حسين رشيد (أبوظبي)

في حياة الأمم والشعوب شخصيات عظيمة تصنع التاريخ، وتبني المجد، لتنقل شعوبها إلى صدارة التاريخ بإنجازاتهم وقدرتهم على صياغة الأحداث.. شخصيات لا يقدر النسيان على طي صفحاتهم المشرفة من سجلات الزمن بعد رحيلهم عن الدنيا، بل تظل سيرتهم عالقة ومحفورة في ذاكرة الوطن، تتناقلها الأجيال وتقتدي بهم.
والمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم (طيب الله ثراه) أحد هؤلاء العظماء، فهو ذو شخصية ملهمة ومؤثرة، فأصبح أيقونة للمجد وعنواناً للنجاح وقدوة عظيمة للأجيال، ومدرسة عريقة يُستلهم منها فنون التطوير والبناء وترسيخ نهضة الوطن.

7 أكتوبر 
في مثل هذا اليوم وقبل ثلاثة عقود، انتقل إلى جوار ربه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، في ذلك اليوم ترجل القائد العظيم بعد حياة حافلة وثرية بالإنجازات محلياً وعربياً ودولياً، ترك لنا الراحل سيرة ذاتية مشرفة اقتدت بها الأجيال حتى يومنا هذا.. رحل عن الدنيا بعد مسيرة مباركة تكللت بالتطورات المثمرة، قليلاً ما يجد المؤرخ والمطلع مثيلاً لها في المنطقة العربية لزعماء وقادة قُدّر لهم أن يتولوا زمام الأمور في أوطانهم. 
اليوم الذكرى السنوية لوفاته، إنه أحد العظماء في تاريخ ومسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد كان المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، صاحب نظرة ثاقبة ورؤية مستقبلية سبق بها زمانه، فكان يرى ما لا يراه غيره، ونجح في استشراف مستقبل المنطقة، فوضع يده بيد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في مشوار الاتحاد، وشارك بكل إصرار على توحيد الإمارات وقيام الدولة، ليستمر أيضاً في وضع اللبنات الأساسية لدولة كانت حينها ناشئة وفتية، واليوم بفضل إيمان ويقين الآباء المؤسسين، وجهود وإخلاص الأبناء، أصبحت الإمارات نموذجاً وحدوياً فريداً ليس له نظير في العالم.

سيرة عطرة
ولد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عام 1912، وكانت نشأته في منطقة الشندغة بإمارة دبي، والده الشيخ سعيد بن مكتوم بن حشر بن مكتوم بن بطي بن سهيل آل مكتوم الفلاسي، رحمه الله، والذي تولى مقاليد الحكم في إمارة دبي في العام نفسه الذي ولد فيه ابنه الشيخ راشد عام 1912، واستمر حكمه 46 عاماً في فترة عاش فيها العالم أحداثاً ساخنة للغاية، وكانت تأثيراتها تصل إلى المنطقة بشكل أو بآخر، فكانت أزمة الكساد عام 1929، والحربان العالميتان الأولى والثانية، ولعل أشدها وطأة كانت أزمة انهيار تجارة اللؤلؤ بعد ظهور اللؤلؤ الصناعي.
أما والدة الشيخ راشد، فهي الشيخة حصة بنت المر بن حريز الفلاسي، رحمها الله، واشتهرت بلقب «أم دبي»، وكان لها مكانة مميزة في قلوب سكان المنطقة لما عرف عنها من كرم وطيب وحسن تعامل مع الناس، وفي ظل تلك النشأة، تخرج الشيخ راشد بن سعيد في مدرسة الحياة، متسلحاً بأفضل الخصال الحميدة، كما تلقى علومه من مدرسة الأحمدية، وتم تعيينه ولياً للعهد عام 1939، وكان من أهم إنجازاته خلال تلك المرحلة افتتاحه مستشفى آل مكتوم عام 1950 والذي كان يتسع لـ38 سريراً، كما تم في عام 1954 افتتاح أول بنك في دبي واشتراطه تعيين المواطنين من أبناء الإمارة موظفين في البنك.

