة الإمارات لموقفها الإيجابي من الثورة السودانية، وأعرب عن تطلعه لمواقف إيجابية مماثلة من كل الأشقاء.
وقال المهدي- الذي كان رئيس الوزراء المنتخب وقت انقلاب البشير في 1989- إن ما يحدث في السودان هو ثورة شعبية حصيلة ما تراكم ضد النظام الإسلاموي الفاشستي وهو المرحلة الأخيرة لست انتفاضات سبقت ضد «الفاشستية» الحاكمة، مشيراً إلى دور الحركات المسلحة الوطنية في استنزاف النظام وإجباره على إنفاق 70% من الميزانية المعتمدة، وكان يتم تجاوزها بالصرف خارجها بما يتجاوز الاعتماد كثيراً، وقد تضافر ذلك مع الفساد في استنزاف خزينة الدولة وتضخم ميزانيات الدفاع، وإدانة النظام بعدد 62 قراراً من مجلس أمن ضد ممارسات النظام لا سيما القرار رقم 1593 الذي بموجبه لاحقت المحكمة الجنائية الدولية قيادة النظام لمحاكمتها على جرائم منها الإبادة الجماعية، مما استحال على النظام تطبيع علاقاته الدولية.
وأضاف المهدي، وهو في الوقت ذاته إمام طائفة الأنصار (الرافد الديني لحزب الأمة) أن هذه المثالب أدت لانهيار اقتصادي في البلاد دفع كثيرين للتحرك ضده. وكان لشباب البلاد ذكوراً وإناثاً دور مهم في هذا الحراك فهم من أكبر ضحايا النظام وحتى الخريجين منهم كانوا من البطالة التي طالت 1,5 مليون سوداني. ووصف زعيم حزب الأمة السوداني هذه الهبة بالحركة الثورية التي أنجزت مهمتها عندما بلغ رفض النظام البائد كتلة حرجة ساهمت في تعبئتها حماقات المخلوع وسياساته المستفزة الفاشلة، ثم وضعه مؤسسات الدفاع والأمن في موقف حرج فاختاروا عزله، قائلاً :«على نفسها جنت براقش».
وقال الصادق المهدي لـ«الاتحاد» إن البشير لم يستجب لندائه بالتخلي عن السلطة، كاشفاً عن أنه التقى قبل يوم واحد من عزل البشير (10 أبريل 2019) كلاً من محمد وداعة ويحيى الحسين واثنين من رجال السلطة هما الفريق صلاح قوش وأحمد هارون الرئيس المكلف للمؤتمر الوطني، وأبلغه وقتها هارون أن القرار اتخذ بفض الاعتصام بالقوة. ورد عليه المهدي بأنه سوف ينضم للمعتصمين فرد محمد وداعة «إذن اقتلوهم واقتلوه معهم وتحملوا التبعات». وأضاف أن صلاح قوش أكد أنه لن يفض الاعتصام بالقوة.
ويقول الصادق المهدي إنه بعدها اجتمع البشير مع أعضاء لجنة الأمن الآخرين ووقتها أمرهم البشير بفض الاعتصام بالقوة واستشهد بفتوى فقهية مداهن للسلطة أن للحاكم الحق في قتل ثلث الناس لإصلاح الثلثين. وقال لهم البشير وهم أربعة: أمري أن تفضوا الاعتصام بالقوة وإذا عجزتم سوف أفضه أنا شخصياً. وتركهم لتنفيذ أمره ولكنهم بالإجماع قرروا بدل تنفيذ أمره الدموي عزله من الرئاسة، واعتبر الصادق المهدي أن البشير يحتل تاريخياً مكانة مع هولاكو والحجاج في سفك الدماء.
وبشأن تقييمه لتحرك قادة الجيش السوداني، أوضح المهدي أن النظام الإسلاموي في السودان حرص طول فترة حكمه على اختراق الجيش السوداني إلا أن في الجيش تقليداً مستمراً بالالتزام الوطني لا سيما على مستوى صغار الضباط الذين هم من جيل الثوار، مشيراً إلى أن عدداً من هؤلاء عندما هرع المعتصمون لساحة القيادة العامة استضافوهم وحموهم من ملاحقات الجهات الأمنية. وعندما وضعت قيادة الجيش أمام الأمر بفض المعتصمين بالقوة قررت رفض تنفيذ ذلك الأمر والتضامن مع سائر أعضاء اللجنة الأمنية استجابة لحسهم الوطني والإنساني. وأضاف زعيم حزب الأمة أن الدوافع وراء تحرك الجيش هي دوافع أراها وطنية وإنسانية لحقن الدماء بعدما اتضح حجم المجزرة التي أزمع المخلوع على ارتكابها، مطالباً بعدم السعي لمحاكمة النوايا بل تحديد مطلوبات الثورة، ومراقبة الأفعال وبناء عليها إصدار الأحكام.
وقال الصادق المهدي: إن المجلس العسكري لم يكن مخططاً الاستيلاء على السلطة قبل أمر البشير للجنة الأمنية بفض الاعتصام بالقوة فالاستيلاء على السلطة كان مفاجئاً. وأعلنوا منذ البداية أنهم على استعداد للحوار مع القوى السياسية كافة والثورية خاصة لإقامة فترة انتقالية تعقبها انتخابات عامة حرة بعد عامين. وفي الحوار الذي جرى اتسم موقفهم بالمرونة. ودعا زعيم حزب الأمة إلى استمرار هذا النهج وأن يحافظ المجلس العسكري الانتقالي على روح الشراكة مع قوى الحرية والتغيير لتخطي عقبات الانتقال.
