كاري باربر مالابو في السفارة الأميركية بمدينة مالابو، وهي عاصمة غينيا الاستوائية، الدولة الصغيرة في غرب أفريقيا، تعلو الجدار صور السفراء الأميركيين الذين تعاقبوا على المبنى، لكن في الوسط ظلت مساحة فارغة لم تعلق فيها أية صورة، وهي الفترة التي أغلقت فيها الولايات المتحدة سفارتها في البلد الغني بالنفط في العام 1995 احتجاجاً على الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان والفساد المتفشي على نطاق واسع. فقد غادر السفير وقتها العاصمة على نحو مفاجئ، ولم تفتح السفارة مجدداً إلا في عهد الرئيس جورج بوش لترتفع صادرات غينيا الاستوائية إلى البلاد بمقدار مائة ألف برميل في اليوم، هذا ويُتوقع أن يفوز الرئيس "تيودورو أوبيانج نوجيما موباسوجو" في الانتخابات المقرر عقدها في 29 نوفمبر المقبل للحصول على ولاية جديدة لقيادة البلد الواقع جنوب الصحراء، والذي يعتبر ثالث أكبر منتج للنفط في القارة الأفريقية، وكان الرئيس قد وصل إلى السلطة إثر انقلاب عسكري قام به في العام 1979. ورغم الثروة النفطية تحتل غينيا الاستوائية على الدوام مراكز متأخرة جداً في ترتيب الدول الأكثر فساداً في العالم، كما أن المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان لم تتوقف عن توجيه انتقاداتها اللاذعة للرئيس "أوبيانج" بسبب تجاوزات حقوق الإنسان التي تمارسها حكومته والقيود الخانقة التي تفرضها على حرية التعبير، واليوم وبعد مرور كل هذا الوقت على إعادة فتح السفارة الأميركية في غينيا الاستوائية تتجه الأنظار إلى أوباما الذي تعهد ببذل المزيد من الجهد لمساءلة قادة القارة الأفريقية، وهنا ربما ستشكل السياسة الأميركية تجاه البلد المهمش اختباراً لالتزامات الإدارة الأميركية تجاه القارة والتعهدات التي قطعتها على نفسها. غير أنه لحد الآن لم تظهر أية مؤشرات حول الطريقة التي ستشكل بها الإدارة الأميركية الجديدة سياستها الخارجية تجاه أفريقيا، في الوقت الذي رفضت فيه وزارة الخارجية التعليق لمعدي هذا التقرير، الشيء الذي يرده المحللون إلى استبعاد أي تغيير جوهري في السياسة الأميركية، لا سيما في المناطق التي تتوفر فيها الولايات المتحدة على مصالح اقتصادية كبيرة، وهو ما يؤكده "بيتر فام"، الأستاذ بجامعة جيمس ماديسون الأميركية، والذي كان مستشاراً للعديد من الإدارات "الجمهورية" و"الديمقراطية" بشأن أفريقيا قائلًا "أشك أن تختلف سياسة الإدارة الحالية تجاه أفريقيا عن تلك التي انتهجتها الإدارات السابقة"، مضيفاً "بخاصة عندما يتعلق الأمر بالمصالح الوطنية التي تشمل في حالة غينيا الاستوائية الاستثمارات الكبيرة للشركات الأميركية، وهي إحدى الوجهات المهمة للاستثمارات الأميركية بعد جنوب أفريقيا وأنجولا ونيجيريا، دون أن ننسى بأن غينيا الاستوائية زودت أميركا بـ 4.2 مليون برميل من النفط في السنة الماضية فقط". بيد أن الغموض في السياسة الأميركية واستبعاد حدوث تغيير جوهري تجاه أفريقيا مع تغليب المصالح على الديمقراطية لم يمنع المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان مثل "هيومان رايتس ووتش" من تصعيد نبرتها المنتقدة لغينيا الاستوائية والاستمرار في ممارسة مزيد من الضغوط عليها، فقد اتهم تقرير أصدرته المنظمة مؤخراً استخدام الحكومة لثروتها النفطية لتثبيت تسلطها فيما يعاني أغلب السكان من الفقر ويعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم، وفي هذا الإطار أكد "أريفاند جينيسان"، مدير برنامج حقوق الإنسان في المنظمة أن غينيا الاستوائية قد تكون اختباراً حقيقياً لإدارة أوباما تمتحن مدى التزامه بالديمقراطية في أفريقيا، قائلاً "لقد أوضح أوباما بأن الفساد لم يعد مقبولًا، وبأن سيادة القانون والديمقراطية أمران لا غنى عنهما سواء في أفريقيا، أو في غيرها، لكن إذا نظرت إلى غينيا الاستوائية، فإنك ستكتشف أنه لا شيء من ذلك تحقق". وإذا ما أقرت الولايات المتحدة سياسة صارمة تجاه البلد لإرخاء قبضتها على حرية التعبير ورفع القيود المفروضة عليها، فإن ذلك سيثلج صدر السيد "نوجيما" الذي لا صلة له بالرئيس رغم تشابه الأسماء الذي يعتبر أحد المحامين القلائل المتخصصين في حقوق الإنسان بغينيا الاستوائية، واصفاً الوضع في البلاد بـ"الكارثي"، وقد أخبرنا بذلك بعدما تحقق من إقفال الباب جيداً وأسدل الستائر حتى لا يراه أحد، قائلاً "إنهم يفضلون أن تقتل أحداً هنا على أن تتكلم في السياسة". وفي أحد الأحياء الفقيرة بالعاصمة مالابو الذي تخترقه قنوات الصرف الصحي المكشوفة، يتزاحم الأطفال الذين يتراكضون دون ملابس أمام أمهم التي جمعت أمامها كومة من الملابس قالت إنها لا تجد الماء لغسلها بعدما انقطعت المياه من الصنبور الوحيد في بيتها الخشبي عن تزويدها بالماء، لكنها مع ذلك رفضت الحديث إلى الصحفيين، لأن أغلب المواطنين يخافون من الإدلاء بتصريحات إلى وسائل الإعلام، لا سيما الأجنبية منها. ومن جانبه يهيم "روبرت" الشاب المتعلم على وجهه في الشوارع رغم اللغات التي يتقنها ليقضي يومه بحثاً عن سياح كي يصحبهم في جولة حول المدينة، ولم يرد الإفصاح عن اسمه الثاني خوفًا من الملاحقة، وعن موضوع الانتخابات القادمة يعلق "روبرت" قائلًا "إن الرئيس يضحك على المجتمع الدولي حتى يعتقد الناس أنه يكرس الديمقراطية في البلاد، إنه فقط يسكت أفواه الرأي العام الدولي في الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، والأمر لا يعدو لعبة حتى يحسن صورته أمام المجتمع الدولي". وكانت الأمم المتحدة قد أجرت تحقيقات بين العامي 2007 و2008 حول وضعية حقوق الإنسان في غينيا الاستوائية، وأشارت إلى انتهاكات خطيرة تمارس من قبل الحكومة مثل الاعتقالات التعسفية واختطاف المعارضين السياسيين من البلدان المجاورة، فضلاً عن استخدام التعذيب في انتزاع الاعترافات. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»