أبوظبي (الاتحاد)

أكدت دولة الإمارات من خلال برنامجها الفضائي الوطني، على رسالتها العربية عبر مختلف المشاريع والمبادرات والبرامج الفضائية منذ إطلاق وكالة الإمارات للفضاء، حيث لم يقتصر دور البرنامج على تحقيق المنجزات للدولة فقط، بل توسعت رسالته لتكون رسالة عربية ملهمة للدول العربية كافة، بهدف بناء برامج عربية فضائية قادرة على تحقيق التنافسية الدولية، ولاستعادة المكانة التي عُرف بها العرب قديماً في علوم الفضاء والفلك. 
وخلال السنوات الماضية، وضعت وكالة الإمارات للفضاء، بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية في الدولة، خطة عمل بهدف تعزيز التعاون مع الهيئات والوكالات والمؤسسات المشرفة على قطاع الفضاء في الدول العربية، حيث شهدت الفترة الماضية العديد من الزيارات الثنائية المتبادلة، والتي استعرضت من خلالها دولة الإمارات تجربتها المتميزة في قطاع الفضاء، الذي يضم اليوم 4 مكونات رئيسة تشمل برنامج الإمارات لرواد الفضاء ومشاريع الاستكشاف الفضائي، إضافة إلى القوانين والتشريعات المنظمة، ومبادرات البحث العلمي والتطوير. 

4 مبادرات في 6 سنوات
وأطلقت دولة الإمارات خلال 6 سنوات، 4 مبادرات رئيسة لتعزيز التعاون العربي، تتمثل أولاها في الإعلان عن المجموعة العربية للتعاون الفضائي التي ترأس دورتها الحالية دولة الإمارات، وتستهدف تشجيع وتفعيل التعاون العربي على صعيد الأنشطة الفضائية ذات الأهداف المشتركة، والتمهيد لتأسيس تعاون فضائي تحت مظلة الجامعة العربية، وتشجيع البحوث والدراسات ذات الصلة بالفضاء والمساهمة في نشر ثقافة الفضاء بين المجتمعات العربية. وتقديم الرأي والمشورة للدول العربية في مجالات الفضاء المختلفة، وتفعيل الشراكات لتنفيذ البرامج والمشاريع الفضائية، وتنظيم وتطوير التعاون بين أعضاء المجموعة والهيئات المماثلة لها دولياً، وتفعيل حضور ومشاركة المجموعة العربية للتعاون الفضائي في المحافل والمؤتمرات العالمية في مجال الفضاء، إضافة إلى التنسيق بين أعضاء المجموعة العربية للتعاون الفضائي لتبني رأي موحد في المحافل الإقليمية والدولية ذات العلاقة بالفضاء كلما أمكن. 
وتضم المجموعة العربية 14 دولة، وتمثل نواة تكتل عربي لإنشاء وكالة فضاء عربية مستقبلاً، حيث تزامن تدشين المجموعة مع حركة انتعاش تشهدها المنطقة نحو الدخول والتوسع في قطاع الفضاء والعلوم المرتبطة به، سواء من حيث تأسيس هيئات ووكالات فضائية على المستوى الوطني، أو على صعيد إطلاق الأقمار الاصطناعية لأغراض تجارية وعلمية تعليمية، حيث سخرت دولة الإمارات في سبيل إنشاء المجموعة خبراتها التي جمعتها من عملية تطوير القطاع الفضائي الوطني في الدولة، وخاصة خلال السنوات القليلة الماضية التي شهدت تحقيق مجموعة من الإنجازات المهمة.