راشد حاكماً لدبي 
تولى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، مقاليد الحكم في دبي العام 1958م وهو الحاكم الثامن لإمارة دبي، وذلك خلفاً لوالده سعيد بن مكتوم، رحمه الله، ومعه انتقلت دبي إلى مرحلة جديدة ومختلفة في تاريخها، وهي التي اشتهرت بكونها منطقة تجارية مرتبطة بالخور، ففي عام 1966 عندما تم اكتشاف النفط، سخر الشيخ راشد الثروة الجديدة لرخاء الإمارة ومواطنيها، من خلال تطوير الخدمات الاجتماعية والصحية، وتم استخدام عوائد النفط في تطوير دبي اقتصادياً من خلال تأسيس الميناء وإنشاء المطار.

تجربة اقتصادية عظيمة
تحولت دبي في عهد الشيخ راشد بن سعيد من إمارة نامية تجارياً إلى واحدة من أهم المراكز التجارية في المنطقة، وأصبحت شرياناً حقيقياً للتجارة العالمية بين الشرق والغرب، وكان من أهم أعماله إلغاء الإجراءات الصعبة والطويلة لإنجاز المعاملات، حيث كان منهجه يميل إلى تسهيل وتيسير الأعمال، وظل هذا المنهج حاضراً حتى يومنا هذا.
ولم يكن العمل على تطوير مكانة دبي اقتصادياً وتجارياً منعزلاً عن جهوده الكبيرة، والتي قام بها من أجل توفير سبل الحياة الكريمة للمواطنين والمقيمين على أرض الإمارة، فقد كان المغفور له متابعاً لأدق تفاصيل العمل في مختلف المجالات والقطاعات الحيوية، وشهدت تلك الفترة تطوراً ملحوظاً في العمل الحكومي بشتى القطاعات، فقام بإنشاء المراكز الصحية وتوفير المساكن الشعبية للمواطنين محدودي الدخل، كما تم تشييد المستشفيات وتزويدها بأحدث الأجهزة والتقنيات، وبناء المدارس وتعمير القرى والمناطق النائية، وربط المدن والقرى بشبكة طرق متطورة وحديثة، وكذلك إنشاء الطرق الخارجية لربط دبي مع بقية الإمارات، وغيرها من المنشآت والبنى التحتية والمرافق والحدائق والمتنزهات العامة، إلى جانب إسهامات وأيادٍ بيضاء على الحركة الرياضية في مختلف الإمارات، حيث تم تأسيس العديد من المرافق الرياضية في الأندية والمؤسسات، وإنشاء الصالات المغلقة، ولا تزال هناك ملاعب تحمل اسمه حتى يومنا هذا.

بناء دبي الحديثة
ويقول المؤرخون: إن الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله تعالى، هو من وضع اللبنة الأولى في بناء دبي الحديثة، وهو من أرسى القواعد الحقيقية للمشاريع الكبيرة للبنى التحتية والعمران والتجارة، وعمل على استغلال كل الإمكانيات المتاحة في ذلك الوقت لمصلحة بلاده، إذ إنه استغلّ النفط في دبي استغلالاً تجاريّاً عام 1966م، فأنشأ الشيخ راشد دائرة خاصة بشؤون النفط، ودائرة للطيران والقضاء، وبدأت التحولات الحقيقية في حياة دبي، فعمل لتوسيع خور دبي وتعميقه لأن ضحالة مياه الخور كانت تهدد الملاحة فيه، وتُصعّب على السفن التجارية الكبيرة دخول الخور بسبب قرب رمال الخور من سطح المياه، وتم مشروع التعميق، وأصبح خور دبي من أفضل الموانئ التجارية والاقتصادية.

تجاوز الصعاب
لقد استطاع الشيخ راشد، رحمه الله، أن يتجاوز الصعاب ويقهر التحدّيات التي واجهته طوال سنوات حكمه، خاصة في السنوات الأولى، حيث واجهها بكل ثقة وشجاعة، كان حريصاً على تحقيق رؤيته بالعمل والإصرار لتتحول دبي لإمارة ومدينة عامرة ومزدهرة، تنعم ببنية تحتية متطورة وبقاعدة صناعية واقتصادية قادرة على اللحاق بركب القرن الواحد والعشرين، لقد عمل المغفور له على قدم وساق في خدمة وطنه، وكان متحمساً بكل عزيمة وإصرار أن يضع دبي على خريطة العالم وإبرازها كسوق وميناء إقليمي.

