في العصر الحديث، أصبح الإنسان يقضي وقتاً في العمل أكثر مما كان يقضيه أسلافه.. إذ ربما تفوق ساعات العمل الوقت الذي يستغرقه أي نشاط حياتي آخر. لذلك، كثيراً ما تركز الأبحاث العلمية وكتب التنمية الذاتية على مفاهيم تفترض أن الحياة الأسرية والوظيفية منفصلة عن بعضها بعضاً، وينبغي علينا -فقط- فض الاشتباك بينهما.. كالحديث عن التوازن بين الحياة والعمل، أو تنظيم الوقت، أو تجنب الاحتراق النفسي، أو تحديد ساعات العمل كي لا تجور على بقية جوانب الحياة الأساسية.. إلا أن توجهاً بحثياً جديداً، أصبح ينظر للموضوع من زاوية أخرى.

فيض المشاعر
في دراسة نشرت مؤخراً في الدورية العلمية «جورنال أوف هايبنيس ستاديز»، يناقش البروفيسور جوزيف سيرجي M. Joseph Sirgy وزملاؤه، مفهوماً جديداً هو تداخل الحياة الأسرية والعملية، أو ما يسمى «فيض الحياة والعمل»، وتأثيره في زيادة سعادة الإنسان.. للتعرف إلى تفاصيل الدراسة تواصلنا مع الباحث الرئيسي وسألناه..

- ما معنى «فيض الحياة والعمل»؟
هذا مصطلح نفسي نستخدمه في دراسات جودة الحياة، ويعني أن زيادة المشاعر الإيجابية في أحد مجالات الحياة قد «يفيض» ليؤثر على مجال آخر. أي أن مشاعرنا في الحياة العائلية، تؤثر في مشاعرنا في ساعات العمل، والعكس صحيح.

- هلا أعطيتنا مثالاً على ذلك؟
بكل تأكيد.. لو افترضنا أن شخصاً مر بيوم عمل رائع جعله في حالة شعورية ممتازة.. ربما أشاد به رئيسه في العمل مثلاً أو أنجز شيئاً مهماً جعله فخوراً بنفسه.. حين يعود هذا الشخص للمنزل سيكون مزاجه جيداً ويشعر بالكثير من الحب والدفء تجاه زوجته وأطفاله. وبناءً على هذه المشاعر الإيجابية، قد يقرر الخروج مع العائلة للعشاء والذهاب للسينما! وبالمثل، إذا استيقظ الشخص في الصباح ووجد الكثير من الحب والدفء من زوجته وأطفاله، قد تفيض هذه المشاعر الإيجابية على حياته الوظيفية، فيصبح أكثر حماساً وتعاوناً مع زملائه في العمل. وبالطبع، هذا التأثير قد يكون سلبياً وضاراً في الاتجاهين لو حدث فيض للمشاعر السلبية. اضطراب العلاقة الزوجية قد يؤثر في أدائه الوظيفي.

- هل تأثير هذه الظاهرة كبير في بيئة العمل؟
لهذه الظاهرة تأثير ملموس بالطبع، ولها العديد من التداعيات على الموظف وعلى الشركة بشكل عام.. فهي تؤثر في الأداء الوظيفي، والروح المعنوية الموظف، والرضا الوظيفي، والالتزام التنظيمي. وبالمثل، تؤثر التداعيات غير المباشرة على النتائج التنظيمية مثل معدل دوران الموظفين ورضا العملاء والمبيعات، وفي النهاية ينعكس كل هذا على المؤسسة ويمكن رصده في حسابات التكاليف المالية وصافي الإيرادات.

- ما هو دور الموظف في زيادة الفيض الإيجابي؟
عن طريق فتح الباب للتداخل العاطفي الإيجابي بين الحياة والعمل.. أي السماح بالحالة المزاجية الجيدة في العمل بأن تظل معه في المنزل، والعكس.
لكن في حالة الشعور بمزاج سلبي، عليه منع الآثار الضارة لانتقال هذه المشاعر، عن طريق «التجزئة».. وهي استراتيجية نفسية تسمح للفرد بإقامة حاجز نفسي بين مجالات الحياة كالعمل والأسرة. أي أن يبذل الشخص جهداً لإقناع نفسه بأن «ما يحدث في العمل يظل في العمل، وما يحدث في المنزل يظل في المنزل».

- ما دور الشركات والمديرين؟
يمكن للإدارات اتخاذ إجراءات تساعد في خلق بيئة عمل تعزز من المشاعر الإيجابية وتحسن الحالة المعنوية للموظفين. تشمل الأمثلة على ذلك، أن يبدأ يوم العمل برسالة أو كلمة لطيفة من المدير تشجع الموظفين وتملؤهم بالتفاؤل والحماس لضبط إيقاع اليوم على نغمة إيجابية تستمر لبقية اليوم. وأيضاً، تكوين بيئة عمل تشجع التفاعلات الاجتماعية الودية بين زملاء العمل والمشرفين عليهم. وتشجيع المناسبات والتفاعلات الاجتماعية، مثل تناول القهوة واستراحة الغداء..
المهم ألا يكون العمل مجرد مكان قاحل خالٍ من المشاعر والسعادة.