 التنسيق والمتابعة
وخصصت وكالة الإمارات للفضاء فريقاً من العاملين فيها لأجل مهام التنسيق والمتابعة الخاصة بالمجموعة العربية، حيث تسعى الدولة من خلالها إلى إطلاق منظومة تجمع المقدرات التقنية والمؤهلات والكوادر العلمية لتعمل على مشاريع متقدمة تعزز مساعي المجتمع العلمي العالمي نحو استكشاف الفضاء الخارجي إلى جانب رعاية مبادرات وبرامج لتأهيل وتدريب الكوادر القادرة على إعداد أجيال من الشباب العربي الذي سيدفع بالمشاريع المشتركة إلى تحقيق أهدافها.
وحددت المجموعة العربية، مجموعة من فرق العمل، ومنها فريق عربي للسياسات والتشريعات، بهدف تبادل الخبرات وأفضل الممارسات بين المؤسسات والجهات الفضائية العربية أو العلمية في مجالات عدة، من بينها الممارسات التنظيمية والتشريعية، وتعزيز المواءمة في التشريعات الفضائية، وتنسيق الموقف العربي والمشاركة العربية حيال المحافل والقرارات الدولية ذات الصلة فيما يتعلق بالسياسات والتشريعات، إضافة إلى فريق عربي آخر للمشاريع الفضائية المشتركة والبحث العلمي، بهدف تبادل الخبرات وأفضل الممارسات بين المؤسسات والجهات الفضائية العربية أو العلمية في مجالات المشاريع الفضائية، وتنسيق الموقف العربي والمشاركة العربية حيال مشاريع استكشاف الفضاء، وتنسيق الموقف العربي حيال برامج البحث والتطوير.
ميثاق المجموعة العربية
وبدأت الدول العربية في التوقيع على ميثاق المجموعة العربية، حيث يتطلع الميثاق مستقبلاً إلى الاستفادة من تبادل المعارف والخبرات الفنية والتجارب والمعلومات بين الدول العربية المشاركة عن كل ما يخص الفضاء، وتشجيع التطوير والبحث العلمي والابتكار في مجال الفضاء، من أجل تعزيز عملية بناء القدرات الفضائية لدى أعضاء المجموعة والتنسيق من أجل تحقيق الانسجام في السياسات والقوانين والإجراءات الفضائية، وتشجيع ودعم التعاون في مجال إنشاء وكالات للفضاء أو برامج فضائية في الدول التي لا يوجد فيها مثل هذه الوكالات، والتعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية ذات الصلة من أجل تبادل المعلومات معها، وتطوير العلاقات مع النظراء.

القمر العربي 813
وأعلنت دولة الإمارات عن مبادرة أخرى لدعم الجهود العربية، تتمثل في إطلاق القمر الاصطناعي العربي «813»، الذي سيتم تصنيعه في مرافق المركز الوطني للعلوم وتكنولوجيا الفضاء بجامعة الإمارات بتمويل وإشراف ومتابعة وكالة الإمارات للفضاء، ومن المتوقع أن يتم إطلاقه خلال عام 2024، حيث بدأت مؤخراً إجراءات اختيار المهندسين والعلماء العرب الذين سيشاركون ضمن فريق العمل الخاص بالقمر الاصطناعي.
ويعتبر القمر الاصطناعي العربي «813» فريداً من نوعه بين الأقمار الاصطناعية الطيفية من ناحية الوزن والحجم وكذلك الكفاءة، حيث ركزت وكالة الإمارات للفضاء في اختيارها على عدة عوامل، منها أن يتم تصنيع القمر داخل الدولة من خلال المراكز العلمية والمختبرات بحيث يتم بناء الكوادر العربية في مجال التصميم والتصنيع والتجميع والاختبار، ومن بعد ذلك التشغيل وتحليل البيانات. وسيكون عمر القمر الافتراضي نحو 5 أعوام، كما سيكون له مدار قطبي بارتفاع 600 كيلومتر، وسيرسل البيانات إلى محطة أرضية في دولة الإمارات، ومحطات استقبال فرعية في بعض الدول العربية، لتستفيد منها مختلف الجهات البيئية والبلديات والمؤسسات المعنية بالقطاع الزراعي والتخطيط العمراني.
وسيساعد المشروع من الناحية العلمية في المساعدة على رسم الخرائط البيئية، ورصد وأرشفة الظواهر والموارد الطبيعية وديناميكيات الغطاء الأرضي، وحالة المحاصيل، ونوعية المياه الداخلية وانتشارها، وتآكل الأرض وتلوث التربة مقابل المناخ، وحالة مواقع التعدين، والاستكشاف الجيولوجي والكشف عن المعادن والأتربة النادرة والمعادن الأساسية، وتحديد ومراقبة مواقع التعدين والحفر الحالية والمستقبلية لاحتياطيات الغاز الطبيعي والنفط. ويستهدف المشروع بناء قاعدة وآلية للعمل المشترك لتطوير القدرات العربية في مجال الفضاء، والمساهمة في حل بعض التحديات التي تواجه المنطقة العربية، وتنمية القدرات في تصميم، وتجميع وفحص الأقمار على مستوى الوطن العربي، وبناء وتعزيز التعاون العلمي والتكنولوجي بين الجامعات والمؤسسات العربية المعنية، وبناء القدرات في مجال تحليل واستخدام بيانات الاستشعار عن بُعد لمعالجة التحديات البيئية والمناخية، وربط مراكز الاستشعار عن بُعد في تبادل المعلومات عبر إنشاء منصة افتراضية، إضافة إلى ربط المحطات الأرضية لزيادة التواصل في إرسال واستقبال البيانات من القمر الاصطناعي.