 أصعب رحيـــــل
عن وفاة والده، يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، برحيل الوالد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، تصدعت كثير من القلوب، وفي السابع من أكتوبر 1990 رحل عن دبي والدها ومهندسها، والذي كان سبباً في وجود الوطن. 
وفي إحدى تغريداته على حسابه في «تويتر» قال: «في مثل هذا اليوم السابع من أكتوبر 1990 رحل راشد بن سعيد آل مكتوم.. رحل عن دبي والدها ومهندسها.. تصدعت برحيله الكثير من القلوب، لم يصدق الكثيرون أن من كان أباً لهم قد رحل.. أصعب رحيل هو رحيل الوالد.. يجعلك يتيماً.. لأنه كان سبباً في وجودك.. في حياتك.. في نجاحك.. سبباً في وجود وطنك».

رؤيـــــــــة حكيمة 
وخلال فترة حكمه، شهدت الإمارة تطوراً كبيراً شمل القطاعات كافة، كان يقرأ ويرى مستقبل المنطقة والعالم أمامه، وبدأت تتشكل في عقله الباطن تلك الرؤية، وتراءت أمامه الصورة التي كان يريد أن تكون عليها الإمارات عامة ودبي خاصة، وبمجرد توليه الحكم وزمام الأمور بدأت العجلة في الدوران ولم تتوقف حتى يومنا هذا، حيث عرف عنه نشاطه الدؤوب وجولاته الميدانية، وكان ينظر إلى الأمام دائماً، وكان على رأس أولوياته تثبيت مركز دبي تجارياً، والانتقال بها إلى آفاق أكثر اتساعاً تواكب العصر الحاضر والمستقبل، واجتاز التحديات والصعوبات ليقود المغفور له الإمارة بحنكة ورؤية استشرافية طموحة وثاقبة، بهدف تحقيق مستقبل واعد للإمارة، وهذا ما يشهد عليه كل من عاصر تلك المرحلة واطلع على تجربة دبي في عهده.. وتلك الرؤية كانت هي المحرك الفعلي لعجلة التنمية في دبي، ممّا أوصلها إلى ما هي عليه اليوم، تنموياً واقتصادياً واجتماعياً.
كان العمل متزامناً في تلك المرحلة من حيث تطوير إمارة دبي عمرانياً، وتجارياً، وشهدت بداية فترة حكمه طفرة كبيرة وورشة عمل مستمرة من خلال إنشاء الطرق والمطار والموانئ، وقام بإنشاء الدوائر الحكومية كالبلدية والأراضي والشرطة والقضاء والطيران والجمارك والمحاكم والتلفون والبرق واللاسلكي والكهرباء والمياه، وغيرها من الدوائر. 
ولترسيخ وتطوير المكانة التجارية لدبي، قام بتوسيع خور دبي وتعميقه بعد أن كانت ضحالة المياه عائقاً أمام الملاحة بالنسبة للسفن التجارية الكبيرة، وبالتالي أصبح خور دبي واحداً من أهم وأفضل الموانئ التجارية والاقتصادية، كما أمر ببناء ميناء راشد، ولغرض إصلاح السفن، تم إنشاء ميناء ضخم منفصل، استغرق العمل فيه مدة 7 سنوات ويحتوي على 3 أحواض جافة.

أهم المحطات في مسيرة الإنجازات
1958 تولى الشيخ راشد حكم دبي
1959 أمر ببدء أعمال حفر خور دبي، لتتحول المنطقة إلى مركز اقتصادي مهم
1960 افتتح مطار دبي الدولي والذي يعتبر اليوم أحد أهم المطارات في العالم
 1963 تأسيس بنك دبي الوطني المحدود وهو أول بنك وطني
1968 عقد أول اجتماع مع الشيخ زايد وإعلان وثيقة الاتحاد
1968 عمل مع الشيخ زايد بإصدار وثيقة الوحدة بين دبي وأبوظبي
1970 توسيع خور دبي
1972 أمر ببدء العمل في مشروع ميناء راشد
 1978 بناء مركز دبي التجاري العالمي
1979 إنجاز ميناء جبل علي

مسيرة حافلة 
في السابع من أكتوبر عام 1990، انتقل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم إلى ذمة الله بعد مسيرة حافلة من العمل الوطني المخلص، وسنوات حياته التي أفناها في خدمة وطنه ومواطنيه، وكان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في مقدمة مشيعي جثمان الفقيد، وقال عنه: «كان رجلاً باراً من رجالات هذا الوطن، وفارساً مغواراً من فرسانه، ورائداً من رواد وحدته وبناة حضارته، وإنه سيبقى، رحمه الله، خالداً في القلوب والمقدمة بين الذين يزخر تاريخهم بجلائل الأعمال».