أسماء الحسيني (القاهرة- الخرطوم)

بعد يوم من إعلانه إلغاء كل الاتفاقات مع قوى الحرية والتغيير، وإجرائه انتخابات خلال 9 أشهر، قال الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان، في كلمة له بمناسبة عيد الفطر في الخرطوم أمس: «إنه لا مناص إلا الاحتكام لإرادة الشعب ورفض الأجندات الخارجية». وأضاف: «نفتح أيادينا للتفاوض مع كافة القوى». وأشار البرهان إلى أنه «تم توجيه القيادة العامة بالتحقيق في الأحداث المؤسفة في فض الاعتصام، وأنه ستتم محاسبة من يثبت مسؤوليته عن أحداث فض الاعتصام». وأكد أن «التغيير الذي يمر به السودان يأتي في ظل ظروف صعبة، ودعا إلى طي الصفحة الماضية، وفتح صفحة جديدة للعبور نحو المستقبل».
من جانبها، رفضت قوى الحرية والتغيير دعوة المجلس العسكري الانتقالي للحوار، مؤكدة أن المناخ النفسي لا يسمح بالجلوس على طاولة المفاوضات.
ومن جانبه، قال محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب رئيس المجلس العسكري، إن النائب العام سيفتح تحقيقاً سريعاً بشأن ما حدث في ساحة الاعتصام، مشدداً على محاسبة كل من تجاوز حدوده.
وأكد حميدتي أن الجيش السوداني انحاز منذ البداية للثورة الشعبية، متعهداً بالسلام الشامل لكل الحركات المسلحة، وكل من يريد السلام.
وقال: إن قوات الدعم السريع التي يرأسها تمثل كل مناطق السودان، وأنها تتعرض لاستهداف منظم ومرتب، وأن المجلس العسكري دخل المفاوضات بحسن نية على أساس عهد جديد لسودان جديد، مؤكداً أنه لا يريد الحكم، وأن المجلس لا يزال منفتحاً لتفاوض لا قيد فيه إلا مصلحة الوطن.
وقالت مصادر قريبة من المجلس لـ«الاتحاد» إن قرار البرهان بقبول التفاوض بعد يوم من وقفه وإعلانه عن إجراء انتخابات في غضون 9 أشهر، يعود إلى رغبة أعضاء المجلس العسكري في التفاوض وأن يتناسى الجميع الخلافات التي نشأت، وتشكيل لجنة تحقيق محايدة بشأن أحداث فض الاعتصام.
وأوضحت المصادر أن أعضاء بالمجلس رأوا أن الخطوات التصعيدية الأخيرة لم تكن موفقة، وأرادوا معالجة الأمر.
يأتي ذلك في وقت، أعلنت الحركة الشعبية لتحرير السودان أن قوات من الدعم السريع وجهاز الأمن اعتقلت نائبها ياسر عرمان، واقتادته إلى جهة غير معلومة.
وحمل تحالف نداء السودان«المجلس العسكري المسؤولية عن سلامة عرمان، وقال إنه سيقوم بتبليغ الأسرة الدولية والمنظمات الدولية بهذا التعدي السافر.
وفى خطبة العيد، أكد الصادق المهدي أنه ينبغي أن يعترف المجلس العسكري بأن الهجوم الذي حدث على المعتصمين أمام مقر القيادة العامة مدبر، وأن يتحمل المسؤولية.
وقال: إن أمام المجلس خيارين، إما أن يصر على الهجوم، ويتحمل نتائجه، وبالتالي يضع نفسه في خانة النظام المخلوع، واستدعاء المواجهة المحتومة مع الشعب الثائر،
أو أن يعلن مسؤوليته عما حدث، وأن يقوم بمحاسبة كل من تورط في الجريمة، والاستعداد لنقل السلطة للنظام المدني الديمقراطي المنشود بالصورة التي يقررها ممثلو الثورة الشعبية.
يأتي ذلك في وقت استمرت فيه الاحتجاجات داخل السودان، وتواصلت اجتماعات قادة قوى الحراك الشعبي، واستمر قطع شبكة «الإنترنت»، كما توالت التحركات الإقليمية والدولية بشأن الأوضاع في السودان.
وحول المخرج من الوضع الحالي الشائك في السودان، قال صلاح جلال، أمين الإعلام بتحالف نداء السودان، لـ «الاتحاد» إن المخرج هو العودة إلى التفاوض من أجل إنجاز عملية الانتقال.
وأضاف أن السودان الآن يحتاج إلى مساعدة أصدقائه في الأسرة الدولية لاستعادة العملية السياسية قبل فوات الأوان، بدلا من معارك تكسير العظام الجارية حالياً، والتي تلوح في الأفق، والتي قد تقود إلى عواقب وخيمة.
وحذر جلال من خطورة الوضع الحالي في السودان قائلاً: إن الحرب الأهلية لم تكن اختيار أي شعب من الشعوب، ولكنها خطوات تمسك رقاب بعض، وتجد الشعوب نفسها في عمق الحرب الأهلية.
وأضاف أن طبول الحرب والمواجهة خيار من لا خيار له، وما زال أمام الشعب السوداني خيارات ممكنة لاستعادة ثورته الظافرة، وأنه لابد من استنهاض الحكمة الوطنية لإكمال مسار الثورة إلى الحكم المدني الانتقالي.
ومن جانبه، قال المحلل السياسي السوداني الدكتور حامد التيجاني، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، إن التغيير في السودان قضية كبيرة تحتاج إلى رؤية، موضحاً أن الشباب في الميدان يفتقدون إلى قيادة لديها خبرة وتجربة، وأن تجمع المهنيين لعب دورا لا بأس به في تحريك الجماهير، لكن الحراك الشعبي في السودان يحتاج الآن قيادات تعكس التنوع في السودان، دون أي إقصاء أو هيمنة، وأن يتم تقديم قضايا السلام والعدالة، ومحاسبة كل الذين أجرموا بحق الشعب السوداني.
وحول تشكيل لجنة تحقيق في أحداث فض الاعتصام، قال التيجاني إنها يجب أن تستند إلى جهة محايدة تماما وتقوم بمحاكمة المتسببين فيه، لكيلا يفتح الطريق أمام المحاكم الدولية. وأضاف أنه في النهاية لا بديل عن التفاوض الجاد، بعيداً عن تضييع الوقت والمماطلة الذي حدث من قبل.
وأكد أن خيار الانتخابات الذي طرحه المجلس العسكري أمس الأول أمر غير واقعي وغير منطقي، لأنه لا يمكن إجراء الانتخابات في غضون هذه الفترة الزمنية القليلة لعدة أسباب، حيث إن تركة النظام السابق باقية، ولم تحل بعد قضية الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وقضايا اللاجئين والنازحين وإعادتهم إلى مناطقهم، كما لم يتم إجراء مسح سكاني، ولا توجد بعد موارد أو إمكانات لترتيب انتخابات نزيهة، وأي انتخابات في ظل هذه الظروف ستعيد إنتاج النظام القديم، وتعيد إنتاج الأزمة بشكل أشد وأعنف.