كبرتُ متكئاً على كتف أمي، لكني لم أقطف لها الشمس، ولا طالت يداي سحابُ أمنياتها. مع ذلك، رأيتها تبتسم للعصفور حين يحطُّ على حبل غسيلها. وكانت تعجن الصبر على شكل حلوى، وتطعمني مذاقه مراً وعذباً من يديها. أي معجزة هي الأمهاتُ؟ يركض الطفل مخطوفاً بغواية الضوء ويسقط في المتاهة الأولى، ولا يعرف كيف حملته يد الأمهات، وأعادته من جديد على أول الطريق. ويكتب الشاعر مليون قصيدة في امرأة مجهولة وبعيدة في الحلم، لكن روحها بالتأكيد هي روح أمه. وكأن الأمهات ينحدرن من سلالة آلهة قديمة. وإلا من أين يجلبن كل هذا الحنان؟ وكيف تحمل قلوبهن الرحمة التي أكبر من البحر وأوسع من المدى؟
كان الإنسان في البداية وحشاً يهيمُ مع الضواري ويفترسُ رزقه من صراعاتها، لكن صوت الأمهات، صوت همهماتهن في أغاني الطفولة والمهد، وصوت تنهدّاتهن النابعة من الأعماق، راكم شيئاً ما، إحساساً ما في ذاكرة البشر. ومن هذا الشيء ولدت ما نسميها اليوم (الرأفة)، ثم بدأ الطفل المجبول على الرأفة بمقاومة الوحش في داخل روحه، وتعرّف شيئاً فشيئاً على الغناء وراح يصاحب الطير للاستئناس بتغريده وليس لمطاردته، ومن الطير ولدت فكرة (الحرية)، وعندئذ وجد الطفل الأمهات يدفعنه للذهاب بعيداً في المغامرة، وعميقاً لاكتشاف الجانب الروحي في وجدانه وقلبه، وربما قيلت كلمة (لا تقتل) في الأصل من فم أم.
اليوم، أبجّلُ الأمهات الرائعات، وأصنع لهن القبّعات الملونة، وأفرش لهن طريق الحديقة كي يعبرنها كل يوم. ومثل شعراء كثر، أحمل سلال الكلمات من غابة المعنى، وأقطف وردة الوعي العالية، كي أصنع قصراً يليقُ بحضورهن في وجودنا. سأظل مخلصاً للطفل الذي تدرّب على نسيان القسوة فصارت يده تحمل القلم بدلاً من السيف. وسأظل حارس أحلامهن إذا هبّت الريحُ الضروسُ، ولامس لفحُها شالهنّ. كل الأمهات الجميلات أمي. كل أغاني المهد أسمعها نشيداً في عروقي، وأنا أعبر الأرض كلها متسلحاً بفكرة أنني ولدتُ للحب ليس إلا. وأن الزمن الذي أعيشه هو خاطر أمٍ تمنّت أن ترى العالم مناسبة فرحٍ مستمرٍ للأبد.
هل قلتُ إنني أفتّشُ في عيون حبيبتي عن حنان الأمهات؟ لو حدث ذلك ووجدته، لصرتُ كتاباً تتخاطفهُ يد العشّاق، ولصار دمي نهراً جارياً في عروق الأماكن الرائعة، أسقي أشجارها ثورة المعنى، وأراقبها كيف تكبرُ لتصير الأشجار نسخةً أخرى من شموخ الأمهات.