التعاون الثنائي
وأطلقت دولة الإمارات ممثلة بالوكالة، مبادرة ثالثة لتعزيز التعاون العربي هي التوسع في اتفاقيات التعاون الثنائي مع العديد من الدول العربية، بهدف مساعدة ودعم هذه الدول لتأسيس وكالات فضاء خاصة بها، وإنشاء برامج فضائية وطنية خاصة، إضافة إلى تعزيز خبرات وتدريب كفاءات ومهارات العاملين في البرامج الفضائية العربية، بما يسهم في إيجاد قاعدة فضائية قوية للدول العربية، حيث اختصت مذكرات التفاهم الثنائية بالتدريب على تقنيات الأقمار الاصطناعية، وخطوات تصميمها وبنائها، وإجراء الاختبارات عليها، ومن ثم إطلاقها وتشغيلها والتحكم بها، إلى جانب التعاون على بناء الأقمار المصغرة للاستفادة منها في عدد من التطبيقات التي تخدم البحث العلمي، وتنفيذ عدد من الدراسات المتعلقة بالبيئة.

وكالات فضاء عربية
تشهد المرحلة المقبلة المزيد من أشكال التعاون بين الإمارات وبقية الدول العربية، خاصة بعد النجاح الذي حققته المجموعة العربية للتعاون الفضائي منذ إطلاقها في مارس من العام الماضي، وبدء الخطوات التنفيذية لتصنيع أول قمر اصطناعي عربي، حيث من المتوقع أن يتم إطلاق وكالات فضائية عربية تسهم في تحقيق التكامل المطلوب بين مختلف الدول.

احتضـان الموهوبين
تتمثل المبادرة الرابعة التي تستهدف تعزيز التعاون العربي، في مبادرة «نوابغ الفضاء العرب»، التي تم إطلاقها مؤخراً بالتزامن مع الاستعدادات الجارية لإطلاق مسبار الأمل، حيث يعد أول برنامج علمي تدريبي تخصصي مكثف لاحتضان ورعاية نخبة من النوابغ والمواهب اللافتة من الوطن العربي، لتدريبهم في مجال علوم وتكنولوجيا الفضاء، وتأهيلهم للعمل في قطاع الصناعات الفضائية، بحيث يستهدف البرنامج الشباب العربي من الدارسين المختصين والباحثين والعلماء والمبتكرين من أصحاب العقول الخلاقة، وكل من لديهم شغف كبير في ميدان علوم الفضاء وتطبيقاته.
ويندرج برنامج نوابغ الفضاء العرب تحت إشراف وكالة الإمارات للفضاء، حيث يتضمن علوم الفضاء والتقنيات ذات الصلة، ومجموعة من الاختصاصات من بينها الهندسة الفضائية والاتصالات الفضائية والبنية التحتية الفضائية والفيزياء الفلكية، وعلوم الغلاف الجوي، ومراقبة الملاحة الفضائية وتصميم وبناء الأقمار الاصطناعية والمركبات الفضائية وروبوتات الفضاء والتعدين الفضائي، ورصد النماذج المناخية الفضائية، وتحليل البيانات الفضائية والاختراعات والتطبيقات المرتبطة بعلوم الفضاء.
وسيعمل البرنامج على احتضان أبرز المواهب والعقول العلمية العربية لمساعدتهم على ترجمة شغفهم بعلوم الفضاء وتطوير أفكارهم الخلاقة من خلال توفير التدريب التخصصي المناسب، وتأهيلهم للحصول على فرص مهنية في المستقبل، والمساهمة في تعزيز ورفد قطاع الصناعات الفضائية في الوطن العربي، من خلال الاستثمار الأمثل في الكوادر العربية الشابة، وهو ما يعكس إيمان الإمارات بأن أي إنجاز إماراتي هو إنجاز للعرب، وأي إنجاز عربي يشكل قوةً جمعية تعود على المنطقة بالنفع، إضافة إلى تعزيز أهمية الاستثمار في قطاع الصناعات الفضائية وتكنولوجيا الفضاء متعددة الاستخدامات والتطبيقات الحياتية بوصف هذا القطاع عصباً رئيساً في دعم اقتصاد المستقبل القائم على المعرفة.