وتحفظ الصادق المهدي على بعض تصرفات المجلس العسكري ومنها عدم المضي بجدية في القبض على ومساءلة كافة الذين خططوا ونفذوا الانقلاب على الشرعية الدستورية في 1989، وعدم تسليم المطلوبين للجنائية الدولية أو المساءلة عن جرائم الحرب وقتل الشهداء، وجرائم الفساد، وعدم مواكبة الإعلام لخطاب الثورة على النحو المطلوب، إضافة لصدور تصريحات من بعض أعضاء المجلس عدائية للثوار المعتصمين.
وانتقد في أداء قوى الحرية تطرف بعض العناصر، ولكنه يتفق مؤخراً على تكوين هيئة قيادية موحدة وضبط التصريحات باسم التحالف، معتبراً أن هذا كفيل بضبط التفلت وتحقيق الانسجام، وقال زعيم حزب الأمة: إن قوى الحرية والتغيير استعجلت في تقديم وثيقة دستورية للفترة الانتقالية غير متفق عليها. وأضاف أن هيئة مستقلين تقدمت بوثيقة بعد دراستها قبلناها من حيث المبدأ كذلك قبلها المجلس العسكري وأتوقع بعد ذلك وبعد تكوين المجلس القيادي للحرية والتغيير أن تصير هذه الوثيقة المقدمة من وسطاء أساساً للاتفاق على نظام الفترة الانتقالية.
وأعرب الصادق المهدي عن أن وجود مقترحات تتجاوز الحد بسبب تطرف بعض العناصر أو التطرف في التعامل مع المجلس العسكري يمثلان أهم المخاوف التي تحيط بالحراك الشعبي السوداني، إلى جانب تآمر سدنة النظام البائد، ووجودهم في أجهزة ومؤسسات الدولة، وامتلاكهم للسلاح والمال، وانهيار الدولة ومؤسساتها، وانهيار البنيات الإنتاجية والخدمية، وارتفاع البطالة وسط الشباب مما يؤخر تحسين الأحوال المعيشية.
وطالب الصادق المهدي بالإسراع في تصفية المؤسسات الموازية لمؤسسات الدولة وهي: الدفاع الشعبي، الشرطة الشعبية، الأمن الطلابي. وحل التكوينات النقابية والطالبية الموظفة كواجهات للمؤتمر الوطني وإصدار قانون بالنقابية الديمقراطية المستقلة من الاستغلال الحزبي. وهيكلة القوات المسلحة وسائر القوات النظامية لكفالة قوميتها وتحريرها من الاختراق الحزبي. وتجريد المؤتمر الوطني وحلفائه من كافة الامتيازات التي حصل عليها جوراً وعدواناً. والإسراع بتحقيق السلام العادل الشامل حتى تنخرط القوى الثورية في بناء الوطن. ومحاكمة الذين خططوا ونفذوا الانقلاب على الشرعية الدستورية في 1989م، ومرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الفساد والتمكين، وتسليم المطلوبين للعدالة الدولية. وتجميد كافة النصوص القانونية المقيدة للحريات وإجراء إصلاح قانوني شامل فوراً. إلى جانب تحرير الإعلام من قبضة الشمولية وإزالة كافة وجوه وسياسات التحكم الشمولي في الصحف والفضائيات والإذاعات.
وبشأن فترة المرحلة الانتقالية، قال:«كنا في مرحلة ماضية قد توافقنا على مدة 4 سنوات للفترة الانتقالية. ولكن مع حرصنا على استمرار تحالفنا ضمن الحرية والتغيير فإن ما حدث من دور للمجلس العسكري ووجوده جزئياً ضمن منظومة السلطة الانتقالية في مجلس السيادة يجعل طبيعة الحكم الانتقالي ليست مدنية صرفة كما خططنا في إعلان الحرية والتغيير، كما أن طبيعة الخلافات التي برزت سوف تؤثر سلباً على استقرار وحسن أداء الحكم الانتقالي مما يفتح المجال للمؤامرات المعادية للمدنية والديمقراطية. كذلك فإن المجتمع الدولي لا يكتفي بمجرد مدنية الحكومة بل يطالب بالحكم المؤسس على تأييد انتخابي، لذلك ينبغي عدم النص على أي فترة بل تحدد مهام معينة تتعلق بما ذكرنا سابقاً من إجراءات والإقدام على إجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، يومئذٍ تكون أهداف الثورة قد تحققت».
وقال الصادق المهدي إن حزب الأمة سيخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، مشيراً إلى أنه «بعد كل فترة ديكتاتورية ينال حزب الأمة الأكثرية عرفاناً شعبياً لدوره في معارضة الطغاة»، مجدداً تأكيده السابق أنه لن يتولى منصباً حكومياً ولن يترشح لأي منصب. ودعا زعيم حزب الأمة القوى الإقليمية والدولية إلى الاجتماع على برنامج «مارشال» لدعم إزالة آثار النظام البائد اقتصادياً، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ووجه الصادق المهدي رسالة عبر «الاتحاد» إلى قادة الإمارات والسعودية ومصر قائلاً: «لقد صرتم تعبرون عن قوة عربية معتبرة ورحبتم بثورتنا فجزاكم الله خيراً».